السبت , 28 نوفمبر 2020

لا عقل لمن يقول الدولة لا دين لها

أبو يعرب المرزوقي 

لو قال أحد إنه توجد دول لا دين لها لصدق لأنه يكون كمن قال يوجد بشر لا عقل لهم بمعنى أن تلك الدولة تكون فاقدة لمقومها الجوهري فقدان ذلك الإنسان لمقوم الإنسان الجوهري.

لكن لا يوجد عاقل يستطيع أن يقول الإنسان من حيث هو إنسان لا عقل له تماما كما أنه لا يوجد عاقل يمكن أن يقول الدولة من حيث هي دولة لا دين لها إلا إذا قال يوجد بشر لا عقل لهم ولا دين أو أديان لهم:
فالإنسان عقل ووجدان دائما.

وقد أضفت “أديان” ولم اكتف بدين واحد إلا في الأمر الواجب أي عند الكلام على الدين عند الله في عالم الغيب.
لكن الدين عند الإنسان وفي عالم الشهادة متعدد في الأمر الواقع بصريح النصوص القرآنية وبمنطق حرية المعتقد فيها.

فالأديان متعددة (البقرة 62 والمائدة 69 وحتى الحج 17) لأن هذا التعدد شرط التسابق في الخيرات بمقتضى المائدة 48.
وهو خاصة شرط في تبين الرشد من الغي وحرية الاختيار بالمقارنة بين أديان الأمر الواقع (البقرة 256).

ونفس الأمر يقال عن العقل.
فهو واحد في الأمر الوجب عند الإنسان من حيث هو إنسان أي كما خلق في أحسن تقويم وقبل أن يرد أسفل سافلين ثم بعد التحرر من السفولة والسفالة إذا عمل بشروط الاستثناء من الخسر التي حددتها سورة العصر.

لكن أنى لأمي -يزعم أنه كان أستاذا في القانون الذي لا يبعد كثيرا من حيث الوظيفة وإن اختلف من حيث المصدر عن الفقه- أن يفهم هذه اللطائف فيدعي أن الدولة لا دين لها رغم أنه سبق فدندن في محاضرة متغنيا بالبند الأول من الدستور للرد على سلفه.

ورغم علمي أن قائل هذه العبارة ليس عاقلا فإني سأحاول مخاطبته بالعقل علما وأنه ليس صاحبها ومبدعها لأنها تعود إلى مدرسة تجفيف المنابع.
لكني سأقبل أن أصحاب حقوق التأليف قد تنازلوا لمن اصطفوا خلفه بعد أن فهموا مسعاه.

وسأعتبر أن “دينها الإسلام ولغتها العربية” تحيل إلى تونس وأن الضمير فيهما لا يعودان على الدولة وهو مقبول إذا اعتبرنا “دولة حرة ومستقلة صفات محمولة” على موضوع في بداية النص هو تونس.

فيمكن حينها أن نعتبر الضمير في “دينها ولغتها” بخلاف القاعدة النحوية محيلا إلى الموضوع الأول “تونس” وليس إلى الموضوع الثاني “دولة” فنكون وكأننا قلنا “تونس”:

  1. لها دولة حرة ومستقلة.
  2. “الدولة” ليس لها دين هو الإسلام ولا لها لغة هي العربية.

وعندئذ نفرق بين النسبتين بنفي التعدية بينهما فيمكن أن تكون تونس ذات دولة حرة ومستقلة لكنها لا دين لها ولا لغة:

  1. فيكون ما ينسب إلى تونس منفيا عن الدولة التي هي حرة ومستقلة.
    لكنها دولة ليس لها دين (فاقدة للحرية الروحية).
    وليس لها لغة (فاقدة للاستقلال اللغوي).
  2. ويكون ما ينسب إلى الدولة منفيا عن تونس أي إن لها دين ولغة لكن ودولتها حرة ومستقلة من دونهما فتكون عديمة السيادة الروحية والثقافية.

والمعلوم أن بورقيبة لأنه وطني فعلا وليس منافقا قصد -بوضع هذا البند- المعاني التالية لأنه كان مثقفا بحق ولم يكن أستاذا فاشلا وكان مثقفا باللسانين حقا وليس مدعيا فيهما ما يندى له الجبين:

  1. أن تونس صارت دولة بعد أن لم تكن وهو معنى كونها حرة ومستقلة مقومي السيادة تعريضا بما كانت عليه وتأكيدا لما حققته الحركة الوطنية التي لا يفهمها من لم يشارك فيها حتى في مرحلتها المتأخرة لما أصبحت تسعى للتحرر من الاستبداد والفساد.
  2. وأن هذه الدولة التي صارت سيدة بعد أن كانت فاقدة للسيادة تحت الاستعمار المتنكر في الحماية استعادت رمزي السيادة الروحية والثقافية اللذين كانا مهددين بتغيير هويتها التي هي عين هوية تونس.
  3. فقد كانت مهددة بتغيير دينها الإسلامي بالمؤتمر الإفخارستي ورمزه قبالة قصر قرطاج والذي ما يزال أضخم معلم ديني في تونس لأن كل المعالم الإسلامية ما تزال مستقزمة من الأقزام الذين استقزموها لأنها ما تزال محمية لم تحقق هذه الأهداف.
  4. وكانت مهددة بتغيير لغتها التي بعض الأدعياء يزعمون أنهم قرأوا كل كتب ماكغون وكل ما قرأه ماكغون ويكبون على كتفيه تعبيرا عن الولاء للحامي.
  5. ويترتب على ذلك أنهم بترديد خرافات محمد الشرفي في تجفيف المنابع والزعم بأن الضمير في دينها ولغتها لا يحيل إلى الدولة بل إلى تونس يعنون أنهم لا يرون مانعا بل ويعملون على:
    – أن تكون الدولة التي لا دين لها ولا لغة لها.
    – وأن تصبح شيعية أو حتى مسيحية وفرنسية كما يتمنى كل الصبايحية والحركيين وتثبته تردداتهم على فرنسا وعشقهم لجنسيتها.

ولأمر الآن إلى المسألة في عمومها متجاوزا الحالة العينية.
فكل من له دراية بتاريخ تكوّن الدول -ولنكتف بما بقي للإنسانية منه آثارا مكتوبة ومرسومة في التراث المادي أعني مصر وبابل- يمكن أن يجيب عن السؤالين التاليين بوضوح:

  1. هل يوجد فرق بين الدولة من حيث هي نظام مؤسسات مجردة والقيمين الذين يشرفون عليها بوصفهم نوابا للجماعة دون أن يكونوا أوصياء بينهم وبين شأنهم الدنيوي؟
  2. هل يوجد فرق بين الدين من حيث هو نظام مؤسسات مجردة والقيمين الذين يشرفون عليها بوصفهم نوابا للجماعة دون أن يكونوا وسطاء بينهم وبين شأنهم الأخروي؟

ولنأخذ الآن الدولة الحديثة التي تبنت دينيا وفلسفيا ثورتي الإسلام في طبيعة العلاقة بين الدولة والدين:

  1. بتحرير المؤمنين من الوساطة الكنسية وجعلت العلاقة مباشرة بين المؤمن وربه.
  2. وبتحرير المواطنين من الحكم بالحق الإلهي.

وذلك هو جوهر حركة الإصلاح في الديني في القرن السادس عشر وجوهر الإصلاح السياسي في القرن السابع عشر عند من له دراية بتاريخ الفكر الفلسفي والديني الأوروبي الحديث.

وفي ذلك دلالة:

  1. على تحرير الدولة من علاقتها بالدين وتحرير الدين من علاقته بالدولة أم إن الأمر اعمق.
  2. لأنه دال على تحرير الدولة والدين من سيطرة القيمين عليهما ليكون الإنسان حرا فعلا؟

صحيح أن فهم هذا الفرق يقتضي أن يكون المتلقي عاقلا لا يخلط بين الدولة والقيمين عليها وبين الدين والقيمين عليه:
فمن يعتبر نفسه هو الدولة لا يمكن أن يفهم هذا الفرق الدقيق.

لكن الدولة غير القيمين عليها.
والدين غير القيمين عليه لأن القيمين.
إنما هم في الحالتين نواب عمن تتعين في كيانه العضوي والروحي أبعاد السيادة الخمسة والتي هي جوهر الدولة وخدم عنده في المعنى القرآني للدولة وللدين ولعلاقتهما التي لا يفهمها الحمقى:

  1. إرادة الجماعة سياسيا وحريتها دينيا في مقابل العكس أي الخضوع لإرادة القيمين واستبدادهم.
  2. معرفة الجماعة علميا وحقيقتها دينيا في مقابل العكس أي الخضوع لتدجيل القيمين وبهامتهم.
  3. قدرة الجماعة ماديا وروحيا في مقابل العكس دينيا أي التحول إلى عالة على الغير كما في الدولة الحاضنة والمستبدة بالأرزاق.
  4. ذوق الجماعة الجمالي والروحي في مقابل العكس دينيا أي التقليد البليد لفضلات ذوق المستعمر وعملائه من المفاخرين بكونهم مثقفين فرنسيين.
  5. رؤى الجماعة الوجودية دينيا وفلسفيا وعكسها في مقابل عبادة ما يسميه المستبدون نموذج المجتمع الحداثي المستورد الذي يحتفل بمن فسدت فيهم وفيهن معاني الإنسانية.

تلك هي الدولة التي لها دين ولغة في مقابل الدولة التي لا دين لها ولا لغة لأنها مثل كل عديمي الأصل لا هوية لها ولا كيان يستحق ما وصفه به بورقيبة صاحب البند الأول من الدستور:

  1. تونس لم تكن دولة.
  2. دولتها (تحت الاستعمار المتنكر في الحماية) لم تكن حرة.
  3. ودولتها لم تكن مستقلة (لنفس العلة).
  4. وهي أصبحت دولة حرة روحيا لأن الحركة الوطنية حالت دون تهديد روحها أو دينها أي الإسلام.
  5. وهي أصبحت دولة مستقلة ثقافيا لأن الحركة الوطنية حالت دون تهديد ثقافتها أو لغتها العربية.

ولا ألوم من كان من البشر بلا عقل فيعتقدون أنه الدولة بلا دين. فلا يمكن أن يفهم من هب ودب مثل هذه المعاني التي يمكن لبورقيبة أن يبدعها ويخلدها في نص الدستور.

وأفهم جيدا أن يبتلى شعب بمن يتصور أن تونس شاذة إذ يوجد فيها من حمقى النخب ممن يتصورون بتفاقه سخيف أنه:

  1. يمكن للإنسان أن يبقى إنسانا من دون عقل ولغة.
  2. ويمكن للدولة أن تبقى دولة من دون دين ولغة.

والسلام

شاهد أيضاً

نصر أذربيجان دلالته الاستراتيجية جغرافيا وتاريخيا

أبو يعرب المرزوقي  حصل ما توقعته: تبادل أرضي وإن غير معلن بين أذربيجان وأرمينيا ما …

النهضة أو “عكاز” تونس الأخير

أبو يعرب المرزوقي  هذه محاولة أريد أن أبدي فيها رأيي في ما يجري في حزب …

اترك رد