السبت , 5 ديسمبر 2020

موجز لتاريخ الوقوف على حافة الهاوية في برّ تونس

كمال الشارني 

من فوق 32 عاما من مهنة الصحافة، وثلاثة أعوام تعتبر ضارب أربعة موزعة في سجون الوطن العزيز والشيء الوحيد الثابت هو بقاؤنا على قيد الحياة، أرى أن بلدي يصل دائما إلى حافة الهاوية لكنه لا ينهار فيها أبدا، أنا أدركت نهايات التعاضد الوحشي والتدمير الممنهج لصغار الفلاحين حين لم ينج من التأميم سوى الدجاجات، وكان يخيل إلينا أننا سنعود إلى الغابة لنأكل السليخ (لحاء شجر الصنوبر) ونستر عوراتنا بأغصان الشجر، وعشت زمن الفيضانات التي كانت تبدو أزلية في النصف الأول من السبعينات حين حملتنا السيول ومواشينا والدولة المركزية تنظر لنا مثلما ينظر طفل صغير إلى تحطم لعبته.

أنا عشت موجات القمع في نهاية السبعينات للنقابيين والسياسيين والتي أدت إلى جانفي 1978 إلى سنوات مليشيا الصياح ولجان اليقظة وضرب الأنف في الطريق العام، وضربت البوليسية بالحجر حين لم يكن لنا شيء آخر، وسقط عدد من أصدقائي وأهلي في ثورة الخبز 1984 ونجوت من القناص الذي كان يرصدنا في المدخل العلوي لمحطة الكاف، ورأيت رجلا عابرا يهتز على رصاصة قاتلة في الصدر، أنا عشت تردي الوطن إلى الهاوية عندما استمعنا، ونحن شباب تلاميذ في سجن القصرين إلى انقلاب الجنرال بن علي الذي أمر بحمل “الزعيم الإلهي المؤسس” في ملحفة مستعملة إلى منفاه الأخير، وبحكم الحذر التاريخي، فإننا لم نطمئن له أبدا.

وكان أول مقال لي في حياتي الصحفية بعنوان “الخطاف لا يصنع الربيع” في بداية 1989، ندمت فيه فقط على تشبيه الجنرال بالخطاف، بعدها، عدنا، وكنا نعرف أن الأرقام التي تنشرها الحكومة عن النمو والبطالة ليست سوى هراء وفوضى غير أخلاقية في ظل نمو اقتصاد العائلة المافيوزية، فقط انقسمنا إلى قسمين: قسم يأخذ الأوسمة القصديرية التي توزعها المصالح المختصة لقصر بن علي على من يباركون الأرقام الرسمية، معها أيضا مقاسم أرض من الملك العام، رخص شراب، شهريات من المؤسسات العمومية، منح مالية جزيلة أو رحلات مدفوعة الأجر مع كلفة التسوق، حتى الحج، كان هدية من نظام بن علي معه حق حجم حقائب غير محدود لزوم التسوق من السعودية، والقسم الثاني، عليه أن يعيش فقط بشرط أن لا يثير الانتباه إليه، والحقيقة أنهم كانوا أكثر منا احتراما لهذا الشرط.

وجاءت الثورة، والحلم بالحكم الرشيد ولجم سلطة القمع وقيام سلطة القانون والتداول السلمي على السلطة، اختفى أغلب أصحاب الأوسمة إلا الصحاح منهم، كانوا يسخرون منا، “سنعود” وأحدهم كان يرفع لنا علامة النصر، وبالفعل عادوا، لكنهم لم يتعلموا شيئا مما مضى، وعدنا إلى الحكم الفاسد واقتناص الفرصة في المال العام، في كل ما هو عمومي، لا يحرسه سوى الله، لم تشهد بلدي أبدا مثل هذه الفوضى والتسيب: البلد متروك لنفسه حتى أصبح تدبير شهريات عمال الدولة معضلة، إلا أننا لم نبلغ بعد سوى حافة الهاوية، فنحن نبرع في إنقاذ البيت في اللحظات الأخيرة، حتى واللهب يصل إلى بيت النوم.

المشكل أننا، على مدى كل هذا التاريخ الموجز للوطن الكئيب، لا نعمل على تفادي أسباب اللهب، بل نخمد الدخان، ونترك النار تعتمل تحت الرماد، علها تشتعل في ثياب الآخر في البيت، سنطفئها في اللحظات الأخيرة، كما لو كان شكسبير نفسه يلهو بنا في مسرحية ساخرة، شكسبير نفسه يعرف أن الحل هناك على مرمى البصر، السؤال حول ما إذا كنا نريد أن نخرج من مسرحية الوصول إلى حافة الهاوية ثم العودة، لقد كنت حاضرا وأنا أرى عقل المأساة يكتب لنا الدستور الصغير وقانون الانتخابات، كان يموت من الضحك وهو يرانا نتقاتل لأجل الوصول إلى حافة الهاوية، وهو يعرف أننا لن نقع فيها.

شاهد أيضاً

“قانون الكمامة”

كمال الشارني  مثل كل القوانين المستعجلة والغامضة، أصبح بابا للتعسف وحتى الفساد، ولذلك ثمة نكت …

إلى أهلي في الكاف: وطنك حيث تصنع ثروتك

كمال الشارني  إلى أهلي في الكاف: شيء من الموطنية، ضمن المواطنة العامة: وطنك حيث تصنع …

اترك رد