الأربعاء , 28 أكتوبر 2020

هل يقلب قيس سعيّد الطاولة على الإيطاليّين ؟!

عبد اللّطيف درباله 

في مواجهة زيارة من وزيري الخارجيّة والداخليّة الإيطاليّين مع مفوّضين أوروبيّين للضغط على تونس من أجل وقف تفاقهم الهجرة السريّة “الحرقة”..
هل سيقلب قيس سعيّد الطاولة على الإيطاليّين ويطالب أوروبّا بمساعدة تونس اقتصاديّا لإعدام أسباب الهجرة.. أم سيحوّل تونس إلى مجرّد “غفيـر” لحراسة السواحل الإيطاليّة..؟؟!!

وصل الإثنين 17 أوت 2020 إلى تونس وزير الخارجيّة ووزيرة الداخليّة الإيطاليّين.. صحبة وفد من المفوّضين الأوروبيّين..
وقد جرى لقاء للوفد الرفيع مع رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد بقصر الرئاسة بقرطاج..
سبب الزيارة كما هو معلن هو التباحث مع السلط التونسيّة.. وطبعا الضغط عليها.. من أجل وقف موجة الهجرة السريّة (“الحرقة”) التي أغرقت السواحل الإيطاليّة خاصّة منذ بداية فصل الصيف..
الاستراتيجيّة الإيطاليّة كان وضّحها وزير الخارجيّة الإيطالي وحدّدها في (6) نقاط.. سبق لنا نشرها تفصيلا في مقال سابق.. وهي تبدأ بدفع السلط التونسيّة لفعل ما يلزم لمنع إنطلاق قوارب الهجرة السريّة من السواحل التونسيّة.. وتنتهي بالتهديد بوقف التمويلات الإيطاليّة لتونس.. وتمرّ عبر فرض قبول تونس لإعادة جميع المهاجرين الذين يصلون إلى إيطاليا..
لا شكّ أنّ اصطحاب الوفد الإيطالي لمفوّضين أوروبيّين يرمي إلى إقحام دول الإتحاد الأوروبّي الأخرى في المشكلة.. ولإقناع تونس بأنّ الضغوط والتهديدات والعقوبات التي قد تطالها.. يمكن أن تكون أوروبية عامّة وليست إيطاليّة فقط..!!

الحكومة طبعا هي شبه غائبة حاليّا..
فرئيس الحكومة الحالي إلياس الفخفاخ سيغادر بعد فترة قصيرة.. وهو لا يعنيه الأمر كثيرا.. ولن يكون على الأرجح هو من سيجابه المشكل..
ورئيس الحكومة المكلّف هشام المشيشي.. والذي هو في نفس الوقت وزير الداخليّة حاليّا.. لم يستلم مهامه رسميّا بعد.. ولا يُعْرَفُ (على الأقلّ من الناحية النظريّة) هل أنّه سينجح في الحصول على الثقة أم لا..
ورئيس الجمهوريّة قيس سعيّد سبق له إستقبال وزيرة الداخليّة الإيطاليّة في زيارة قامت بها منذ أسابيع قليلة فقط.. وقد جرى بعدها مباشرة لعمل زيارة تفقّد على عين المكان بقاعدتي الحرس البحري بكلّ من صفاقس والمهديّة.. التي تعتبرها إيطاليا وفق إحصائيّاتها أكبر بؤر إنطلاق قوارب “الحرقة” حاليّا..
وشدّد الرئيس على ضرورة مكافحة هذه الظاهرة.. وشجّع قوّات الأمن على بذل المزيد من الجهد..
بما اعتبره المراقبون هرولة لإرضاء إيطاليا..!!
وربّما اعتبره الإيطاليّون خضوعا “مثاليّا” من الرئيس التونسي للطلبات وللضغوط وللتهديدات..!!
وها أنّهم قد عادوا اليوم بأكثر من مجرّد وزيرة الداخليّة.. معتقدين بأنّهم جاؤوا بقوّة سياسيّة أكبر من القوّة السابقة.. للحصول على نتائج أفضل وأسرع..!!

نعتقد أنّه في السياسة.. فإنّ السياسي الذكيّ هو الذي يستغلّ كلّ المعطيات.. بما في ذلك المشاكل والأزمات..
وهنالك مثل أمريكيّ يقول “إذا أعطتك الحياة الحنظل.. فاصنع منه ليموناضة”..!!
ومشكلة الهجرة السريّة كما هو معروف ظهرت وبدأت واشتدّت منذ عهد بن علي قبل أكثر من عشرين سنة..
والأكيد بأنّ المشاكل الإقتصاديّة للبلاد بعد الثورة.. واضطراب الوضع السياسي.. وتفاقم أزمة البطالة.. والقلق من المستقبل.. نشّطت ووسّعت ظاهرة “الحرقة.. بل ودفعت حتّى الكثير من كوادر البلاد بما في ذلك أطبّاء ومهندسين وإطارات عليا إلى الهجرة لكن بطريقة شرعيّة لقدرتهم عليها..
وذلك خلافا لما زعمه رئيس الدولة قيس سعيّد مؤخّرا بأنّ أطرافا سياسيّا تحرّض الشباب على الهجرة السريّة بغرض إحراجه سياسيّا.. باعتبار قدم الظاهرة.. ولكونها أصلا تشمل أغلب بلدان العالم الثالث نحو الشمال..
فنفس الظاهرة توجد في المغرب والجزائر وليبيا وبلدانا إفريقيّة أخرى عديدة أصبحت تستعمل دول شمال إفريقيا مثل تونس بوّابة للإبحار خلسة نحو أوروبّا..
فإذا ما تعامل قيس سعيّد مع إيطاليا وأوروبّا.. في ما يخصّ ظاهرة “الحرقة”.. وفق نظريّة المؤامرة الداخليّة التي يستشعرها ويتحدّث عنها باستمرار.. فلن يصل إلى أيّ نتيجة.. وإنّما سيجعل نفسه.. وسيجعل من وراءه تونس.. هدفا لمزيد الضغوط والهرسلة الإيطاليّة والأوروبيّة من أجل إقفال الحدود وبذل ما هو في مقدور البلاد.. وماهو فوق طاقتها أيضا.. للعمل على حراسة السواحل الإيطاليّة إنطلاقا من الحدود التونسيّة..!!
أمّا إن تعامل قيس سعيّد بعقلانيّة ووعي مع المسألة.. وتصرّف ببراغماتيّة وذكاء.. فإنّه بإمكانه أن يدفع لتحقيق نتائج إستثنائيّة لتونس..!!

يمكن للسلط التونسيّة أن تُشعر الطرف الإيطالي.. ومن ورائه الإتّحاد الأوروبّي.. بأنّ ما يضمن حقّا وقف ظاهرة الهجرة السريّة إلى أوروبّا إنطلاقا من تونس.. ليس الرقابة والقبضة الأمنيّة بمفردها.. وإنّما هو النهوض بالبلاد.. وتراجع نسب البطالة والفقر وتحسّن مستوى الأجور والمعيشة..
هو خلق الأمل في تونس من جديد..
وأنّ ذلك يحتاج لا إلى ضغوط أوروبيّة.. ولا إلى تمويلات لتحسين الإمكانيّات الأمنيّة لتونس.. ولا إلى مساعدات ماليّة شحيحة على طريقة “القطرة قطرة”..
وقد تمّت تجربة كلّ ذلك سابقا وفشلت..!!!
وإنّما يحتاج إلى مساعدات أوروبيّة ضخمة لتونس تنهض بالبلاد تماما من الناحية الإقتصاديّة والماليّة والاجتماعيّة..!!
على الأوروبيّين أن يدركوا بأنّه عليهم الإستثمار في الديمقراطيّة التونسيّة.. وأن يتخلّوا عن التقشّف المالي في التعامل مع بلادنا.. وأن يتوقّفوا عن ممارسة الهيمنة على بلادنا بمجرّد مساعدات مقتّرة لإبقاء البلاد بالكاد تتنفّس..وتحت سيطرتهم..!!

يجب على السلط التونسيّة.. وعلى رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد أن ينطلقوا في العمل على إفهام الأوروبيّين أنّه عليهم أن يطلقوا ما يشبه مشروع “مارشال” في تونس.. أي ما يشبه مشروع التنمية وإعادة الإعمار وتنشيط الإقتصاد وبناء الصناعة من جديد.. والذي أطلقته الولايات المتحدة الأمريكيّة في أوروبّا بعد الدمار والكساد الكبير الذي لحقها بفعل الحرب العالميّة الثانية..
كانت بلدان أوروبّا.. بما فيها نصف ألمانيا وإيطاليا المحاربة للبقيّة.. قد خرجت منهكة ودُمّر إقتصادها ومصانعها وبنيتها التحتيّة بفعل الحرب المروّعة..
وانتشرت البطالة والفقر وقلّة الموارد وغلاء الأسعار بالبلدان الأوروبيّة.. ممّا جعلها أرضا خصبة للأفكار اليساريّة والشيوعيّة.. في وقت كان المدّ الشيوعي السوفياتي في أوجّه بعد إنتصار الإتّحاد السوفياتي في الحرب بدوره.. وسيطرته تبعا لذلك على العديد من بلدان أوروبّا الشرقيّة التي أصبحت تحت هيمنته الإقتصاديّة والسياسيّة.. ومنها نصف ألمانيا الشرقيّة التي إنشطرت إلى بلدين إثنين.. ومبادرته ببثّ أفكاره السياسيّة في العالم.. ومحاولة “تصدير” الشيوعيّة..!!

مع بداية الحرب الباردة.. خشيت الولايات المتحدة الأمريكيّة من أن يساهم تردّي الوضع المعاشي في أوروبّا في إنتشار الأفكار الشيوعيّة.. وتسرّب غريمهم السوفياتي الشيوعي إلى وجدان الشعوب في الشطر الغربي من أوروبّا بعد إحكام سيطرته على الشطر الشرقي.. فقرّرت أن تقطع عليه الطريق.. وأن تحقّق غايتها هي وأمنها القومي.. بإصلاح حياة الأوروبيّين وإنتشالهم من حالة الإحباط واليأس ومن البطالة والفقر..
خصّصت الولايات المتحّدة الأمريكيّة بداية من سنة 1948.. وعلى مدى أربع (4) سنوات فقط.. تمويلات في شكل تبرّعات ماليّة غير مستردّة بمبلغ 17 مليار دولار أمريكي لدعم مشروع “مارشال” الذي يرمي إلى النهوض بالاقتصاد الأوروبّي.. وهو مبلغ ضخم قدّر بأنّه يعادل 202 مليار دولار بقيمة سنة 2019..
بخلاف مليارات الدولارات الموازية ضمن بنود مساعدات أخرى.. أو اللاّحقة في السنوات الموالية بعد إنتهاء البرنامج.. وبخلاف القروض والتمويلات المتنوّعة والمختلفة..

بلدان الاتّحاد الأوروبّي خصوصا وعدت تونس بعد الثورة.. وبعد دخولها نادي البلدان الديمقراطيّة.. بضخّ تمويلات سخيّة لإعادة بناء إقتصاد الدولة وتطوير البلاد وخلق مواطن الشغل وخفض نسب البطالة والفقر.. وتحسين ظروف الحياة خاصّة في الولايات الداخليّة والمناطق المهمّشة.. وقد عقد مؤتمر للمانحين.. وعدّة ملتقيات أخرى للإستثمار في تونس.. وصدرت وعود بضخّ وإستثمار عشرات مليارات الأورو.. ولم يصل منها لتونس شيئا يذكر..

تونس في حاجة ربّما إلى ما يشبه “مشروع “مارشال” أوروبّي لإعمار البلاد وتنشيط إقتصادها..
ويجب أن يتمّ إقناع الدول الأوروبيّة بضخّ مساعدات وقروض ميسّرة وإستثمارات بما بين 20 و30 مليار أورو على أقساط خلال الخمس سنوات القادمة فقط.. خارج أيّ خطّ تمويل آخر.. بحيث لا تصرف في أيّ سداد للمدفوعات أو عجز الميزانيّة.. وإنّما تخصّص جميعها للإستثمار والتنمية وللنهوض بالاقتصاد وتمويل مشاريع كبرى وأشغال بنية تحتيّة ضخمة.. وفتح الآفاق وفتح أقطاب إنتاج جديدة بالمناطق الداخليّة والمهمّشة.. بما يتناسب مع خصوصيّات وطبيعة ومشاكل وموارد كلّ منطقة..
وعلى السلط التونسيّة أن تُظهر للسلط الإيطاليّة المستقوية عليها بأوروبّا وبالمساعدات وبمنح أو وقف التمويلات.. بأنّها لا تخشى قطع التمويلات لأنّهم إن فعلوا ذلك.. فإنّ الوضع سيزداد سوء في البلاد.. وأنّ عليهم في تلك الحالة إنتظار وصول خمسة آلاف مهاجر كلّ أسبوع للسواحل الإيطاليّة.. تماما كما حدث ذات أسبوع بعد أشهر من الثورة في سنة 2011..
وأنّه يجب عليهم على العكس تماما الدّفع بسخاء للقيام بعمل إنمائيّ مهيكل ومستديم ومنظّم وتصاعدي وغير مسبوق..

أيضا.. على السلط في تونس أن تفهم إيطاليا وأوروبّا.. وخصوصا فرنسا.. بأنّه يجب عليهم السعي لإيجاد حلول سلميّة للنزاع اللّيبي.. والتوقّف عن إشعال النار في الحرب الليبيّة.. والدخول في اتّصالات مع الفرقاء في ليبيا.. ومع من يدعمهم من البلدان من الشرق والغرب بهدف إنهاء الحرب والصراع العبثي المدمّر..
لأنّ إستقرار الوضع السياسي والأمني والعسكري في ليبيا من شأنه أن يعاود منح فرصة تشغيل عشرات آلاف التونسيّين بالقطر الشقيق.. وأن يسمح باستئناف الحركة التجاريّة في الاتّجاهين.. وحركة تصدير البضائع التونسيّة.. والتي كانت توفّر مصدر رزق مباشر وغير مباشر لعشرات آلاف العائلات التونسيّة.. وتصنع الربيع للعديد من المصانع والتجّار والفلاّحين والمنتجين والحرفيّين والمهنيّين ومسديي الخدمات التونسيّين..

إمّا إن تصرّف الرئيس قيس سعيّد بعقليّة “الحرس البحري”.. كما فعل منذ أسابيع بعد زيارة وزيرة الداخليّة الإيطاليّة له.. حينما ذهب بنفسه لتفقّد قوّات الأمن المخصّصة لمقاومة “الحرقة”.. واقتصر على المقاربة الأمنيّة للمسألة.. وإذا ما اقتصر الرئيس على طلب مجرّد تجهيزات وزوارق وطائرات مروحيّة وسيّارات دفع رباعي ومناظير ليليّة ورادارات وبعض التمويل الأمني وغيره ممّا سبق للسلطات التونسيّة مطالبة السلطات الإيطاليّة به لتقوية المجهود الأمني الوطني في مقاومة ظاهرة الهجرة السريّة عبر القوارب.. فـ”ستأكلنا” إيطاليا.. وستحوّلنا إلى مجرّد “غفيـر” رخيص لسواحلها مقابل الفتات من التمويلات والتجهيزات الأمنيّة..!!!

لكن في المقابل.. لماذا يأتي الوفد الرسمي الإيطالي والأوروبّي إلى تونس قبل أيّام قليلة من نهاية الأجل الدستوري لتكوين حكومة هشام المشيشي.. أو بالأحرى حكومة الرئيس قيس سعيّد..؟؟
ألا يعتبر توقيت الزيارة مريبا.. والحال أنّ المنطق كان يقتضي تأجيلها بأسبوعين لعلّ الحكومة الجديدة تكون قد استلمت السلطة ويمكن التفاهم معها..؟؟
أم أنّ توقيت الزيارة قد يكون جاء بالفعل لما له علاقة بتكوين تلك الحكومة أصلا..؟؟!!

شاهد أيضاً

الإساءة للنبيّ حريّة تعبير.. والإساءة للعلم تستوجب الإيقاف فورا..!!!

عبد اللّطيف درباله  الإساءة للنبيّ محمّد في فرنسا حريّة تعبير تستوجب التضامن والحماية.. والإساءة للعلم …

فضيحة دولة..!!!

عبد اللّطيف درباله  صندوق 1818 الذي خُصّص للتبرّعات لفائدة المجهود الوطني لمقاومة الكورونا.. بغرض توفير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.