السبت , 28 نوفمبر 2020

“اتّفاق إبراهام” لتصفية القضيّة الفلسطينية

فتحي الشوك 

أطلّ علينا الرّئيس الأميركي رونالد ترامب فرحا مستبشرا مهلّلا معلنا عن اتّفاق “إبراهام التّاريخي” بين ولي عهد أبو ظبي محمّد بن زايد و رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو و لم يخف قمّة سعادته فيما يعتقد أنّه توصّل إليه، مبشّرا بفتوحات أخرى ستتحقّق في قادم الأيّام الحبلى بالأخبار المفرحة الّتي قد تشهد عقد قران شرعي للمطبّعين الرّاغبين في التخلّص من عقدة الذّنب و وخز الضّمير جراء علاقاتهم العابرة خصوصا و أنّ كثيرا منهم بدأت تظهر لديهم علامات الحمل و صار همّهم البحث عن اعتراف بالأبوّة لستر عارهم!

ربّما سيكون حفل زواج كاثوليكي جماعي يضع نهاية لعذابات الهجر وممارسات العشق الممنوع، فما الّذي جعلهم يجهرون بكلّ وضوح و بدون أيّ تحفّظ عمّا كانوا يمارسونه سرّا و من وراء السّتار؟ ثمّ ما الدّاعي لإعلان مثل هذا الاتّفاق في هذا التوّقيت بالذّات ومن المستفيد من ذلك؟

كذبة أخرى وخيانة أخرى:
اتّفاق إبراهام الّذي أعلن ترامب على التوصّل إليه هو عبارة عن عمليّة تطبيع كامل للعلاقات بين الإمارات و”إسرائيل” ويشمل تبادل السّفارات والرّحلات والتّعاون في مختلف المجالات الاقتصادية والثقافية والأمنية وروّج للعمليّة بأنّها اختراق تاريخي لإرساء سلام مستقرّ ودائم في شرق أوسط جديد خال من الاحتقان و الصّراعات، خطوة “شجاعة” دشّنتها الإمارات لتفتح المجال لبقية دول المنطقة العربية والإسلامية لتلتحق بالرّكب.

برّر وليّ عهد أبو ظبي بأنّ ما قام به هو لإيقاف خطّة الضمّ “الإسرائيلية” لأراضي الضفّة الغربية ليتحدّث ترامب عن مجرّد تأجيل ويعقّب نتنياهو بان فرض السّيادة لا زال على الأجندة وملتزمون بتنفيذه وأن لا تغيير في خطّة ضمّ السّامرة ويهودا.

فعن أيّ إلغاء للضمّ يتحدّث عنه بن زايد وبقيّة من يبرّرون هذه الاتّفاقية الّتي وصفها الفلسطينيون بأنّها خيانة موصوفة وطعنة غدر في ظهر الشّعب الفلسطيني؟

وفي الواقع فان خطّة الضمّ هذه مجمّدة حاليا لأسباب “إسرائيلية” داخلية في ظلّ الأزمة السياسية والاجتماعية الّتي يعيشها الكيان الغاصب زيادة على الضّغوطات الأوروبية و بعض التحفّظات العربيّة و الرّفض الفلسطيني القاطع.

أمّا الحديث عن اتّفاقية سلام فضحك على الذّقون وسردية كوميدية سوداء وكأنّ الإمارات كانت في حالة حرب وصراع مع الكيان الصّهيوني وهي الّتي تعيش معه في وئام وتناغم منذ ربع قرن أو يزيد، وهل تخفى علاقات الإمارات الحميمية السّاخنة بإسرائيل؟

مناورات عسكرية مشتركة، تدريب للطيّارين الإماراتيين حتّى أنّهم ساهموا في قصف غزّة، تنسيق أمني ومخابراتي وتمكينهم من طائرات الدرون لقنص اليمنيين والليبيين، تمكينهم من شبكة تجسّس الكترونية فائقة الدقّة لتعقّب الأحرار وتخريب الأوطان، تبادل للزّيارات بين المسؤولين على أعلى مستوى، تناغم في الخطاب الإعلامي الرّسمي والافتراضي إلى حدّ الاعتقاد بأنّ المصدر واحد، نشاط كثيف لسفير الإمارات في الولايات المتّحدة الأميركية يوسف العتيبة ذي العلاقات الجيّدة مع اللّوبي الصّهيوني وعرّاب صفقة القرن كوشنير، وأخيرا وليس آخرا هبوط الطّائرات الإماراتية كم من مرّة في مطار بن غريون بتعلّة المساعدة في مجابهة جائحة كورونا.

كذبة أخرى ومؤامرة أخرى وخيانة أخرى من قبل من مرد على الكذب والتآمر والخيانة، يتحدّثون عن تحالف لمواجهة إيران مع أنّ هذه الأخيرة الّتي تحتلّ لهم ثلاث جزر (ابوموسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى) هي الأكثر تعاملا مع الإمارات ولها عقد زواج متعة معها وهي مجرد فزاعة تستعملها للارتماء في أحضان العشيق “الإسرائيلي”!

وصف اتّفاق العار هذا بأنّه تاريخي وهو كذلك بمعيار السّقوط الأخلاقي في سابقة لم يشهد لها التّاريخ مثيلا، حين يبادر من يبحثون عن تاريخ ولو بالنبش في الفضلات أو على سطح المرّيخ بتلطيخ صفحاته بإفرازاتهم النّتنة والمسمومة.

وحّد إعلان اتّفاق “إبراهام” الطّرف الفلسطيني صاحب الحقّ والمغيّب عن الصّورة وهو المعنيّ بالأمر لتتجاوز السّلطة والفصائل خلافاتهم ويصدرون قولا واحدا: إنها خيانة موصوفة وطعنة في ظهر الشعب الفلسطيني ومؤامرة تستهدف تصفية القضيّة نهائيا، كما صدر موقفان مشرّفان من ليبيا واليمن في انتظار تبيّن بقيّة مواقف الدّول العربية والإسلامية وعلى أمل أن يوقظ أحدهم جامعة الدّول العربية ومنظّمة المؤتمر الإسلامي ومجلس التعاون الخليجي من سباتهم العميق عسانا نسمع موقفا ولو محتشما عن هذا الانتهاك الواضح لمعاهدة السّلام العربية والخرق الفاضح لثوابت القضية الفلسطينية.

كان متوقّعا تهليل مصر المختطفة وإعادة التغريد من قبل البحرين الّتي ستكون التّالية في مخطّط التّطبيع التّام أو كما أطلق عليه يوسف العتيبة المشروع الاستراتيجي الكبير للشرق الأوسط أو ما يعرف بصفقة القرن، ومن المنتظر كذلك أن تنصاع الشقيقة الكبرى والعظمى المملكة السعودية لتلتحق علانية بالركب كمهر يقدّمه بن سلمان لاعتلاء العرش.

ما سرّ توقيت إعلان الاتّفاق؟
حاول ترامب خلال إعلانه عن اتّفاق إبراهام الّذي ودّ لو سمّي باسمه لولا خوفه من ردّة فعل الإعلام تسويق ما تمّ التوصّل إليه باعتباره إنجازا يحسب له وهو الّذي في حاجة ماسّة لأيّ إنجاز يدعم حظوظه المتهاوية والّتي بدا يعتريها الشكّ في عبوره بنجاح استحقاق الرّئاسيات الأميركية القادمة في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني 2020، إلى حدّ محاولة تأجيلها، فترامب الّتي أحبطت جائحة كورونا بعضا من نجاحاته الدّاخلية وعرف الفشل في سياسته الخارجية سواء مع الصّين أو روسيا أو فينزويلا أو في الخليج وحتّى في أوروبّا، يسعى إلى تسجيل هدف ولو في الوقت الضّائع وأن يصبح مثل جيمي كارتر وبيل كلينتون وهو الّذي يعتقد أنّه أفضل رئيس عرفته أمريكا وهو يستحقّ أن يكون وجهه منحوتا في جبل راشمور.

وقد منحه بن زايد فرصة تحقيق إنجاز دعما له وخوفا ممّن سيخلفه الّذي قد يعرقل مشاريع الإمارات التخريبية، زيادة على أنّ أيّ رئيس أميركي تتضاعف حظوظه طرديا مع ما يقدّمه من قرابين على عتبات معبد اللّوبي الصّهيوني حتّى و لو كان شعبويّا وبلا كفاءة تذكر.

أمّا رئيس الوزراء “الإسرائيلي” والّذي يعيش أزمة داخلية سياسية واجتماعية فلا مانع لديه أن يتقبّل هدية على طبق من ذهب وهو من سيقبض دون أن يدفع.

أمّا الإمارات وهي الّتي حاربت بشراسة ثورات الرّبيع العربي واستعدت الشّعوب في رغبتها للاستنهاض وتطلّعها للحياة الحرّة الكريمة واصفة ما يجري بأنّها مؤامرة عبرية وهي كما يبدو تنفّذ دورا وظيفيا تخريبيا كتفريخات سرطانية خبيثة ذات العلاقة الوطيدة مع الورم الأمّ المزروع في جسد الأمّة، فقد اضطرّت لأن تكشف عن وجهها القبيح ولعلّ الانتعاشة النسبية لإرادة الشعوب في التحرّر وصمود قطر أمام الحصار الجائر وتعافي تركيا وصعودها الصّاروخي ووقوفها كحجر عثرة أمام بعض مشاريعها العبثية خصوصا في ليبيا والصّومال، هي من الأسباب الّتي عجّلت بسقوط الأقنعة.

دعا الرّئيس “الاسرائيلي” ولي عهد أبو ظبي لزيارة القدس خلال الأسبوع القادم تكريسا لإعلان القدس عاصمة لإسرائيل وتنفيذا لبروتوكولات صفقة القرن ليتبيّن أنّ الهدف الأساسي هو تصفية القضيّة الفلسطينية بالكامل وهو ما يشير إلى أنّنا أمام نكبة أخرى أشدّ وطأة من سابقاتها، فكامب دافيد و اوسلو و وادي عربة أنشأت علاقات علنيّة رسمية مع الكيان الصّهيوني دون أن تنتج تطبيعا كاملا معه نتيجة للرفض الشعبي المتجذّر ومحورية القضية الفلسطينية في ضمير ومخيال العربي والمسلم وكلّ إنسان حرّ.

ما يحاك من مؤامرات يتجاوز مستوى خيانة ما قد سبق إلى حدّ تجريم صاحب الحقّ المظلوم وتبرئة الغاصب المحتلّ الظّالم بل ومكافأته على صنيعه.

هكذا تغتصب المعاني وتشوّه الحقائق ويزيّف الوعي في محاولة لإعادة تشكيل الذّاكرة وإيجاد حاضنة متقبّلة لواقع المذلّة والنّذالة في زمن صارت فيه الخيانة وجهة نظر.

وأمام قتامة المشهد التّعيس فان ما يبعث فينا بعض التّفاؤل والأمل هو ذاك الطّفل الفلسطيني الّذي يمسك بيده حجرا وهو يواجه الدبّابة وذاك الشّيخ المحتفظ بمفتاح بيته العتيق في إحدى القرى الّتي محوها من الخريطة وبقيت تسكن قلبه.

د.محمّد فتحي الشوك

شاهد أيضاً

ماذا وراء استهدافهم لفرع الاتّحاد العالمي لعلماء المسلمين بتونس ؟

فتحي الشوك  رفضت المحكمة الابتدائية بتونس العاصمة الدّعوى الاستعجالية الّتي تقدّم بها “الحزب الحرّ الدّستوري” …

اللّهمّ نيزكنا !

فتحي الشوك  لا تيأس ولا تجعل الإحباط يسقطك ويتمكّن منك حتّى وإن كنت خمسينيا مربّعا …

اترك رد