الخميس , 29 أكتوبر 2020

“التوزير” لغة (عامية) ولسانا (فصحى)

أبو يعرب المرزوقي 

• التوزير بلغة (لهجة) تونس فعل شنيع.
وهو طبعا موروث عن مآل الوزراء لدى طغاة عصور الانحطاط الذين “وزروهم” بعد توزيرهم لسانا (فصحى):
إذ يصادرون أملاكهم وقد يعدمونهم.
في البلاد العربية لم يتغير شيء.
ما زلنا في عصور الانحطاط.
ولكن صار من “يوزر” من جنس من يوزره.
علاقتهما تكون “على خنن” من البداية بمنطق شركاء المافية التي تشبه الحرابة باستعمال قوة الدولة لنهب الشعب: سرقة مسلحة.

• كان الطغاة ذوي قوة مادية هم القبيلة ومواليها مصحوبة دائما بقوة رمزية هي الدين ومؤوليه.
وأصبحت اليوم القوة العسكرية الحامية للمافيات مصحوبة بقوة رمزية هي العلمنة ومؤوليها أعني العلامة القاطعة الدالة على تبعية المافية الحاكمة والنخب التابعة لها للمستعمر الحامي.

• ولنا مثال بين:
توزير دمية قرطاج للص القصبة الفخفاخ.
فكلاهما يستمد قيامه الفعلي ليس من الدستور ولا من عملهما الذي يجعلهما أهلا لهذه المهمة التي هي:
قوامة الدولة نيابة عن الشعب بشرعية الانتخاب الحر والنزيه وإذن فلا يمكن أن يكون رئيس الحكومة

  1. غير منتسب إلى قوة سياسية منتخبة مثل الفخفاخ أو المشيشي.
  2. ودون شرعية الإنجاز المطابق للبرنامج الذي تم انتخابهم بمقتضاه.
  3. بل برضا المستعمر الحامي ممثلا بالمافيات المحلية النائبة عن المافيات الأجنبية التي بيدها الحل والربط.

• لكن كل الشكليات القانونية التي مكنت دمية قرطاج من مثل هذا السلوك المنافي للدستور نصا وروحا لا يمكن حصولها لو كانت القوى السياسية ممثلة فعليا لإرادة الشعب ولها القدرة على تحمل مسؤولية هذا التمثيل.
حصولها دليل كاف على أنها كلها أو جلها والمؤثرون منهم على وجه الخصوص ليس بالوزن الذاتي بل بالسند الأجنبي والمافياوي مستكينة لهذه السياسة ويمكن اعتبارها دوارق لإضفاء الشرعية على ما يحصل:
ولعلهم يلعبون بالدمية حتى يخلصهم من عدوهم أي من الإسلاميين وكل الأحرار في تونس.
ذلك أنه لو كانت القوى السياسية -الأحزاب المؤثرة- ممثلة فعلا لإرادة الشعب لما سكتت على الانحرافات الخمسة التي مجموعها هو الانقلاب الذي يمثله أفعال الدمية أي تغيير طبيعة النظام ورمي الدستور في سلة المهملات رغم مواصلة الكلام عليه.

• وطبعا فالحمار الذي أكل الدستور هو الدمية نفسه:

  1. بتغيير وظيفة اختيار الرئيس للمكلف بتشكيل الحكومة عند عجز المجلس على تكوين أغلبية قادرة على الحكم بالتشاور معه وتحوله إلى تحكم مطلق يلغي دور المجلس والنواب المنتخبين فلا يبقى رئيس الحكومة ممثلا للأغلبية فيه بل ويلغي السلطة التشريعية ويجعلها من بني وي وي بالابتزاز..
  2. ومن ثم تحويل رئيس الحكومة إلى وزير أول بدلا من أن يكون رئيس حكومة يستمد شرعيته من برنامج الأغلبية النيابية -سواء كان من قوة سياسية واحدة أو من حلف بين قوى سياسية متعددة- فيجعل كل السلطة التنفيذية بيد الرئيس.
  3. والابتزاز مضاعف فهو شكلي قانوني ويتمثل في تأويل الدستور على هواه لكأنه قاض دستوري وهو انتحال صفة وهو قاض متقاض في آن لأنه خصم وحكم في الفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية التي صارت كلها تحت سلطانه بخلاف ما له من صلاحيات يحددها الدستور بكامل الدقة.
  4. والابتزاز فعلي سلطوي بالسيطرة على أداتي عنف الدولة الشرعي أي الأمن والجيش فيصبح العنف الشرعي غير شرعي لأنه صار بيد فاقدة لشرعية السلطان عليه لأن استعمالها ليس من اختصاصه بل من اختصاص مراكز السلطة الثلاثة مجتمعة أي المجلس والقصبة وقرطاج في حالات الخطر المهدد للنظام والسلم المدنية.
  5. أخيرا كل التحيل الذي يحول دون عودة الأمر إلى المجلس كلما حاول النواب استرداد سلطانه على تعيين رئيس الحكومة فهو يلجأ إلى حيلة مافياوية وهي الزام “الموزر” بالانتحار القبلي أي بإمضاء استقالته التي تظهر عندما يحتاج الرئيس إليها إذا أراد استعمال صلاحياته أو إذا أراد المجلس سحب الثقة منه حتى يعود إليه تعيين خلفه.

• لذلك فطبيعي أن يكون أي “موزر” من نفس طينة موزره وان يكونا “دافنينه” مع بعضهما علما وأن الموزِّر خاضع هو بدوره لما يشبه خضوع الموزَّر ولكن لكأنه “موزر” من الحامي:
فهو ممض على استقالته -وقد تكون عنيفة بانقلاب عليه- إذا خرج عن طوعه.
وفي حالتنا التونسية بات ذلك علنيا وتلك دلالة التلبية السريعة لدعوة ماكرون للدمية إذ استجاب في الحين بين عشية وضحاها وفرض عليه التعبير عن الولاء العلني أمام الكاميرات بـ”تقبيل” الأكتاف والاعتراف بالحماية وبالمفاخرة بثقافته الفرنسية ككل “بوتي ناجر”..
وهذه الخاصية ليست مميزة له لأن جميع القوى السياسية في تونس -وفي كل بلاد العرب من العراق إلى المغرب- لا تقوم بذاتها إذا أرادت أن تشارك في الحكم بل عليها ترضية الحامي وإذن فقيامها بذاتها الوحيد الممكن هو الاجتهاد والجهاد ضد هذه الوضعية.

• والاجتهاد والجهاد ضد هذه الوضعية يعنيان تحمل مسؤولية

  1. تحقيق شروط التحرر من الاستبداد والفساد.
  2. واستكمال شروط التحرير من الاستتباع والاستضعاف.

وقد رأينا “مشترة” منه في الجزائر – العشرية السوداء – ثم في مصر – رابعة وما تلاها – ثم في ليبيا وسوريا -الحرب الأهلية- وكل قطر حاول شعبه كتابة دستوره بما يؤمن به واختيار حكامه بحرية.

• لذلك فإني اعجب ممن يعجب من اختيار هذا النوع من الموزرين في مثل هذه الحكومات من مثل هذه القوى السياسية.
فهي دائما مؤلفة

  1. ممن لهم السلطان الفعلي وهم من يعينهم الحامي -كما في حكومة الفخفاخ-
  2. وممن يقبلون بالمشاركة الرمزية من دون سلطان فعلي كما حدث منذ 2011 إلى اليوم.

وما بين 2012 و2013 كان قوسين قصيرين فضلا عن كون الترويكا لم يكن بيدها أدنى سلطة على أدنى شيء.

• والقوسان -2012-2013- بوسعي الكلام عليهما لأني شاركت في سنتها الاولى بصفة وزير مستشار وأعلم أن الترويكا لم تحكم في شيء بسبب ظاهرتين من ينكرهما يكذب على نفسه وعلى الشعب:

  1. أولاهما لأن كل أدوات الفعل السياسي ليست بيدها.
    فنصوص القانون إذا لم تنفذ لا مفعول لها لأن من يسيطرون على الأجهزة ومن يتعلق بهم القانون كلاهما يحولان دون انطباقه أو انطباقه بحسب القصد من وضعه:
    الحكومة لم يكن لها أدنى قدرة على تنفيذ القانون.
  2. والثانية لأن الحكم يقتضي معرفة بدواليب الدولة وخبرة بشبكة الفواعل في أجهزتها.
    وهما أمران لم يكن أحد من الوزراء حائزا عليه.
    وحتى لو تصورنا التمكن بعد نصف سنة من حكم الترويكا فإن أهم حقيقة صارت بينة للجميع هي أنه لا يمكن حكم بالشرعية إذا كانت فاقدة للشوكة.

• ولا بد هنا أن أشرح علة عدم قبولي بأن “أوزر”.
فقد اقترح علي على الأقل ثلاث مرات المشاركة في الحكومة إما بصورة عامة دون تعيين للوزارة أو في التربية أو في التعليم العالي ورفضت صراحة:

  1. الأولى من صهر الغنوشي وذلك في الثلث الأول من سنة الثورة الأولى أي قبل الانتخابات.
  2. والثانية من الزميل المرحوم بن سالم بعد الانتخابات لاختيار وزارة التربية أو وزارة التعليم العالي.
  3. والثالثة والأخيرة ليلة التشكيل من قبل رئيس الشورى الحالي وكان ذلك ليلا بحضور أبني نزار يعرب.

• وقد رفضت المقترحات الثلاثة حتى إن الأستاذ حمادي الجبالي رد على من لم ير اسمي في التشكيلة بأن ذلك هو رغبتي وهو محق.
وفعلا فتلك كانت رغبتي لأني كنت واثقا من أن سنة واحدة لا تصلح لعلاج أي مشكل في أي وزارة فضلا عن كوني ليس لي تجربة في الحكم.

• وكنت قد فكرت في أن ما تم الاتفاق عليه من التزام أدبي بسنة لكتابة الدستور حقيقة وليس خدعة.
وقد طبقت حرفيا ما التزمت به فاستقلت بعد سنة.
ولا داعي للتذكير بمضمون الاستقالة
علما وأني كنت وما زلت ضد ملامح الدستور وطبيعة النظام المزمع تأسيسه به.

• وكان رفضي للدستور علنيا بالكتابات والمحاضرات في تونس وخارجها.
لكني لم أكن ميالا لا للنظام الفرنسي ولا للنظام الرئاسي عند العرب بل كنت أميل للنظام الأمريكي أي رئاسي (شرط الفاعلية التنفيذية) مقيد بسلطة أقوى منه (شرط الرقابة القبلية والبعدية على شرعية الفاعلية) لأنها تتحكم في أمرين غائبين في جل دساتير العالم:

  1. الأداة الأولى لأي سلطة سياسية فاسدة هي التصرف في مالية الدولة دون رقيب ودون حسيب ودور المجلسين مجلس الشيوخ ومجلس النواب علاج هذا المشكل الرئيسي في كل سياسة.
  2. الأداة الثانية لأي سلطة سياسية فاسدة هي الاختيار التحكمي للكوادر -الوزراء خاصة- دون رقيب ودون حسيب لتنفيذ السياسة التي انتخب على ضوئها الرئيس أي الوزراء الذين يمرون حتما أمام سلطة المجلسين لتقرهم أو ترفضهم.

• وما زلت على هذا الرأي وما أن يحل وقت مراجعة الدستور فسأدافع عن هذا الرأي وقد سبق أن كتبت فيه لما طالب ابن علي التمديد سنة 2000 فكتبت رسالة في الصحافة وجهتها له ووضعت فيها شروطا خمسة لقبول التمديد لمدة إضافية واحدة لا غير لتسليمي بأن الانتقال الديموقراطي ليس أمرا سهلا حتى لو صدقت النوايا.
وهو ما كان يقتضي ألا يقتصر التعديل على التمديد بل تحقيق الشروط الخمسة التي وضعتها ليكون للتمديد وجاهة إذ إن غرض ما سمي بالإنقاذ لم يتحقق منه شيء والبلاد أصبحت خالية من قوى سياسية قادرة على تأسيس ديموقراطية ذات مصداقية:

  1. ⁦تحرير القوى السياسية وتمكين أربعة أحزاب أخرى من العمل مثل التجمع بحرية كاملة وهي:
    حزب يساري وحزب إسلامي وحزب قومي وحزب الوسط وهو غالبا ليبرالي ولا ينتسب إلى أي منها وليس تابعا للتجمع.
  2. خروج الرئيس من التجمع ليكون رئيس الجميع وليس رئيس حزب من بين الأحزاب والقبول بالحد من سلطاته في الدستور بصورة تقرب مما يجري في النظام الرئاسي الأمريكي.
  3. لذلك اقترحت تكوين مجلس ثان وظيفته قريبة من وظيفة مجلس الشيوخ يكون دوره الأساسي مناقشة كل المسائل المتعلقة باستراتيجية الدولة والجماعة وبالرؤى السياسية والاقتصادية والثقافية التي تحقق شروط السيادة.
  4. العفو التشريعي العام لقلب صفحة الفساد والاستبداد والشروع في تكوين جيل سياسي بعد أن كاد الجيل البورقيبي أن ينقرض وحال التصحير السياسي من تكوين نخبة سياسية قادرة على ممارسة الحكم الرشيد.
  5. أخيرا حرية التعبير وحرية الإعلام هما الشرط الضروري وإن لم يكن كافيا لتكوين هذا الجيل وحتى يكون تتويجا لأساس وجود نظام ابن علي نفسه باعتباره استند إلى عملية إنقاذ مما حل بالنظام البورقيبي من تآكل شرعيته بسبب انسداد أفق الديموقراطية والحريات.

• وأزعم أن هذا النص كان ضديدا لما رايته من محاولات تبرير التمديد ليس بمثل هذه الأهداف بل بنقائضها التي كان عليها انحراف ما أعلن عنه ابن علي في انقلابه أي “أهلية الشعب” لحكم نفسه وخاصة بعد انتخابات 89 والحرب الشعواء على الإسلاميين وسياسة تجفيف المنابع.
كان تبرير التمديد الذي فرض من جنس ما يعللون به اعادته تحت “تقية” دمية قرطاج:

  1. الحرب على الإسلاميين
  2. والحرب على الحياة الديموقراطية

لكأن الذين ساهموا في تحويل الدستور كانوا مقتنعين أن التمديد لابن على علته أن مهمتيه هذين في تصفية الإسلاميين وتجفيف المنابع وخاصة تهجين اللغة العربية في الإعلام لأن تهجين التربية لم يعد كافيا لفصل تونس عن حضارتها.

• والثابت أن دمية قرطاج كان ممن سعوا إلى هذا الهدف -لأنه دافع عن التحوير الدستوري الذي مدد لابن علي- وهو الآن يعود إليه بتقية العربية الشوهاء وعبادات الغوغاء لأن الخطة هي الجمع بين عدوي الإسلام وحضارته:

  1. بقايا الباطنية أي القذافي المزيف.
  2. وبقايا الماركسية أي “لينين” المزيف.

وهذا يعني أن المشروع لا يمكن ألا يكون من استراتيجيات الملالي واليعقوبية ومن هنا كلامي على لبننة تونس.
ومن عجائب الدهر أن البورقيبيين الذين انقرضوا صار المتكلم باسمه من حاربوه وعاملوه معاملة كان الاستعمار به ارحم بحيث التقى اليساري والقومي والتجمعي حزب التقية.

شاهد أيضاً

الديمقراطية، شروط التحديثي والتأصيلي الكاريكاتورية

أبو يعرب المرزوقي  كلما سمعت “مثقفا” يدعي الحداثة يرهن أهلية الشعوب لقيادة نفسها سياسيا بما …

الإعلام: ما مشكله ؟ ولماذا يعسر علاجه ؟

أبو يعرب المرزوقي  ما فهمته من مشروع الإصلاح المقترح هو الإصلاح بإطلاق حرية المبادرة والاعتماد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.