الإثنين , 26 أكتوبر 2020

مرّة أخرى ..

نضال السعيدي 

أشتاقُ إلى زَمنٍ آخَرَ هاجرَ العالَمَ إلى الصُورِ التي اعتلاهَا الغُبارُ فِي حقيبَةٍ قديمةٍ تضعُهَا أمِّي فوقَ خزانةِ الثيابِ. أشتاقُ إلى “دَادَا”، إلى “الكسكسي باللّبَن”، وحكاياتِ الألمَانِ، والخروجِ مساءً إلى الوادِي لرعْيِ الأبقارِ. كنتُ أركُضُ بينَها وأتشقلبُ فِي العُشبِ الأخْضرِ، وأراقِبُ أضرُعَها وأنا أضحَكُ. وأدقّق النَظَرَ وهيَ ترفعُ ذُيولَها لتلقِي ما في جوفِها ثمّ أهُمُّ أنْ أسألَ “دَادَا “: ألا تشعُرُ هذهِ الحيواناتُ بالحرجِ وهيَ تتجوّلُ عاريةً تحتَ أنظارنَا ؟”. فيُخيّلُ إلِي أنّها تلوّحُ بعصاهَا نحوِي فأُحجِمُ.

دادَا كسيدنَا سليمان تفهمُ لُغةَ الكائناتِ. أراهَا وهيَ تُحدّثُ أبقارَها، خاصّةً “الجنْحَة”، وهيَ بقرةُ مكسورةُ القرنِ تبدُو كطفلٍ غبيٍّ، وتوبِّخُها إذا حادت عن الممشَى والتقمت بعضَ السنابلِ مِنْ حقُولِ النّاسِ، فتخفضُ رؤوسَهَا وتخجلُ خجلًا شديدًا. كنتُ أنا و”دَادَا” والأبقارُ.. و”بالْ” كلبُنَا الوفيُّ الذي لاَ يتأخّرُ عنْ مرافقتِنَا. كمْ تحمّلَني ذلكَ الكلبُ العجُوزُ رغمَ أنّني عبثتُ كثيرًا بذيلهِ. وما أكثر ما كانَ يرمُقُنِي بنظرةِ لومٍ لكنّهُ لمْ يكشّر في وجهِي مُطلقًا. أقسمُ أنّني أحببتهُ أكثَر منْ بشرٍ كثيرينَ عرفتُهُم في حياتِي. كانَ يستلقِي تحتَ نافذَتِي، وكنتُ أباغتهُ إذَا هدَأت الحركة ونامت أمّي وإخوتِي فيرفعُ رأسهُ كأنّهُ يتأفف ويقولُ فِي نفسهِ: “ما هذَا الصبِيُّ يا إلهِيِ..” ولكنّهُ يتحمّلنِي، كأنّهُ كانَ يعرفُ أنّني لا أستطيعُ النّومَ وأنّني أشعُرُ بأشياءٍ موجِعةٍ لاَ تسعُها قلوبُ الصبيةِ من أترابِي. في غيابِ أبِي، كانَ ذلكَ الكلبُ حارسَ منزلِنَا، وكانَ على هرمِهِ يقفُ في وجهِ القادِمينَ أو العابرينَ، وإذا رآنِي أصارعُ طفلاً من أطفالِ القريةِ هبَّ لإنقاذِي نابحًا غاضِبًا ثمّ يهدأ ويلتفتُ إليَّ فأسمعهُ: ” عُدْ إلى المَنْزِلِ أيّها الصبِيُّ.. لقد تأخّرتَ”.

تأتِي دادَا صباحًا إلى منزلِنا تحملُ “اللّبن” وهي تتوكّأ على “خيزرانتها” المتعبَةِ. أنظُرُ إليها وأنا أفرك جفونِي وأتطلّع إلى رسومِ الوشمِ الخضراء على وجهها. كنتُ أشعُرُ أنّها ليست مجرّد امرأةٍ، كانت بلدًا بأسرهِ، حينَ أشمُّ دادَا تفوحُ منها رائحَة السنابِلِ في الحقولِ، والتفّاحِ على الأغصانِ، والطينِ الذِي تصنعُ منهُ “الكوانينَ” للشتاءِ القادِمِ. الآنَ أغمضُ عينيَّ كيْ أتخيَّلهَا شجرةَ خرّوبٍ عظيمةً كتلكَ التي كانتْ قربَ منزلنَا مثقلةً بالهيبةِ والوقارِ، كنتُ أشعُرُ أنَّ تحتَ “مليتِهَا” آلافَ العصافيرِ النائمةِ، وفي قلبِها آهات مكتُومةً وزمنٌ متعبٌ منَ الحياةِ. أذكُرُ مرّةً أنني اعترضتُ طريقَها وأنا أركُضُ صائحًا. اندهشت حينَ رأتنِي ألبسُ في إحدَى قدميَّ بوطًا بلاستيكيًّا وأعرجُ بالأخرَى حافيًا. ظنّت أنَّ حيّةً لسعتني فاحتضنتني وهي تستفسرُ عمّا أصابنِي مرتعبةً. كنتُ أسمعُ قلبَها ينتفضُ كحمامةٍ. ثمّ أغرقت في الضحِكِ حينَ أخبرتُها أنّني دسستُ ساقِي فِي فردةِ البوطِ الثانيةِ فلمست أصابعِي ضفدعًا كان يقضِي الليلةَ فيهَا..

آخرُ عهدِي بدَادَا رحمها اللّهُ كانَ يومَ زرتُها في المستشفَى. كانت شجرةُ الخروبِ العظيمةُ شاحبةً جرداءَ مستلقيةً في الفراشِ مغمضةَ العينينِ تسبحُ في غيبوبةِ لا يعرفُ الطبيبُ متى تستيقظُ منهَا. قبّلتُها، وانتظرتُ أنْ تبتسمَ كدأبها لكنّها لم تفعل. عرفتُ أنّهُ الموتُ. بكيتُ. كانَ كلُّ شيءِ يعرفُ دادَا يبكِي في كلِّ مكانٍ بشرًا أو حجرًا أو شجرًا. وآخرُ عهدِي بـ “بالْ” كانَ بعدَ أنْ عادَ أبِي من السّجنِ. تلكَ اللّيلةَ سمعنا صوتًا يشبِهُ مواءَ الفرح. فتحت أمّي البابَ فإذَا والدِي أمامنَا والكلبُ يرفعُ ساقيهِ الأماميّتينِ ليعانقِهُ فرحًا بعودَتهِ منْ منافِي السّياسةِ. بعدَها لا أذكُرُ منْ صديقِي مشهدًا آخرَ سوَى حينَ غادَرَ. كأنَّهُ كان ينتظرُ عودةَ صاحِبِ المنزلِ ليُسلّمهُ أمانتهُ ويذهبَ. الرّيفُ الذِي حدث فيه هذا وأشياء أخرى كثيرةٌ محتهُ مياهُ سدّ سيدي البرّاق الذي يقعُ على الطريقِ الرابطةِ بينَ نفزةَ والسّجنانِ. الدّولةُ لا تعبأ بالجماليّاتِ. أغرقت طفولتنَا وهجّرتنَا إلى أرضٍ أخرَى كأنّنا غجرٌ رُحلٌّ، كأنّنا مطرودونَ من الأندلُس، كأنّنا قافلةُ آدمَ الذِي يغادرُ الجنَّةَ. لعنةٌ ما ساءَها أنّنا كنّا سعداءَ فقرّرت أن تنتقمَ منْ قريتنَا كما انتقمَ الرومانُ من قرطاجَ وكسوها ملحًا. وأنا أكتُبُ هذه الخاطِرةَ، وأضعُها هُنا دونَ أن أحرّكَ حرفًا منْ مكانِهِ ولا أنْ أراجِعها كيْ لا أشعُرَ بوخزٍ يسارَ الجسدِ، أشعُرُ أنَّ دادَا تبتسمُ في سماءٍ مَا وأنّ الكلبَ يستلقِي بجانبها وهو يبصبصُ بذيلهِ وعيناهُ تسألانِها عنَّا..

سدّ سيدي البرّاق

شاهد أيضاً

هواجسُ جالسٍ في بيتِهِ

نضال السعيدي “في البيتِ أجلسُ لا حزينًا لا سعيدًا لا أنا أو لا أحَدْ ..”. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.