الأربعاء , 28 أكتوبر 2020

اللُهم صبرا مثل صبر أيوب

فتحي الشوك 

من أين لأمُ أيوب بصبر أيُوب؟ أيّ حرقة وأيُ إحساس حضرها لحظة المأساة؟ كيف نقنعها بأنٌ رضيعها فارق الحياة قبل أن يطأها، أتت به على عجل وهو يشكو من ضيق في التنفٌس وارتفاع درجة حرارته لتبقى تنتظر وهي تحتضنه بعد أن طلب منها الانتظار لأنُها من مدينة مصنُفة موبوءة خشية انتشار الوباء، ليكتشف فيما بعد أنُه لا يحمل فيروسا وانُه توفُي وكان من الممكن إنقاذه بحركة بسيطة وقليل من الجهد، التهاب حاد للقصبات الهوائية، التهاب رئوي حاد، سعال ديكي، أزمة ربو حادة… كلُها قابلة للحلُ إلا ما أصاب إنسانيتنا وضمائرنا فهو غير قابل لأيُ حلُ.

هو التوحّش في عصر التوحُش الّذي يحوُل الإنسان إلى ريبوت يطبق ما يشحن به من تعليمات دون البحث عن مخرج أو تقديم تضحية أو نكران للذات، هي حالات وأرقام وأوراق وستطوى كما طويت بقية الملفات.
من مازال يذكر عشرات الرضُع الخدش الذين ارسلوا إلى أهاليهم في صناديق كرتون ليثار الجدل حول حرمة الموت وتنسى قداسة الحياة وكان الحل بتعويض الصناديق الكرتونية بأخرى خشبية ليرتُب الملف في دهليز النسيان إلى حدُ أن يطرح اسم المسؤولة عن الكارثة كوزيرة في حكومة الرئيس المقترحة.

أيُوب ليس الأوُل ولن يكون الأخير ورهاب الكورونا الذي تسبب في وفاته قد غيب الكثيرين من أصحاب الأمراض المزمنة أو ممن لسوء حظهم تعرضوا لازمة صحية حادة خلال فترة الجائحة والأدهى والأمر أن يقع إضاعة جهد ما تمُ وضعه من خطط في الفترة الأولى للوباء نتيجة للمناكفات السياسية والمعارك الوهمية وللعمى الأيديولوجي الذي أصاب البعض، نحن نعيش على أبواب كارثة ولا أحد مكترث لذلك، يموت أيوب أو عشرات مثل أيوب بالكورونا أو بغيرها، حرقا أو جوعا أو غرقا لا يعني شيئا، هي مجرُد. أرقام متغيُرة في سجلات الدفاتر المدنية وهي ليست بأهمُية أرقام استطلاعات رأي الزرقوني ولن تكون بقيمة عدد الأيام الُتي تلتصق فيها المؤخرات بالكراسي.

كلّ مشغول بمعركته وكلّ يغنُي على ليلاه، وقيسنا منشغل بأكلة الدستور الشهية وبالبحث عن باڨات طويلة في شكل سيف لنجدة بغلة عثرت في العراق ولم تشغله دنياه عن العبادة والطاعات وبعض الركعات المصوّرة صدفة لأجل جمال اللقطة ومعركته المقدسة تتطلُب أجلُ التضحيات.

أما الحكومة فلرئيسها ما يهمُه أكثر من هذه الترّهات، تسجيل النقاط في الوقت الضائع وتصفية الحسابات ولنصب الفخاخ وتفخبيخ الطريق.
أمُا الأحزاب وأهل السياسة فمنغمسون في تدمير بعضهم البعض ومتورطون في عملية الاغتيال الممنهج للسياسة وللأحزاب كشكل متقدم للتنظم.
أزمة مستفحلة سيكون بمنأى عن كل ذلك من ترونهم اليوم يذرفون دموع التماسيح فدموعنا كما عرقنا كما دماؤنا لا تعنيهم.
نحن كيونس في بطن الحوت وكأيوب في محنته.

د.محمد فتحي الشوك

شاهد أيضاً

قطّاع طرق الحبّ من غلاة اليمين واليسار

فتحي الشوك  أصاب بالقرف كلّما استمعت إلى تعليقات وتحليلات سدنة معبدي “الحدثوت” و “اللّاهوت” من …

لعبة الفيل و الحمار (2)

فتحي الشوك  أيّام قليلة و يبوح سباق الفيل و الحمار بكلّ أسراره، تهيّأت غابة العمّ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.