الثلاثاء , 27 أكتوبر 2020

هل يمكن لتونس أن تكون استثناء في سياسات التطبيع العربي مع الكيان الصهيوني ؟

لا شك في أن قضية الاحتلال الصهيوني لفلسطين هي قضية مركزية عند عموم العرب والمسلمين، بل عند أحرار العالم الرافضين لمنطق القوة والمناصرين لقضايا التحرر الوطني. ولا شك أيضا في أن أغلب الأنظمة العربية التي حاولت استمداد شرعيتها من مقاومة الاحتلال الصهيوني (بما فيها السلطة الفلسطينية)، لم تقم واقعيا إلا بتقوية ذلك الاحتلال عبر قمع الحريات وضرب الديمقراطية والعجز عن بناء مقومات السيادة.

وقد كانت الثورة التونسية فرصة تاريخية لتغيير واقع العلاقات اللامتكافئة مع الغرب، وللقطع مع أذرعه المحلية والإقليمية التي تُعتبر هيمنتها على المجال العام الشرط الضروري لأي مسار تطبيعي مع الكيان الغاصب، ولكنّ عوامل داخلية وخارجية جعلت ذلك المشروع التحرري ينزاح عن الاستحقاقات الأصلية للثورة التونسية، ليتماهى مع الفلسفة السياسية للجمهورية الأولى بلحظتيها الدستورية والتجمعية، على الأقل فيما يخص الموقف العملي (لا الخطابي) من قضية التطبيع، بل من القضايا الكبرى التي أصبحت محل تندر من قبل “الكفاءات الحكومية” في الحد الأقصى، ومحل مزايدات سياسوية بين الأحزاب والمنظمات الوطنية في الحد الأقصى.

التطبيع مع المنظومة القديمة ومع الكيان: شرط التطبيع الدولي مع “الثورة التونسية”

لو حاولنا الانعتاق من المنطق الحزبي ومما يؤسسه صراعات هوياتية وضغائن أيديولوجية، فإننا سنعتبر فشل تمرير مشروع تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني مجرد لحظة في مسار عام؛ كان قد انطلق منذ أن اتفقت “القوى الثورية” على الاحتكام إلى العقل السياسي للمنظومة القديمة (ممثّلا في المرحوم الباجي قائد السبسي، رئيس الحكومة خلال فترة المجلس التأسيسي)، والعقل القانوني لتلك المنظومة (ممثّلا في عياض بن عاشور، رئيس الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة).

كانت مأسسة الثورة أو إدخالها إلى مجال الدولة ينذران بانزياح خطير عن استحقاقاتها، ويُبشران بعودة ورثة المنظومة القديمة لإدارة الشأن العام ولو بعد حين. ولذلك لم يكن من الغريب ارتقاء خميس الجهيناوي من رئيس مكتب تونس في الكيان الصهيوني قبل الثورة إلى كاتب دولة للخارجية، ثم مستشارا للرئيس الراحل قائد السبسي مكلفا بالدبلوماسية، ثم وزيرا للخارجية سنة 2016. كما لم يكن من الغريب بعد ذلك أن يفشل تمرير مشروع تجريم التطبيع، وذلك بصرف النظر عن مزايدات بعض الأطراف المنتمية إلى “العائلة الديمقراطية”، وبصرف النظر أيضا عن التبريرات الواهية لحركة النهضة في رفض تمرير المشروع، وهم الذين لم يحركوا ساكنا أمام رمزية الصعود الصاروخي لممثل المخلوع في دولة الاحتلال الصهيوني.

لم يكن تعيين خميس الجهيناوي وصعوده الوظيفي حدثا بسيطا، بل كان تعبيرا عن توازنات داخلية وإملاءات خارجية، تجعل من أي حديث عن تجريم التطبيع مجرد حديث مرسل لا قيمة له خارج الحملات الانتخابية والمزايدات الأيديولوجية.

ولو أردنا التعمق أكثر، لقلنا إن مسار “التطبيع” مع المنظومة القديمة بدعوى استمرارية الدولة، كان يحمل في طياته اعترافا ضمنيا بصوابية خيارات تلك المنظومة في مسألة التطبيع؛ فالكل يعلم أن المنظومة القديمة لم تكتسب شرعيتها ولا مشروعيتها من الداخل، بقدر ما اكتسبتهما من دورها الوظيفي في تكريس وضعية التابع للقوى الدولية المتنفذة اقتصاديا وثقافيا وديبلوماسيا، خاصة منها فرنسا. ولم تكن تلك التبعية لتسمح لتونس بمقاومة الإملاءات الخارجية والتوجه الدولي نحو التطبيع العربي مع الكيان الصهيوني بمنطق “السلام مقابل السلام”، أي السلام مقابل الحماية الدولية لأنظمة الحكم المفتقدة للشرعية.

عندما تواطأ الفاعلون السياسيون على إدارة الجمهورية الثانية تحت سقف السردية البورقيبية القائمة على مقولة الدولة- الأمّة، فإنهم لم يختاروا فقط “نمطا مجتمعيا” (ليس هذا مجال نقد أساطيره التأسيسية)، بل اختاروا أيضا عقلا سياسيا يرى الإنصاف في حل الدولتين على حدود 1948.

فالبورقيبية لا تنكر حق اليهود في إقامة دولتهم على أرض فلسطين المحتلة، بل تنكر فقط حرمان الفلسطينيين من حق إقامة دولتهم على حدود 1948 (فالمباردة كانت سنة 1965، أي قبل حرب 1967 التي غيرت الواقع على الأرض باحتلال القدس وغيرها من الأراضي الفلسطينية والعربية).

وبصرف النظر عن موقفنا من هذه “الواقعية” أو البراغماتية التي جوبهت في وقتها باستنكار عربي واسع، فإنها تحمل في طياتها “تطبيعا” وفق شروط أصبحت الآن مما يستحيل على المفاوض الفلسطيني/العربي التفكير فيه، كما أن تلك المبادرة “التطبيعية” تمثل المرجع الأول لكل الخطابات المنادية بالتطبيع أو المدافعة عنه من وراء ألف حجة من “الواقعية” و”التسامح”، وغيرهما من الحق الذي يراد به باطل.

التطبيع مع الصهاينة هو الأفق النهائي للدولة التابعة ولخرافات النمط المجتمعي

إن غياب أي مشروع وطني للتحرر والعجز عن بناء مقومات السيادة (أو امتناع شروطهما الموضوعية والفكرية)، يجعل من الموقف من التطبيع موقفا موجها للسجال السياسي الداخلي أكثر مما هو موقف يستهدف التوازنات الدولية والإقليمية، أو يقدر على تغيير المعادلات الجيوسياسية القائمة. ولذلك فإن التعامل “الجدي” مع وعود السياسيين الانتخابية (وآخرها وعود الرئيس قيس سعيد ومن قبله حركة النهضة والحركات القومية أو اليسارية)، لن يورّث إلا الخيبة والحسرة.

فمن عجز عن قطع الحبل السري مع المنظومة القديمة، سيكون عن قطع حبل التبعية و”قابلية” التطبيع مع الكيان الصهيوني أعجز. كما أن من يفكر بمنطق القانون الدولي أو منطق الواقعية السياسية، لن يكون في أفقه النهائي إلا مطبّعا، مهما ارتفع سقف شروطه. فالتطبيع هو الأفق المنطقي لكل من يؤمن بحل الدولتين (أي يؤمن بحق اليهود في دولة على أرض فلسطين)، وهو ما يعني أن الصراع في الحقيقة هو بين مطبّعين أو بين استراتيجيات تطبيعية مختلفة في شروطها ومتفقة في بنيتها العميقة: الاعتراف بالكيان الغاصب مع الاختلاف في تحديد القدر المسموح به لذلك الاغتصاب وشروط الاعتراف النهائي به.

ختاما، فإن انتظار موقف مختلف عن موقف رئاسة الجمهورية التونسية هو أمر يقوم على مبدأ الرغبة (الرغبة في تحول الوعود الانتخابية إلى سياسة دولة)، أكثر مما يقوم على مبدأ الواقع الذي ينبئنا بأن التطبيع مع الكيان الصهيوني هو الأفق المنتظر لتونس ما دامت فاقدة لمقومات السيادة، وما دامت عاجزة اقتصاديا واجتماعيا عن تحمّل كلفة الجهر بمعاداة صفقة القرن، أو أخذ مسافة سياسية من عرّابيها في “محور الشر” الإماراتي السعودي.

فالبقاء في جامعة الدول العربية، و”احترام” قرارات الدول المطبعة واعتبار ذلك شأنا داخليا، والاحتكام إلى قرارات مجلس الأمن الدولي، كل ذلك لا يمكن أن ينفصل عن “صفقة القرن” التي كثيرا ما نشتغل بجزئها الظاهر (قرارات التطبيع العلني) ونهمل مساراتها أو شروطها الموضوعية التي لا مآل لها إلا التطبيع مع الكيان الصهيوني، ولو بعد حين (أي بعد “بيانات تنديد” من جهة، أو بعد “احترام” خيارات الدول المطبعة من جهة ثانية).

عربي21

شاهد أيضاً

قمة الخذلان والخيبة للنظام العربي

كمال الشارني  السودان يتلقى من إسرائيل مساعدة غذائية بخمسة ملايين دولار من القمح والسميد لمواجهة …

بعد سنة من وصول قيس سعيد للرئاسة

عادل بن عبد الله  بعد سنة من جلوس الرئيس التونسي على كرسي قرطاج، يبدو من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.