الثلاثاء , 27 أكتوبر 2020

الأحزاب والنواب عن حكومة قيس سعيّد بقيادة هشام المشيشي: نُمرّرُهَا ثُمّ نُسْقٍطُهَا..!!

عبد اللّطيف درباله 

سؤال منطق النواب لأنفسهم: لماذا نحلّ البرلمان بعدم التصويت للحكومة.. طالما يمكننا حلّ الحكومة نفسها رغم التصويت لها..؟؟

برغم كلّ الإعتراض على حكومة هشام المشيشي التي يعتبرها الجميع بوضوح حكومة الرئيس قيس سعيّد..
والتي وقع تغييب الأحزاب وكتل البرلمان عنها تماما..
وكما هو منتظر وسبقت الإشارة إليه في مقالاتنا.. وفي الكثير من المقالات للعديد من الكتّاب والمحلّلين..
فإنّ غالبيّة النواب قد تتّجه إلى التصويت على منحها الثقة بما يكفي لمرورها..
أي بعبارة أخرى بما يكفي لعدم سقوطها.. حتّى لا يفتح الباب وجوبا طبق الدستور لحلّ مجلس نواب الشعب والدعوة إلى إنتخابات تشريعيّة جديدة مبكّرة..

السؤال المحوري للأحزاب والكتل والنواب.. هو لماذا نعاقب رئيس الجمهوريّة وهشام المشيشي بعدم التصويت لحكومته بسبب عدم قيامها على تمثيليّة للبرلمان طبق الدستور.. بما سيؤدّي إلى حلّ البرلمان ومعاقبة أنفسنا.. والحال أنّه يمكن التصويت بالثقة للحكومة.. ثمّ إسقاطها في وقت لاحق ومعاقبة المشيشي نفسه ومن ورائه قيس سعيّد بتلك الطريقة باعتبار أنّهما من ارتكب الخطأ لا النواب..؟؟!!

بعبارة أخرى.. يتساءل النواب مع أنفسهم: لماذا نحلّ البرلمان طالما يمكننا حلّ الحكومة نفسها..؟؟!!

صراع القبضة الحديديّة بين رئيس الجمهوريّة والقوى السياسيّة في البرلمان.. بدأ يكبر.. وبعد أن كان يضمّ حركة النهضة وائتلاف الكرامة وقلب تونس.. التحق بالمجموعة الرّافضة لتوجّهات الرئيس سعيّد التيّار الديمقراطي.. وبدرجة أقلّ ولو في صمت تحيا تونس وحركة الشعب..

عدد كبير من النواب سيصوّت في كلّ الحالات لحكومة المشيشي.. ليس لأنّه في توافق مع الرئيس.. أو اقتناعا بجدوى حكومة الكفاءات المستقلّة.. وإنّما لكون هؤلاء النواب ليس من مصلحتهم الشخصيّة بتاتا سقوط حكومة المشيشي لأنّها تعني دستوريّا إعادة الإنتخابات وفقدان مقاعدهم في مجلس النواب بعد أقلّ من سنة.. والحال أنّه كانت تنتظرهم أكثر من أربع سنوات كاملة من العضويّة في المجلس..
وهم لذلك سيصوّتون للحكومة أيّا كانت.. ولن يمنعهم ذلك من الإلتحاق لاحقا بمعارضيها.. وربّما العمل على إسقاطها..
كما أنّ الكثير من النواب داخل الأحزاب نفسها.. بما فيها الكبرى.. لا تروق لهم فكرة إعادة الإنتخابات.. لأنّه حتّى ولو نجح حزبهم في الفوز بعدد أكثر أو أقلّ من المقاعد في البرلمان الجديد.. فإنّ إعادة وجودهم هم أنفسهم شخصيّا بالبرلمان غير مؤكّد.. وبالتالي فقد يضغطون على أحزابهم.. أو يوجّهونها.. لقبول حكومة المشيشي والعمل على إسقاطها لاحقا.. تحقيقا لمصلحة فرديّة حتّى ولو لم تكن مصلحة حزبيّة..

من جهة أخرى تخشى بعض الأحزاب من أنّ سيناريو إعادة الانتخابات سيُدخل البلاد في مرحلة سياسيّة استثنائيّة محفوفة بالمخاطر.. قد تمتدّ من 5 إلى أكثر من 8 أشهر.. ويُطلق يد قيس سعيّد.. الذي سيعوّض البرلمان في عمله التشريعي بإصدار مراسيم القوانين.. وستبقى حكومة إلياس الفخفاخ في الحكم مطلقة اليد بدورها دون حسيب أو رقيب..!!

يبلغ عدد النواب المستقلّين غير المنتمين إلى كتل حسب آخر تحديث بتاريخ 28 جويلية 2020 عشيّة العطلة البرلمانيّة.. 17 نائبا.. وإن كان لا يُعرف موقف أغلبهم.. ويفترض المنطق أنّهم لن يجازفوا بخسارة أماكنهم في البرلمان بإسقاط حكومة المشيشي.. غير أنّ ذلك لن يمنع عددا منهم من عدم التصويت بالفعل لحكومة المشيشي.. رفضا لتوجّهات رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد..
نفس الشيء ينطبق تقريبا على نواب كتلة المستقبل (9 نواب).. والتي كانت في المرحلة السابقة قريبة من التحالف الذي جمع أحزاب النهضة وائتلاف الكرامة وقلب تونس في المجلس ضدّ حكومة الفخفاخ..

حركة الشعب (16 نائبا) قرّرت التصويت لحكومة المشيشي.. بما يعني إنقسام الكتلة الديمقراطيّة (38 نائبا) التي تجمعها بحزب التيّار الديمقراطي (22 نائبا) الذي اتّخذ قرارا معاكسا..
الحزب الدستوري الحرّ (16 نائبا) يبدو في طريقه للتصويت على حكومة المشيشي طالما أنّها أخرجت النهضة من الحكومة ولم تضمّ أيّ وزير منها كما صرّحت رئيسته عبير موسي..
حزب تحيا تونس تبدو مواقف قادته متوجّهة بدورها للتصويت لحكومة المشيشي.. بما يظهر أنّه اقتناع.. على الأقلّ حسب التصريحات الرسميّة العلنيّة لقادته.. وإن كان لم يبق بكتلة تحيا تونس إلاّ 10 نواب بعد تتالي الإستقالات.. كتلة الإصلاح.. والتي تضمّ شتات بعض نواب الأحزاب الصغيرة بعدد 16 مقعدا تقريبا.. أعلن رئيسها حسونة الناصفي موافقته على حكومة الكفاءات المستقلّة للمشيشي..
كما أنّ الكتلة الوطنيّة التي انشقّت عن قلب تونس بقيادة حاتم المليكي ورضا شرف الدّين.. والتي تضمّ 11 نائبا.. أعلنت توجّهها للتصويت لصالح حكومة المشيشي..

حزب ائتلاف الكرامة (19 نائبا) استبق الجميع وكان أوّل من أعلن رسميّا وبوضوح أنّه لن يصوّت لحكومة هشام المشيشي التي صنّفها كحكومة رئيس الجمهوريّة.. واعتبرها إنقلابا على نتائج الإنتخابات ويجب إسقاطها ولو بإعادة الإنتخابات..
وأمس الأحد 23 أوت أعلن التيّار الديمقراطي (22 نائبا) بدوره قرار مجلسة الوطني بعدم التصويت لحكومة المشيشي..
يضاف لهما 3 نواب من الاتّحاد الشعبي الجمهوري الذي أعلن رفضه منح الثقة..

في المقابل فإنّ حركة النهضة وإن كانت لا تزال تعلن رفضها واستنكارها لحكومة الكفاءات المستقلّة لهشام المشيشي وتعتبرها الحكومة الثانية لرئيس الجمهوريّة قيس سعيّد بعد حكومة الفخفاخ.. وأنّها تخالف الدستور.. وتخرق نتائج الإنتخابات وإرادة الشعب.. فقد قدّمت برغم كلّ ذلك مؤشّرات قويّة على عدم رغبتها في حلّ المجلس حاليّا وإعادة الإنتخابات كثمن لاسقاط حكومة المشيشي..
وتفيد تصريحات رئيس الحركة راشد الغنّوشي أثناء ملتقى كبير للحزب بصفاقس يوم أمس الأحد 23 أوت بضوء أخضر واضح لمرور حكومة المشيشي.. مبرزا أنّ الأولويّة خلال الفترة القريبة القادمة هي لتنقيح القانون الإنتخابي وتنقيح القانون الخاصّ بالمحكمة الدستوريّة لتسهيل وتسريع إنتخاب أعضائها من مجلس النواب بما يسمح بتنصيبها أخيرا..
في انتظار قرار مجلس شورتها.. فإنّ بعض قيادات النهضة تحدّث فعلا حتّى عن إمكانيّة منح بعض الأصوات لحكومة المشيشي لضمان مرورها في حالة قرار الحزب بعدم الذهاب لانتخابات سابقة لأوانها..!!

يبقى حزب قلب تونس (27 نائبا) متأرجحا كعادته بين الرفض والقبول بإشارات سياسيّة مختلفة ومتناقضة من قادته..
ولئن عبّرت بعض قيادات حزب نبيل القروي ومنهم هو نفسه عن رفضهم لحكومة الكفاءات المستقلّة.. فإنّه لا شيء يوحي باستعدادهم للمشي في ذلك الطريق إلى آخره.. أي إلى حدّ إسقاط حكومة المشيشي وإعادة الإنتخابات.. لسبب بسيط.. وهو عدم ثقة حزب القروي في الحصول على نفس عدد المقاعد بالبرلمان.. أو في النجاح أصلا بأيّ نسبة في الإنتخابات القادمة.. بسبب خسارته في الأثناء لعاملي نجاحه الرئيسيّين..
وهما أوّلا مقاومة الفقر ومساعدة المحتاجين التي تخلّى حزب القروي عن النشاط فيها منذ ما يقارب السنة.. أي منذ الإنتخابات الفارطة..
وكذلك ثانيا لوعده في حملته الإنتخابيّة بالوقوف في وجه حركة النهضة وإبعادها من الحكم لاستقطاب رافضيها.. في حين أصبح قلب تونس واقعيّا من أبرز حلفاء النهضة في البرلمان اليوم.. وكان يستعدّ للدخول معها في حكومة واحدة..
وقد صرّح القيادي بالحزب أسامة الخليفي يوم أمس الأحد بأنّ الرئيس سعيّد يوغل في الاستفزاز بحكومة المشيشي.. وكأنّه يرغب في رفضها وحلّ البرلمان.. وانّهم سيحموا الدولة من ذلك العبث.. بما يوحي بوضوح بأنّ حزبه يعتبر إسقاط حكومة المشيشي خطرا سياسيّا ولن يذهب فيه..!!!

الحصيلة.. أنّ من أعلن رفضه المبدئي والواضح والنهائي لمنح الثقة هي فقط أحزاب ائتلاف الكرامة والتيّار الديمقراطي والاتّحاد الشعبي الجمهوري.. أي 44 نائبا..
ومن أعلن استعداده المبدئي والواضح للتصويت لحكومة المشيشي يبلغ عددهم 69 نائبا.. وهم الحزب الدستوري الحرّ وحركة الشعب وتحيا تونس وكتلة الإصلاح والكتلة الوطنيّة..
أمّا من أعلن رفضه المبدئي لشكل حكومة الكفاءات المستقلّة وعدم رغبته في التصويت لها.. لكنّه لا يزال يدرس خيارات القرار السياسي المناسب بين تمريرها وبين إسقاطها وإعادة الإنتخابات.. فيبلغ عددهم 81 نائبا.. يمثّلون حركة النهضة وقلب تونس..
لكنّ النهضة وقلب تونس أبديا مع ذلك رغبتهما شبه القاطعة في عدم إعادة الإنتخابات.. بما يعني بوضوح وعلى الأرجح عدم تجرّؤهما على إسقاط حكومة المشيشي برغم كلّ شيء..
وبقي 23 نائبا بين المستقلّين وكتلة المستقبل لا يعرف موقفهم النهائيّ.. وإن كان يرجّح تصويت أغلبهم مع حكومة المشيشي..

في ظلّ هذا التباين.. فمن المرجّح بأنّ بعض الأحزاب ومع وضوح رؤيتها في عدم سعيها لإعادة الإنتخابات.. فإنّها ستحاول المناورة بإظهار موقفها المبدئي بعدم التصويت لحكومة المشيشي.. وشغل مكان بارز بالمعارضة في المجلس.. معوّلة على كون الحكومة ستمرّ في النهاية بأصوات “الآخرين”.. ولن تعاد الإنتخابات.. وذلك للعب “دور البطولة” بعدم التصويت لها..!!!

شاهد أيضاً

الإساءة للنبيّ حريّة تعبير.. والإساءة للعلم تستوجب الإيقاف فورا..!!!

عبد اللّطيف درباله  الإساءة للنبيّ محمّد في فرنسا حريّة تعبير تستوجب التضامن والحماية.. والإساءة للعلم …

فضيحة دولة..!!!

عبد اللّطيف درباله  صندوق 1818 الذي خُصّص للتبرّعات لفائدة المجهود الوطني لمقاومة الكورونا.. بغرض توفير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.