الجمعة , 4 ديسمبر 2020

حتّى لا ننسى

سامي براهم 

ما لا يجب أن ينساه التّونسيّون رغم كلّ ما يمرّون به من تعثّرات ومصاعب في طريق التّأسيس الدّيمقراطي وبناء منظومة المواطنة والعدالة الاجتماعيّة أنّ ما حدث ويحدث في المنطقة من مخاضات جيوستراتيجيّة هو من نتائج صرختهم الأولى “الشّعب يريد” ذات ثورة أيقظت الشرق العربي من سباته وأخرجته من جمود الاستبداد إلى رحابة الحريّة…
من أدّعوا أنّها ربيع عبريّ وأنّها جزء من المحور الخليجي الصّهيوأمريكي في إطار ترتيبات شرق أوسط جديد وصفقة القرن لاحقا، هؤلاء لعلّهم يتبيّنون اليوم حقيقة هذا الرّبيع ومن سعى ولا يزال لإجهاضه وخنقه في مهده وعلى امتداد الوطن الكبير لصالح الكيان الذي يضمر التّطبيع معه..

ما لا يجب أن ينساه التّونسيّون أنّهم أنجزوا ثورة لن يتوقف أثرها الأشبه بأثر الفراشة في نظريَات الحراك التي استعارت هذه الصّورة، فقط مطلوب منهم الاجتهاد والثّبات والإصرار ليكون الأثر لصالحهم حتّى لا يقطف ثماره قنّاصوا التحوّلات الاجتماعيّة والسياسيّة المتربّصون بالأزمات…

ما لا يجب أن ينساه التّونسيّون أنّ فشل الأحزاب في الاستجابة لانتظاراتهم لا يسوّغ بأيّ حال من الأحوال لحياة سياسيّة بدون سياسيين وبدون أحزاب، حكومات التكنوقراط العابرة بدعة لتمرير المشاريع التي لا يتحمّل وزرها طرف مسؤول له وجود سياسيّ يمكن أن يراقب ويحاسب…

ما لا يجب أن ينساه التّونسيّون أنّ أغلبيّة ناخبي الرّئيس في الدّور الثّاني هم قواعد الأحزاب وعموم التّونسيين الذين وجدوا أنفسهم بين مرشّح غامض الأفكار غريب الأطوار ومرشّح تتعلّق يذمّته ملفّات فساد وشبه تطبيع، فذهبوا إلى الخيار الأهون…

ما لا يحب أن ينساه التّونسيّون أن الرّئيس لم يسلط على الحياة السياسيّة ولكن فشل الأحزاب وصبيانيّتهم وأنانيّتهم ونرجسياتهم السّخيفة وضعف حسّهم الوطنيّ هو الذي أحال له صلاحيات الأحزاب بمقتضى الدّستور، لكن كلّ ذلك لا يخوّل له توسيع تلك الصلاحيّات لفرض تغييرات جذريّة في منظومة الحكم على غير مقتضى ما وقع إقراره في الدّستور والمعبّر عن الضّمير العامّ، ذلك تجديف ضدّ مسار الثّورة ولن يغيّر من الإرادة العامّة التي قرّرت القطع مع الحكم الفرديّ مهما كانت حكمته، فلا مستبدّ عادل ولا حامي للحمى للدّين…

على الأحزاب أن تستوعب الدّرس وأن تنقذ نفسها ممّا أوصلت إليه البلد من أزمة أطمعت فيه من لا سابقة له في النّضال السياسي والحقوقي، وأن توحّد خياراتها على أساس المصلحة الوطنيّة لا الحزبيّة، لن تنجح التقليعات التي تجدّف ضدّ خيارات عموم الشّعب لكنّها ستعطّل الانتظارات الاجتماعيّة والاقتصاديّة لعموم المهمّشين والمسحوقين…

قد تكون تلك كلفة استقرار منظومة الحريّة والدّيمقراطيّة لكنّها ستكون باهظة على الفئات الأكثر هشاشة… اللهمّ لطفك ببلدنا وشعبنا وسائر شعوب المنطقة المتحفّزة للانعتاق من نير الاستبداد والتبعيّة…

شاهد أيضاً

دعاة عسكرة الشأن العام

سامي براهم  بعض مبغضي الحريّة من دعاة عسكرة الشأن العام والانقلاب على الحياة السياسيّة يريدون …

“كلاب الحراسة”

سامي براهم  بعض النّخب الكسولة المتواكلة المستطيعة بغيرها الفاشلة والعاجزة عن الالتحاق بالمنظومة الدّيمقراطيّة وبذل …

اترك رد