السبت , 5 ديسمبر 2020

الزيتونة واحدة ومتعددة (1)

زهير بن يوسف 

1. النخب العالمة وموقعها من التحديث:
انخرطت تونس منذ فجر القرن 19 أولى محاولات التحديث السياسي والمؤسساتي، وقد كانت فئة العلماء، قبل تخرج الضباط من المدرسة البوليتكنيكية بباردو، الشريحة الوحيدة المتعلمة في البلاد والنخبة القادرة أكثر من غيرها على استيعاب دواعي التحديث ومتطلباته والمشاركة فيه والقيام على تطبيقه.
فكيف تفاعل العلماء الزيتونيون مع مساعي التحديث؟ وإلى أي حد أسهموا في تشكيل أهم التيارات الفكرية والسياسية التي عرفتها البلاد؟ وإلى أي مدى يمكن النظر إليهم ككتلة متجانسة يمكن تنميطها ونمذجتها؟ وبالتالي هل كانت الزيتونة واحدة بهذا الصدد أم متعددة؟

2. العلماء وبواكير التحديث:
لم يكن دور العلماء في إصلاحات أحمد باي سلبيا ولا معارضا إذ ساندتها وواكبتها وعبرت عن وعيها بأهميتها وتبنت كل ما جاءت به من إجراءات.
والاكتفاء بالتأييد في هذه التجربة الأولى، على تواضعه، يعد في حد ذاته موقفا إيجابيا وتطورا له أهميته في تلك المرحلة المبكرة من زمن الإصلاحات لاسيما متى قارناه بما كان سائدا في إسطنبول وتحديدا زمن إصلاحات السلطان سليم الثالث والسلطان محمود الثاني من مواقف إن لم تكن معادية للإصلاح فهي بالأدنى غير متحمسة لها.
ومما يدل على وجاهة هذه القراءة:

  1. تأييد الشيخ إبراهيم الرياحي (ت 1850) لإصلاحات أحمد باشا باي وإسهامه فيها من موقع متقدم بدليل تأسف ابن أبي الضياف عليه عند تطبيق عهد الأمان بقوله: لو كان الرياحي حيا لما احجم العلماء عن المشاركة في المجلس الأكبر.
  2. ومناصرة 15 عالما زيتونيا في مقدمتهم الشيخ إبراهيم الرياحي باش مفتي المالكية والشيخ بيرم الرابع (ت 1861) باش مفتي الحنفية والشيخ علي الدرويش الباجي (ت 1846) لقانون تحرير العبيد بكل ما يعنيه ذلك من التزام بدعم الحرية بشكلها الكامل.
  3. انخراط الشيخ محمود قبادو (ت 1871) عضويا في تحديث المؤسسة التعليمية حيث كان يرى أن لا سبيل إلى نهضة العالم الإسلامي إلا “باقتباس العلوم العصرية عن الأوروبيين بالنقل والتعلم”، وفي هذا الإطار يتنزل إلحاحه على دعم حركة الترجمة في صفوف تلاميذ المدرسة الحربية بباردو وإشرافه على تهذيب نصوصها كما هو الحال في تقديمه لترجمة كتاب أصول الحرب.
    وقد تجلى هذا الدور في القبول بإدراج العلوم العصرية واللغات الأجنبية بالمدرسة الحربية بباردو وعدم الاعتراض على انتداب الضباط الأجانب لتدريسها علاوة على مشاركة العلماء بأنفسهم في التدريس وفي تعريب العلوم العصرية الخ.

3. الوسط الزيتوني منبع للتحديث:
لم يكن القسم الغالب من النخب الزيتونة بمعزل عن التحولات العميقة التي كانت تحدث في العالم ولذلك اضطلعوا بدور واضح في مساعي التحديث وعلى أيديهم كانت أولى الإصلاحات مما انتهى بعدد من الدارسين، على غرار الحبيب الجنحاني، إلى التأكيد على أن “الحركة الإصلاحية نبعت من الوسط الزيتوني” وبالتالي من فئة العلماء قبل أن تتدعم بخريجي المدرسة الحربية بباردو.
وعلى وجود بعض المواقف الفردية غير المؤيدة للإصلاح السياسي والمؤسساتي، وهي مواقف لا يمكن التقليل من خطورتها، فإنها لم ترق إلى مستوى التيار المناوئ للإصلاح بل كانت ضعيفة وغير ذات فاعلية بدليل أنه لم تؤثر عنها أية كتابات (يتبع).

د. زهير بن يوسف

شاهد أيضاً

ريمة وجلال أو ابن آوى رسول الحب: قصة ريمة الباجية والأربعين عاشقة

تدوين: جول مونتال تعريب: زهير بن يوسف  في السهل الكبير عند سفح جبل المنشار كان مبارك …

باجة: المنظمات الوطنية وقرار الإضراب الجهوي

زهير بن يوسف  في سياق متصل مع الجلسات التشاورية التي عقدتها منظمات المجتمع المدني ومُخرجات …

اترك رد