الإثنين , 30 نوفمبر 2020

كورونا “الحامَّة” جريمة الفخفاخ والنّقابة

سليم حكيمي 

حين يستصرخ الناس الدّولة في الحامة ولا يجدون سوى مستشفى عسكري متنقّل لا يؤمّن غير 200 تحليل من بين 1000 العاجلة، ولا يجد نظراء من المستشفى المحلي ّ للتنسيق بسبب استيلاء نقابة التجمّعي “الحبيب الزّ بيدي” عليه ورفضها تعيين مدير لا يسمح بالتسيّب كما فعلت في سوسة وصفاقس..، يُعيّن يوم الاثنين ليغادر الثلاثاء، تدرك أننا إزاء خراب الدولة والإنسان. الجنوب الذي قاسى أعتى درجة حرارة 47.6 السابعة عالميّا، تجتاحه جائحة الكورونا فتجد استهتارا منفلت العقال، وصلت إصاباته 500. وهو ما ورد في تصريح رئيس بلدية الحامة الذي اكد أن البلدية هي التي تتولى نقل المصابين ودفن الموتى، وما ورد في شهادة النائبة عن قابس “كنزة عجالة” على الإذاعة الوطنية اليوم 20 أوت.

لا أؤمن بانّ الخطاف يصنع الربيع، ولكنّي أدرك انه لابد للشعوب من قيادة للتوجيه، وقدوة للإلهام والاقتداء والاحتذاء زمن السّلم، فما بالك بزمن الحرب والنّوازل. وإقالة الدكتور “المكّي” زمن الجائحة رغم التحذير العالمي المتواصل من موجة ثانية في الخريف، يدل على شيئين: هوان الإنسان على الدولة وهوان الكفاءة مهما علت قيمتها. خطورة هذا المعيار هو قدرته على تأبيد التخلّف في عالم يعيش ثورته التكنولوجيّة الرابعة.

لم يفهم الفخفاخ أن الرسائل تحتاج باثا ومتقبلا وجسور ثقة بينهما، وهو ما استطاع المكّي بناؤه. تم تناول “الكوفيد” في دولة مثل السويد تعامل الاختصاص، والقضية كانت بيد الأطباء وليس السياسيين. ليس الفخفاخ في النهاية إلا منتج الاستبداد والخراب الإنساني وحالة العدم السياسي الذي خلفت حربا أهلية صامتة ومجتمع الكراهية. ولذلك لم يدرك جوهر السياسة ويقدر الجائحة حق قدرها ولم ير منها سوى فرصة الاغتناء. فلم يمكّنه وعيه العبثي من فهم معنى “الدّولة الرّاعية” في الغرب الذي جاء نتيجة توافقات بين قوى سياسية واجتماعية في أوروبا. فيها الإنسان المبتدأ وسدرة المنتهى. وهو ما جعلها تقايض مواطنا واحدا بالعشرات في حالات الحرب والرّهائن. ولكن بعض الناس موجودون في السياسة بالصدفة وخطا الأقدار، فضلهم الوحيد عليها هو التعريف العملي بعمق الانحطاط.

ماليزيا التي تحدّت أمريكا وصارت من النّمور الآسيوية، بدأت قصتها بطبيب يشتغل الصبح في المستشفى، ويداوي الناس مجانا بعد الظهر متنقلا في القرى والدساكر الماليزية. هو “مهاتير محمد” باني نهضتها الذي أعلى من قيمة الكادر العلمي في الدولة. نظرية التعليم المتكامل بجامعة ماليزيا العالمية التي تحتل مرتبة باسقة، لا تصنع إطارا طبيا منفصلا عن الإنسان، يتحدث بلغة نقابية زمن جائحة إنسانية. وحين لا تقبل النقابات بقرارات الدولة، ولا تقبل أيضا بالفضيلة المتطوّعة، فإنها لا تبغي إلا الفساد عِوَجا. و”سيغولين رويال” التي تنافس ماكرون على الرئاسة 2022 في فرنسا صرحت بانه ليس الآن أوان الجدل والانتقاد مخاطبة متظاهري “السترات الصفراء” بالتحلي بالوطنية.

لا يبحث الناس إلا عن نظام يعطي تعبيرة سياسية ملائمة لحقوق الناس ومنها حقهم في توعية جديّة تخلّى عنها الإعلام. ستتفاقم الأزمة وتتجاوز الجميع لأنها اكبر من قوم ألِفوا الصّغر والصَّغار. في بلدان محترمة تقدم الدولة حوافز مالية للمواطنين حتى لا يبرحوا أماكنهم القاسية مناخيا. أما في بلدان التخلف، فمصيرهم التجاهل وتكّبر النخب الحاكمة. أما مظاهرة “الحامّة” ضد العصابة النقابية فخطوة على طريق تصحيح التّعامل مع سُوس ينخُر عظم الدولة. عادة ما لا تقبل الشعوب أن ترى حقيقتها: اتحاد اتحاد أقوى قوة في البلاد… بالشّعب ضد الشّعب. لم يقل الله “لا تُفسُدوا في الأرض بعد إصلاحها” بل قال لا تُفسِدوا بكسر السين، لان حصاد الفساد فردي أما الإفساد يستهدف المجموعة. “وكثرة الأيدي في الصّلاح فساد” كما قال مُفتي المَوصل.

شاهد أيضاً

اتحاد الشغل حقل ألغام

نور الدين الغيلوفي  ليس لأنّ العاجزين بأنفسهم المستطيعين بالاتّحاد يدافعون عن الجدار الذي تحته كنز …

الأمّهات العازبات ومخطّط هدم الأسرة في تونس

سليم حكيمي  في محاولة لتخفيف الجُرم باللغة، ابتدعت نخبنا تعويض الزانية بـ “المرأة العزباء”، و”السّفاح” …

اترك رد