الأربعاء , 28 أكتوبر 2020

هل هي مجرّد إشاعة ؟

زبير المولهي 

إحساسي الخاصّ أنّ إشاعة “الشروق” ليست مجرّد إشاعة، قد تكون مثلاً بالون اختبار أو نقطة انطلاق في إطار خطة متكاملة على مراحل تغيب عنّا إلى حدّ الآن ملامحها وأهدافها وأجزاؤها…
نحن في انتظار معطيات وإشارات ووقائع للتمكّن من التحليل المؤسَّس على معطيات والقراءة المستندة إلى أدلّة…

ما يجعلني أحسّ هذا الإحساس هما أمران جدّيّان :
• الأمر الأوّل، طبيعة ومكوّنات وتاريخ جريدة “الشروق” التي كانت في عهد بن علي مرتبطة بوزارة الداخلية رأسًا ومنفّذة لخططها وبرامجها في مجال الإعلام في علاقة بالوضع السياسي والأمني في البلاد، وهي لا تزال بعد الثورة مرتبطة بأطراف أمنيّة فاعلة في وزارة الداخلية وخارجها…
فهل يصدّق عاقل أنّ مسؤولي الجريدة لم يقرؤوا عواقب نشرهم لمثل هذا “الخبر” وخطورته عليهم وعلى الجريدة ؟ أم أنه وقعت طمأنتهم بعدم تعرّضهم للمتابعة القضائية أو الأمنية ؟

• الأمر الثاني، طريقة تفاعل الرئيس قيس سعيّد وديوانه الرئاسي، خاصّة الذراع الإعلامية، مع هذه “الإشاعة” التي ليست ككلّ الإشاعات. فهي إشاعة من نوع خاص ومن عيار ثقيل جدّا وذات أبعاد تمسّ الأمن القومي ومؤسّسات الدولة وأسسها وأركان الحكم ومرتكزاته… فكيف يقع التعامل معها بتكتيك إعلامي سيّئ الإخراج وتكذيب مقتضب جافّ ركيك من المسؤولة الإعلامية في الديوان الرئاسي، وعلى صفحتها الخاصة على الفايسبوك. وكأنّ المسألة تتعلّق بحرّيّة الرأي والصحافة في خبر خاطئ يخصّ مثلا إحدى أنشطة رئيس الدولة أو تنقّلاته أو تصريحاته ؟!

لم نقرأ ولم نسمع، لا من رئيس الدولة ولا من ديوانه، نبرة قوية تضع “الإشاعة” في إطارها الصحيح، أي الخطر على الأمن القومي، وتتوعّد بمتابعة الجريدة ومسؤوليها تتبّعًا قضائيّا وأمنيّا، ولم نشاهد الأمن الرئاسي أو قوّات خاصة تدخل مقرّ الجريدة (وهذا جائز ومسموح به قانونًا ودستورًا في كلّ ما يخصّ الأمن القومي) لحجز ما قالت “الشروق” إنّه بحوزتها من “وثائق” و”دعائم” و”أدلّة” لما ادّعته من عمليّة محاولة التسميم !!!

فكيف نفسّر إذن هذا التراخي في التعامل مع مسألة في غاية الخطورة تمسّ الأمن القومي وركائز الدولة ؟ لا يتبادر إلى ذهني إلاّ تفسيران اثنان لا ثالث لهما :
• إمّا أن تكون “الإشاعة” صحيحة. وهذا مستبعد جدّا بالنظر إلى الحيثيّات التي ذكرَتها الجريدة سيّئة الصيت، من مبلغ زهيد جدّا (20 ألف دينار) عُرِض على عامل بالمخبزة، إلى عدم الدقّة في استهداف شخص الرئيس مع العلم أنّ كمّيّة الخبز المتوجّهة من المخبزة إلى القصر هي ليست فقط للرئيس بل أيضا لعائلته وديوانه ومعاونيه وضيوفه وربّما حتّى لكلّ عمّال القصر… والأهمّ من كلّ هذا هو أنّ هذه الخطّة المزعومة لتسميم الرئيس تبدو بدائية جدّا ومرتبكة وغير مهنيّة واكتشافها وارد جدّا لما فيها من أخلال ونقائص وعوامل خارجة عن السيطرة… فمن يفكّر فعلاً في اغتيال رئيس دولة (بالتسميم أو بغيره) فهو يكون من الحرفية والمهنية والتنظيم والتخطيط والحنكة والسرّيّة والمخابراتيّة ما يجعله ليس فقط يبتعد عن الانكشاف قبل التنفيذ أو النجاح والفعاليّة أثناء الإنجاز ولكن أيضا خلط الأوراق وبعثرة الأدلّة وتلبيس المسارات بعد تنفيذ الجريمة… ولكم في اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي أكبر دليل، ذاك كان عملا مخابراتيّا بأتمّ معنى الكلمة…

• أو أن تكون مثلاً بعض الأوامر قد أعطيت لبعض المحيطين برئيس الدولة بلفلفة القضيّة والاكتفاء بالتكذيب الإعلامي الخفيف وبالإخراج الإعلامي الرديء الذي وقع في مخبزة النصر حيث وقع تصوير رئيس الدولة بطريقة عفوية/مفبركة وهو يشتري الخبز ثمّ يعود هانئا إلى قصره ويواصل أنشطته بأن يتوجّه إلى مدينة صفاقس لتعزية عائلة الفقيد حمّادي العقربي رحمه الله، وكأنّ شيئا لم يكن، وكأنّ الأمن القوميّ لم يُمسّ، وكأنّ خبر “محاولة اغتيال رئيس الدولة” كخبر زلّة لسان أيّ مواطن عاديّ أو كخبر حادث طريق أو كخبر انتقال لاعب كرة من فريق إلى فريق آخر…

هل أريد من هذا الخبر “الإشاعة” أن يتعوّد التونسيّون على مثل هذه الأخبار وأن تصبح لديهم كسائر الأخبار العاديّة ؟! هل يُراد أن تتساوى مسائل الأمن القومي الخطيرة مع المسائل الحياتية اليومية للشعب التونسي ؟! وما هو الهدف من ذلك ؟!
ثمّ في حال هذه الفرضيّة الثانية، مَن أعطى الأوامر بالاكتفاء بالردّ الإعلامي ومجرّد تكذيب “الإشاعة” ؟ وما هي أهدافه ؟ ومَن جعل جريدة “الشروق” تُقدم على ما أقدمت عليه دون الخوف من عواقبه ؟ هل هناك من يحرّك كلّ هذا من وراء ستار، وفي أعلى المستويات ؟

شاهد أيضاً

لا تستهينوا بخبر الشروق الكاذب والمكذب رسميا

سفيان العلوي  تلك أمنية أو بلغة المؤامرة ذلك سيناريو لم تنضج شروطه بعد تعفينا للأوضاع …

في قضية الاعتداء بالعنف على المحامية نسرين القرناح

زبير المولهي  يعتبر الاعتداء بالضرب المبرّح على المحامية نسرين القرناح، من قِبل رئيس مركز الشرطة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.