الجمعة , 30 أكتوبر 2020

ما معنى “عمل عربي مشترك” ؟

نور الدين العلوي 

في انتظار حكومة تونس القادمة نسمع بعد “تسقط الحكومة القادمة”. كل العلامات والتسريبات تشير إلى قصة فشل معلن، لكنه فشل جميل رغم كلفته.. إنه الفشل الذي يقوم مقام غربال تاريخي لكثير من الأدعياء والخبراء بفرنك أو بنكلة. هؤلاء الذين يمدون وجوهم في الشأن العام كأنما رُزقوا الحكمة وفصل الخطاب. نتابعهم في تكالبهم، ونتابع أيضا الدويلات الفاشلة تنقذ ما تبقى ببيعه للصهاينة.

فشلان باهران، قطري وقومي. سنتابع في انتظار حكومتنا التونسية الميتة على النفاس بعض وجوه الفشل العربي، حيث نستعد لتحول جملة “العمل العربي المشترك” إلى نكتة، ونهنئ الأجيال القادمة أن لن تسمعها في قادم الأيام.

أسطورة إسرائيل تساعدنا

ولدت هذه الأسطورة في مخيم داود. وقال الراعي كارتر منذ العام 1978 إن المنطقة ستتحول إلى واحة سلام يطيب فيها عيش المتخاصمين سابقا، والذين هم إخوة في الأصل، حتى إنه تمت استعادة النبي إبراهيم، فالإبراهيميون إخوة ولا فرق إلا في أماكن العبادة وقراءة الأوراد.

بين تطبيع السادات وتطبيع الإمارات مرت 42 سنة، وإسرائيل لم تغمد سيوفها ولم تساعد أحدا بل ابتزت الجميع، فسقط خطاب الأخوة في الحضيض، وانكشفت النوايا والخطط والفاعلون، فرأينا خونة عربا يبيعون ولا يقبضون.

اصطدمت الأسطورة بشعب عربي موحد خلف فلسطين بمقادير، فرفض كل خطوات التطبيع ورفض نتائجها، وعبرت نخب كثيرة عن موقف قومي شريف لا يفاوض، فوجدت الأنظمة المطبعة نفسها في موقف عسير فهي تفرض على شعوبها ما لا تريد، فتتآكل شعبيتها داخليا وتشعر بعروشها تهتز، فتهرب إلى إسرائيل والراعي الأمريكي لتحتمي به من شعوبها.

مع تقدم عمليات تطبيع العلاقات مع الكيان فقدت كل الأنظمة المطبعة شرعيتها، وانقطعت عن شعوبها إلا بالحديد والنار. وكلما ولغت في دماء شعوبها ازدادت حاجتها إلى الحماية الخارجية، فلم تعد تقف إلا بدعم صهيوني أمريكي.

الأسطورة حولت إسرائيل إلى درع للأنظمة الفاشلة على كل الصعد. النظامان المصري والأردني هما حالتان متشابهتان كشفتا أن بحيرة السلام ضحلة، فهو سلام بالغصب عن الشعوب تستفيد منه الأنظمة، والتي لفرط شعورها بالحماية تحولت إلى بؤر فساد وتخريب اقتصادي (نظام مبارك أوضح مثال). والتنمية المنتظرة من إنهاء حالة الحرب تحولت إلى حالة فساد عابر للأقطار، فصار التطبيع غطاء للفساد برعاية أمريكية وصهيونية.

التطبيع الإماراتي حالة مختلفة نسبيا، فهو بلد غني ولا يحتاج الدعم المالي مثل النظام المصري، فضلا عن أنه غير مؤثر بالمرة في السياسات الدولية. وهو ليس بلد مواجهة مع الكيان، وليس معنيا مباشرة بحرب مثلما برر النظام المصري ذهابه إلى السلام.. هو النموذج الجديد للتطبيع الرسمي العربي، إنه حالة طلب الاستعباد الإرادي دون الحاجة إليه فعلا، وهي حالة متقدمة من التطبيع تحتاج وصفا واحدا: الذلة الوقحة.

الصهاينة واختراق النخبة العربية

في بدايات التطبيع كان موقف النخب والمثقفين موحدا تقريبا خلف فلسطين والمقاومة، وإن كان موزعا أيديولوجيا وزاد تشتته بعد ظهور حركة حماس الإسلامية، فانكشفت ولاءات نخبوية عربية.. اليسار مع الجبهة الشعبية، والقوميون مع الديمقراطية أو من بقي منها، والإسلاميون مع حماس والجهاد. حتى أن معارك حماس في غزة صنفت كمعارك الرجعية العربية وليست من أعمال المقاومة.

لم يخف الأمر على الصهاينة، فدخلوا من هذا الباب أيضا وعمقوا الجراح، فوجدنا نخبا عربية لا تستنكف عن مواقف ضد الإسلاميين في الأرض المحتلة لأنهم فقط إسلاميون، وكان وقوف الشعبية مع اتفاق أوسلو ومشاركتها في إدارة الضفة ومسالمتها الصف التطبيعي في حركة فتح؛ دورا كاشفا للأخاديد العميقة في موقف النخب.

لم تعد النخب العربية واحدة ضد التطبيع، ومنذ سنوات كان حديث التبرير يسمع في منابر النخب. وسافرت نخب كثيرة ونسقت مؤتمرات علمية مع الصهاينة في داخل عاصمتهم، وصار الحديث عن رفض التطبيع ينعت بالجهل، ولاحقا صار القول بالمقاومة ضد مسار التاريخ، والبعض يراه عملا من أجندات الإسلام السياسي العربي الإخواني.

يوجد الآن رأي عام في أوساط النخب العربية، والحداثية منها بالخصوص، أن الترقي الثقافي والعلمي يمر بالقناة الصهيونية، فهي التي تملك مفاتيح الجامعات الكبرى، وهي التي تفتح بوابات التواصل الثقافي مع الغرب الذي لا يخفي اشتراطاته في القبول طبقا للهوى الصهيوني، وقليل من المثقفين من حقق اختراقا فرديا دون المرور من هذا الباب.

وهنا تتراكم أمامي صور حداثيي المغرب العربي الذي يذوب عشقا في رضا فرنسا ونخبتها، وأن فرنسا بوابة تطبيع ثقافي.

هذه النخب تبرر الآن التطبيع السياسي بعد التطبيع الثقافي، وقد بدأت وفود الفنانين العرب تغني في الكيان بلا حياء، ومن قال بإدانة ذلك صنف في التخلف والرجعية والإخوانية.

لقد اخترق الكيان جسم النخب العربية وقسّمها كما قسّم الأنظمة، وهو يتابع الآن ازدهاء مثقفين عرب بدخول الإمارات على خط التطبيع. فالغنيمة قربت، وسيكون أحد أهم أدوار المال الإماراتي بعد إعلان التطبيع هو حصد شوكة المثقفين الباقين وجرهم إلى مستنقع التطبيع بقوة المال.

رغم التطبيع.. الشعب يريد تحرير فلسطين

هذه جملة شاعرية (قد تكون باقية من زمن الخمسينيات)، وهي تثير ضحك النخب المطبّعة، ولكنها تثير في العمق قلق الصهاينة.. الشعوب لا تقبل الضيم، وما جرى من تطبيع لم يمس الجوهر رغم آثاره العاجلة في كسر لحمة الفلسطينيين واختراق موقفهم النضالي.

موجة رفض شعبية عارمة لكل حركة تطبيع يقوم بها نظام عربي. إنها نفس الموجة الشعبية العاطفية، ولكن عالية الوعي، قاومت الاحتلال المباشر في منتصف القرن العشرين الأول، رغم أن النخب الحضرية في غالبها قد طبعت مع الاحتلال وعاشت معه ومنه، وتأقلمت مع الخيانة، لكن الشعوب في بساطتها بقيت رافضة وأطلقت حركة التحرر وانتصرت.

هذه الروح الشعبية صقلها التطبيع الإماراتي، وبين نقاوة معدنها وصبرها على المكاره في الزمن الطويل للمقاومة؛ كانت الروح التي رفعت شعار الشعب يريد تحرير فلسطين ذات ربيع عربي، رابطة بين تحرير الأقطار من الدكتاتوريات الفاسدة والمطبّعة سرا وجهرا، وبين تحرير الأرض المغتصبة بعد.

لذلك نعتقد أن تطبيع نظام أو كل النظام الرسمي العربي هو الخطوة الباقية لكي نقول بصوت ساخر وجهوري: ماذا يعني النظام العربي أو الجامعة العربية أو العمل العربي المشترك؟ إنها نكتة سمجة نضحك منها في بداية القرن الحادي والعشرين، ونتجه إلى موقف شعبي عربي خارج خطط الأنظمة التي تحتمي بالعدو من شعوبها. نحن نتجه فعلا لا قولا ولكن بصبر وأناة، إلى أن الشعب يريد تحرير فلسطين، والظلام المخيم على هذه اللحظة لن يطول.

في الأثناء أيضا، نحن نغربل القائلين بالخيانة العظمى ويسارعون إلى تقبيل كتف أكبر أنصار الصهاينة.

عربي21

شاهد أيضاً

حكّام السْودان من الثّورة إلى البهتان !!

صالح التيزاوي  طعنة جديدة للقضيّة الفلسطينيّة، وخيانة للعرب والمسلمين، هذه المرّة بيد الحكّام الجدد في …

عام على انتخابات 2019: عام تحت صفر

نور الدين العلوي  مر الحوْل على انتخابات 2019 التونسية وآن أوان الحساب. لم تمت بعد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.