الأربعاء , 28 أكتوبر 2020

الشمال الغربي: تراجع نوعية مياه الشرب، حق المواطن ومسؤولية الدولة

زهير بن يوسف 

التراجُع النوعي الملحوظ في مياه الشُّرب لونا وطعما في ولايات معروفة بعُذوبة مخزُونها المائي منها باجـة وجندوبة واستتباعات ذلك على المجالات الجغرافية المجاورة باعتبارها الخزّان الرئيسي الذي يزودها بالماء الصالح للشراب على غرار جزء من ولايتي منوبة وتونس منذ 1936 وهو ما تمظهر بشكل غير مسبوق مؤخرا في احتجاجات المرناقية وفرنانة ونفزة المطالبة بالحق في الماء، في غياب التّشخيصات الرسميّة، وعدم مصارحة المواطنين بواقع الوضع المائي في البلاد والبدائل المبرمجة لحل المشاكل الناجمة عنه يُشرّعُ للمواطن الحقّ في الذّهاب إلى أبعد التأويلات.

فالتراجع ملحوظ وبالاستتباع فالتلوث موجود، ونسبته تصل إلى 18 بالمائة في المجامع المائيّة بمعنى أنّ نصف مواطنينا على الأقلّ، وهم سُكّان الأرياف، يشربون ماءً تتجاوزُ نسبة التلوّث فيه نسبة التلوّث المسموح بها والمُقدّرة حسب وزارة الصحة بـ 5 بالمائة وتتصاعد النسبة متى علمنا أن هذا التلوث طال اليوم الوسط الحضري أيضا ولاسيما بعد ارتفاع منسوب الترسبات في السدود الرئيسية ومنها سد بني مطير وصعوبة جهر أحواضها مما انعكس على طاقة استيعابها وطاقة التزود منها.

1. مسؤولية الدولة ؟
مياه ذات خاصيّات فيزيوكيميائية مضمونة ومحفوظة ومُدققة عبر التحاليل المخبرية مسؤولية الدولـة، وينبغي أن تتحمّلهـا، ومن المفروض أن يدفع نوّاب الشعب مع عموم المُواطنين بهذا الاتجاه، وهم مدعوُّون، بحكم صفتهم النيابية تلك، إلى مطالبة الدولـة بتقديم توضيحات للرأي العام بهذا الصدد وتحت قبّة المجلس تحديدا؟
ومن صُلب هذه المسؤولية يجب أن يُجيب التشخيص الرّسمي الذي يطالب به الـــرأي العام عن:

  • أ. حدود مسؤولية السلط الجهوية في تعطل المشاريع المائية المبرمجة، وبالتالي حدود مسؤوليتها في إشكالية التزود بالمياه الصالحة للشراب في مناطق صارت ” كالعيس يقتلها الظمأ، والماء فوق ظهورها محمول،
  • ب. حدود مسؤولية الدولة في التغير الذي حصل في المياه المُعدّة للشرب:
    هل يدخل في إطار المقاييـس التي يظلّ بها الماء صالحا للشراب؟ وهل هو خاضع للمواصفات العالمية: لونا ومذاقا ؟ ونريد أن نعرف موقف رئيس قسم معالجة المياه بالمكتب الوطني للماء الصالح للشرب ؟ وما حقيقة علاقة هذا التغير بما يشاع حول انصباب مياه الصرف الصحي في بعض السدود وبالنتيجة اضطرار الجهات ذات الصلة إلى خلط مياه هذه السدود بمياه سدود أخرى مما أفرز هذا النتاج المائي المشكوك في سلامته.

2. الصوناد: موقف منقوص لا يبدد تخوفات المواطنين؟
موقف شركة التونسية لاستغلال وتوزيع المياه كان دائما موقفا تبريريا، كلام خشـبيّ منقوص، غير مُقنع، مُتناقض مع المعاينات الميدانية لخزّانات التصفية والمعالجة والتوزيع وشبكة الربط ولبعض الأودية التي تستقبل مياه الصرف الصحي وتنصب لاحقا في بعض السدود، وهذا موقف لا يبدد مخاوف المُواطنين، مؤداه أنّ:

  • الماء لم يتغيّر، ومذاقنا نحن جميعا هو الذي تغيّر، ولا ثمة طحالب في السّدود، ولا خزّانات بحاجة إلى الجهر.
  • ولا مراكز التحكّم في صبّ الجافال تحتاج إلى مُراقبة،
  • وليس ثمة تلوث بكتيريولوجي في بعض الخزّانات وفي شبكة الرّبط ولا تهرء في شبكة الربط،
  • ولا سدود سائبة عمليا ولا بد من تعزيزها بالموارد البشرية لإحكام مراقبتها،
  • ولا محطات بحاجة إلى الحماية.

هي فقط استتباعات الأشغال بحكم كثافة التدخلات في فصل الصيف؟ إي نعم ؟ وهب أن ذلك صحيح فالمسؤولية مسؤولية من؟ ومن يدفع فاتورة هذه الاستتباعات؟

3. مساءلة وزارة الصحة
إنّ مياه الشُّرب تخضعُ للمراقبة القانونية للسلطات الصّحية التي تأخذ في أيّ وقت وأيّ مكان عيّنات من المـاء لتحليلها وتتّصل بالجهة المعنيّة في حالة وجود خلل ما.
فإلى متى يستمر صمت وزارة الصحة على هذه المشكلة؟
لا نعتقد أنها بدورها بمنأى عن حقّ المُواطن في مُساءلتها أمام الاستشعار المتزايد لمخاطر نقص وتلوث الماء المُعدّ للشراب،،، إن السُّلطات الصحيّة بمقتضى الفصل 32 من الدستور مطالبة بإفادة الرأي العام عبر بلاغ رسمي بنتائج مراقبتها لمياه الشُّرب ولاسيما خلال الشهرين الأخيرين بما يجيب عن تخوفات المواطنين من تلوث بكتيريولوجي عالي الاحتمال.

4. مسؤولية المجتمع المدني
أمام تفصي الصوناد كعادتها من تحمل مسؤولياتها ومكاشفة المواطنين والمجتمع المدني بالإجابة على الأسئلة الجوهرية المتعلقة بحقهم المشروع في الصحة رغم اتساع دائرة التضرر، ورغم تعمق مساحة التأويلات وهو ما من شأنه أن يزيد في تغذية موجة الغضب لدى المجموع العام للمتساكنين على كامل الشمال الغربي فإن منظمات المجتمع المدني الوطنية على غرار رابطة حقوق الإنسان واتحاد الشغل واتحاد الصناعة والتجارة واتحاد الفلاحين وهيئة المحامين والدفاع عن المستهلك مدعوة من منطلق الدفاع عن الحقوق الأساسية للمواطن المضمونة بالقانون الدولي والتشريعات المحلّية، ومنها الحقّ في الصحّة، والحقّ في الماء، والحقّ في بيئة سليمة ومتوازنة، وهي الحقوق المضمونة بالفصول 38 و44 و45 من الدستور إلى رفع دعوى ضد الشركة المذكورة على غرار تلك التي سبق للرابطة أن تقدمت بها ضدها في أوت 2016 بمدينة باجة والمطالبة بتكليف خبراء مختصين وبالتالي محلّفين لمعاينة السدود وخزانات المياه ومحطات الضخ والوقوف على جميع الآليات الإدارية والتقنية المُعتمدة من قبل الصوناد في توزيع المياه بمختلف دوائر اختصاصها الترابي وعلى العلاقة السببية المُحتملة بين تغير طعم الماء ولونه والأشغال المتعلل بها على الدوام، وظاهرة خلط المياه المستجدة وآليات المراقبة والمعالجة من ناحية أخرى والوقوف من ثمة على الأسباب الحقيقية للتلوث المسجل في مياه الشرب والتناقص المتنامي فيها.

د. زهير بن يوسف

شاهد أيضاً

سلوان المطاع في عدوان الأتباع

زهير بن يوسف  السلوانة الأولى: “القوم في السر غير القوم في العلن” !!! السلوانة الثانية: …

أي تونس نريد ؟

زهير بن يوسف  1. “إيالة السلطان” أم “الوطن التونسي”؟: “إيالة تونس” أو “وجق تونس” أو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.