السبت , 31 أكتوبر 2020

في الكفاءة والخبرة أو البون بين الرعوانية والعلمية

أبو يعرب المرزوقي 

كل من يتابع “مشاورات” المكلف السالف والمكلف الخالف وحتى المكلفين وخاصة مكلفهم يفهم علل ما عليه تونس ليس من اليوم بل منذ اللحظة التي جعلت مثل هذه الظاهرات تصبح العامل المشترك الثابت في بلاد العرب كلها منذ قرون وعلة التخلف والانحطاط.

فما من أحد حتى بالمعنى الرعواني للكفاءة والخبرة يمكن ألا يفهم علاقة العلية بين ما عليه الأوطان من الهوان حتى بعد قرنين من تحول الكلام على النهضة إلى شعار اللحظة في تاريخ الأمة ومآلها الأليم إذا قيست حالها بحال من بدأ حركة النهوض بعدها انطلاقا من وضعية حضارية دون وضعيتها بمسافة لا تقدر.

فيمكن بعبارة وجيزة القول إن ما حصل عندنا -إذا عدنا من المعلول إلى العلة- ينبغي أن يوصف بكونه نقيض ما حصل عند من حققوا النهوض الفعلي فصاروا من عمالقة العصر واقصد عمالقة الشرق الأقصى.

فقد اصبح لهم دور في أحداث العالم كلها لانهم صاروا من الفاعلين فيها بخلاف ما حصل عندنا لأننا بقينا من المنفعلين.
ولا يمكن لمن يريد أن يفهم تاريخنا خلال القرنين الأخيرين ألا يعتبر بما حصل فعليا في دور النخب العربية.

وهذا النقيض يتعلق بدور النخب أي بالكفاءة والخبرة معرفيا وبالإخلاص والصدق خلقيا لدى النخب الخمس التي هي عماد أي دولة حديثة:
وهذا هو معنى الحداثة رغم كونه عين مقومات الدولة من حيث هي دولة حتى في عصر الفراعنة والبابليين.

وتلك هي الظاهرة التي رأيناها ونراها بالعين المجردة في تشكيل حكومات تونس الأربعة التي حصلت بعد الانتخابات الأخيرة والتي غايتها الوصول إلى الحكومة الخامسة التي تعيد الاستبداد والفساد المطلقين.

وهي الآن بصدد التحقق بالاعتماد على مافيات الاستبداد والفساد التي “عشعشها” العهدان السابقان على الثورة:
عهد بورقيبة وعهد ابن علي.
فدمية قرطاج بخلاف الكذب السائد لا يعتمد على الشباب بل على مافيات العهدين السابقين فهي من يعتمد عليه للقضاء على الثورة في مقابل مساندته الحالية ضد القوى السياسية.

وما التركيز على الإسلاميين إلا من أعراض الهدف -ليس في تونس وحدها بل في كل بلاد العرب.
فالثورة المضادة العربية بفرعيها الذي تقوده إيران والذي تقوده إسرائيل كلاهما يعتمد على خرافات دينية وهو ما كان ليحارب الإسلام لو عاد إلى خرافات التصوف والسلفية المدخلية.

  1. حكومة الجملي الأولى التي وصفت بكونها حكومة أحزاب ثورية وهي أولى غباوات القوى السياسية التونسية المستهدفة بسبب سذاجة قياداتها.
  2. حكومة الجملي الثانية التي وصفت بكونها حكومة كفاءات مستقلة وهي ثانية غباوات القوى السياسية التونسية المستهفة لنفس العلة.
  3. حكومة الرئيس الأولى التي تبين أن الأقدر فيها هو الأقذر ومن يعجب من بقائه يتجاهل أن الرئيس نفسه أقذر منه لأنه يعتمد على مافيات العهدين السابقين لضرب الثورة والحرب على القوى السياسية.
  4. حكومة الرئيس الثانية التي يدعي المكلف أن الساسة ليسوا أهلا للحكم لاستحالة التوفيق بينهم وهي “حجة للجيعان” لأن الأغلبية تقدمت بمقترح حكومة الوحدة الوطنية ومستعدة للعمل معها رغم أنه لا يمثل خيارها.
  5. وفي الحقيقة فإن الهدف هو الوصول إلى حكم المستبد المطلق الذي يجعل القصبة وباردو كما كانا في عهد ابن علي تابعين إدارتين لما يتقرر في قرطاج مع فارق كبير وهو أن قرطاج في عهد ابن علي كانت على الأقل في الظاهر مما يمكن تسميته بالكفاءات بالمعيار التونسي في الأدنى.

لكن لا يمكن أن نحلل الظاهرة إذا اقتصرنا على أعراضها ولم نحددها بما يظهر ما تبطن أعني ما سيتجلى عندما نحدد طبيعتها بصورة تجعلها ليست خاصة بتونس بل هي عامة في كل البلاد التي تسمى عربية لأنها تابعة للجامعة رسميا لكن الاسمين لا علاقة لهما بالمسمى.

فكيف يمكن تعريفها تعريفا يكون في آن تشخيصا للأدواء التي يعد ما تكلمنا عليه ليس إلا بعض أعراضها التي لا علاج لها قبل التشخيص المحدد للعلة والذي يمكن أن يكون منطلقا للعلاج.

ولأبدأ بالتعريف لتكوينية الظاهرة في تاريخ الأمة على الأقل منذ قرني ما يسمى بحركة النهوض الذي شمل كل الحضارات القديمة والوسيطة التي تخلفت بالقياس إلى الحداثة الأوروبية.

فيمكن اعتبار الأمة الإسلامية ومنها نحن قد مررنا بلحظتين:

  1. الأولى هي لحظة -الشروع في مقاومة الاستعمار المباشر للنهوض- وقد كانت النخب فيها بأصنافها الخمسة ذات إيمان خلقيا بضرورة التدارك للحفاظ على الأمة وتحقيق شروط الاستئناف رغم كونها عديمة التكوين المناسب للعصر معرفيا.
  2. الثانية وهي الحالية –لحظة يمكن اعتبارها عكسها تماما أي إنها لحظة الاستعمار غير المباشر وقد حصلت النخب الخمس بنحو ما على ما يشبه التكوين المعرفي المناسب للعصر لكنها فقدت فعلا الإيمان الخلقي بضرورة التدارك للحفاظ على الأمة وتحقيق شروط الاستئناف.

ولأذكر بما أسميه النخب الخمس أي بما تمثله وبوظيفتها في الدولة من حيث هي دورة ممثلة للأمة بالأبعاد الخمسة التي تصنف بها النخب في أي جماعة وفي أي حضارة لأني لا ابحث في الخصوصيات العرضية بل في الكليات المقومة لكيان الأمم المحددة لوظائف الدول:

  1. نخبة الإرادة وهي النخبة السياسية التي يكون ممثلوها من ذوي الإرادة شخصيا ومن ذوي الطموح لتمثيل إرادة الجماعة التي يريدون نيابتها في ممارسة الحكم في دولتها لتحقيق شروط الرعاية التكوينية والتموينية من أجل الحماية الداخلية والخارجية السلمية والحربية.
  2. نخبة العلم وهي النخبة المعرفية التي يكون ممثلوها من ذوي العلم شخصيا ومن ذوي الطموح لتمثيل علم الجماعة التي يريدون نيابتها في ممارسة الفكر في دولتها لتحقيق الشروط العلمية وتطبيقاتها من أجل الرعايتين والحمايتين.
  3. نخبة القدرة وهي النخبة الاقتصادية والثقافية التي يكون ممثلوها من ذوي القدرة الإبداعية للثروة والتراث اللذين يمكن للدولة الممثلة لإرادة الأمة أن تقدر على الرعايتين والحمايتين بمعنى أن القدرة مشروطة بالأولى والثانية أداتيا إذ لا اقتصاد من دون العلم وتطبيقاته والإرادة ومشروعاتها.
  4. نخبة الذوق وهي النخبة المحددة لأهداف الحياة الروحية -ويسميها ابن خلدون الأنس بالعشير- ويكون ممثلوها معبرين عن ذوق الجماعة أي عما يضفي المعنى على الحياة في الجماعة الحرة والتي لا تعتبر وجودها تقليدا لوجود غيرها بل هي التي تبدعه باعتباره عين حياتها ووجودها.
  5. أخيرا نخبة الرؤى التي تلازم الأربعة السابقة وهي في الحقيقة أساسها جميعا لكونها متفرعة عنها لأن الإرادة تريد من منطلق رؤية والمعرفة تعرف من منطلق رؤية والقدرة تقدر من منطلق رؤية والذوق يذوق من منطلق رؤية.

والرؤية تعبر عنها الجماعة بنخبة عادة ما تكون دينية وفلسفية في آن لأن الفرق بينهما أسلوبي وليس مضمونيا.
وما يسمى التقابل بين الديني والفلسفي علته الاقتصار على الظاهر دون الباطن.
وحتى الظاهر فهو دال على وحدة الرهان فيهما وإلا لما وجد تنافس بين ممثليهما يعبر عنه الصراع الظاهر بينهما في كل الحضارات.

وهكذا فقد حددنا مجال الكفاءة والخبرة وشروطهما المعرفية والخلقية.
ومعنى ذلك أننا إذا وصفنا شخصا ما بانه كفء وخبير وعلى خلق في تحقيق ما يثبت الخبرة والكفاءة وليس شهرة جنيسة للشائعات فإننا ينبغي أن نحدد توفر شروط المجال الذي هو أحد هذه العناصر الخمسة:

  1. الخبرة والكفاءة السياسية وأخلاق رجال الدولة.
  2. الخبرة والكفاءة المعرفية وأخلاق العلماء.
  3. الخبرة والكفاءة الإنتاجية المادية والروحية (الاقتصاد والثقافة).
  4. الخبرة والكفاءة الذوقية التي تعبر عن حياة الجماعة.
  5. الخبرة والكفاءة الرؤيوية التي تعبر عن مميزات حضارة معينة وسهمها في الكونية.

ماذا حصل في مشاورات المكلف الأخير حتى لا أطيل؟

  1. استثنى ذوي الإرادة الذين اختارهم الشعب لتمثيل إرادته أي السياسيين لأنهم حسب كلامه المهذب فوضويون ولا يتفقون على القبول بأن يكونوا دمى لدمية قرطاج.
    وقال سيعوضهم بالكفاءات المستقلة.
  2. استثنى ذوي العلم الذي تثبته معايير الجماعة العلمية في العالم واختار من لا يحتاجون للأدلة على علمهم لأن شهادة إعلام عبد الوهاب عبد الله لا تعلو عليها شهادة:
    وهذا النوع الأول من الكفاءات المستقلة.
  3. استثنى ذوي القدرة الإنتاجية التي تثبتها المبادرة والاستثمار الناجح في إنتاج الثورة والتراث الوطنيين بمعايير الاقتصاد والثقافة في العالم وعوضهم بمافيتين تملهما نقابة العمال التي خربت الاقتصاد ونقابة ممثلي الشركات الاستعمارية لنهب ثروات البلاد: وهذا النوع الثاني من الكفاءات المستقلة.
  4. استثنى ممثلي الذوق الذي ينبع من روح الحضارة الأهلية واستعاض عنهم بباعة البونسيف في روبافيكيا الثقافة الفرنسية والتي لا تتجاوز ما دون السرة لأنها تعبر عن الجوعى الذين لا يعرفون من معاني الحياة إلا ما هو بين العانة والحانة.
  5. وأخيرا فإن الرؤية الوحيدة العوراء هي رؤية دمية قرطاج وهي نسخة باهتة من الكتاب الأخضر ومن الكتاب الأحمر.
    ومن ثم فالنتيجة هي ما قاله “لينين” الكارك والمتحجر في مراهقته:
    هذا يريد أخذ كل المثقفين في ثلاث كميونات ونفيهم في سيبيريا الحارة
    والدمية يريد اخذ كل السياسين ربما في عدد أكبر من الكميونات أو ربما أفضل سيكرر رابعة ويحسم الأمر.

ذلك هو الوضع:
فلا الدمية ولا لينين ولا المكلف ولا الحزيبين -البسكلات والبراميل- ولا النخب التي ما تزال تصفق لهم جميعا يفهمون معنى الدولة ولا معنى الخبرة ولا معنى الكفاءة ولا معنى شروطها الخلقية.

هم رعوانيون لم يتجاوزوا ثقافة معمر القذافي ولم يأخذوا من ثقافة العصر إلا فاشيات أوروبا اليمينية واليسارية.
لذلك فلا تعجبوا إذا تحالفوا مع حفتر وبلحة والنعجة.
وهم في الغاية عبيد ماكغون وخامنائي وهدفهم العيش تحت “صباط” من يسمونه “سيد” وهو أذل عبد لأنجس طائفة.

شاهد أيضاً

الديمقراطية، شروط التحديثي والتأصيلي الكاريكاتورية

أبو يعرب المرزوقي  كلما سمعت “مثقفا” يدعي الحداثة يرهن أهلية الشعوب لقيادة نفسها سياسيا بما …

الإعلام: ما مشكله ؟ ولماذا يعسر علاجه ؟

أبو يعرب المرزوقي  ما فهمته من مشروع الإصلاح المقترح هو الإصلاح بإطلاق حرية المبادرة والاعتماد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.