السبت , 28 نوفمبر 2020

في عيدهنّ المنشود

منجي الفرحاني 

كان أجدادنا من الفلاّڨة يعشقون تونس الوطن.. أمّا تونس المدينة فلم تكن بالنّسبة إلى كثير منهم أكثر من “قالّي وقتلك” و”بَلْدِيَّة” وسلطة مركزيّة وزحام وأمّك حوريّة…

•••

الإهداء: إلى غير النمطيّات من نساء بلادي في عيدهنّ المنشود…

لا شيء يعجب هذا الصّباح.. لا المارّة المسرعون إلى حتفهم المحتوم على الرّصيف ولا روّاد المقهى السّائلة همومهم على جدران المدينة البالية لولا شقوق السّنين التي تعكس قليلا من نور الشّمس فيما يشبه بقايا حلم تبخّر ولا أكياس الزّبالة الجاثمة على صدر المدينة التي تندب حظّها على آلاف من سنين الحضارة مرّت هباء منثورا وهي تنظر إلى غيرها من المدن التي ولدت بالأمس القريب تعانق عنان السّماء مدنيّة ونظافة وحريّة..
لم تعد تؤنس هذه المدينة كما قالوا عنها في عقود خلت..
كان أجدادنا من الفلاّڨة يعشقون تونس الوطن.. أمّا تونس المدينة فلم تكن بالنّسبة إلى كثير منهم أكثر من “قالّي وقتلك” و”بَلْدِيَّة” وسلطة مركزيّة وزحام وأمّك حوريّة…
حبّهم لتونس جعل الكثير منهم يسمّون بناتهم “تونس” وكذلك فعل المقاوم عبد الرّحمان البوزيديّ الذي مات مهمّشا في متاهات النّكران..
نظرت في قاع فنجاني فرأيت “تونس” تبكي حرقة.. اختلطت دموعها بالرّشفة فأدمت ما تبقّى لي من قلب موجوع الخواطر..
“نِكْلت في الحضيرة كلّ يوم باش نجيبلو حڨّ الدخّان والقهاوي و هو راڨد ما يهمّوا في شي.. الأولاد والدّار أنا قايمة بيهم..
يضربني كلّ يوم ويا ويلي كي نوخّر عليه بحڨّ الكريستال..
نهار روّحت جيعانة في حالة باش نموت بالشرّ.. طيّبت شويّة كسكسي وحطّيت باش نتعشّى وهو دخل كالعادة با ويضربني.. “ڨتلو: بجاه ربّي راني باش نموت بالشرّ.. نتعشّى بعد اضربني..”
دخل صديقي البهلول المشهد وهو يرّدد عبثا شعارات المساواة والتناصف والحضارة والكاهنة وعلّيسة وأريدو وألفة يوسف وسلوى الشرفي ونجلاء متاع الحصان والاستقلال واليسار واليمين والدّين ويغنّي “محلى الثّورة التّونسيّة ومحلا الرّبيع..”.
لم تفهم كلامه ولا لماذا يغنّي.. المسكينة لم تدخل مدرسة ولا تفهم لغة المجانين عندما يتحدّثون حديث العقل..
“راني مضحّية على خاطر ولادي وما نجّمتش نحرمهم من بوهم رغم الّي عملو فيّ الكلّ..”.

حدّثها عن راعية الأغنام التي لازالت تحتفظ براديو ورثته عن جدتها، تنصت إليه إذا غنى وتتجاهله إذا تكلم، أما أثناء نشرات الأخبار فتلتفت إلى كلب حراسة قطيعها وتقول له بين جد وهزل:
– استمع أنت إلى نشرتهم، قد تساعدك على تحديد مواقع الذئاب المتربصة، أما أنا فلم تعد تعنيني، هم لا يهتمون براعية أغنام في فلاة..

حدثها عن بائعة الورد التي تمسح قطرات دم أشواكها التي تسيل من يديها الشريفتين ثم كيف أهدت وردة يومها الأولى لعاشق بحث في جيوبه عن ثمنها ولم يجد إلا نسخا لشهادته العلمية وبطاقة هويته وتذكرة حافلة قديمة وصورة للمرحومة أمه التي ماتت قبل شهور لأنها لم تجد ثمن العلاج..

حدثها عن عاملة الفلاحة في حقول الطماطم تغني موالا حزينا عن زميلات لها قتلن في حادث سير مشؤوم عندما اصطدمت شاحنة تقلهن بشاحنة مهرب يحاول تمويخ دورية أمنية تنتظر نصيبها من حكولته ثم تمسح دموعها بطرف فولارتها وتسب الشمس التي لم ترحم ضعفها وأشرقت مطلقة لهبا زمهربرا ..

حدثها عن بنات المعمل المجاور سئمن تحرش السيد المسؤول ودفاع نقابته عنه وكيف خططن للانتقام منه فخدرنه وأشربنه خصيتيه بماء من مستنقع ماخور إعلامي مشهور ..

لم تفهمه رغم دموعها التي سبقته إلى الرصيف، فأهداها زهرة برية سرقها من بائعة الورد خلسة بعد أن أهداها كل الدنانير التي جمعها في يومه هذا، خو ينتحل صفة المتسول أحيانا ليساعد المحتاجين الرائعين في المدينة ثم غادر إلى حيث لا يدري..

أما أنا فقد رأيت قاع فنجاني يمتلأ نسوة جئن من كل فجّ عميق يتحدّثن عن ذَكَرٍ تونسيّ ابتلاهنّ به الله، غير مسؤول.. عديم الرّومنسيّة.. يركبهنّ ركوب البهائم..
قلت: ماذا عن الرّجال؟
قلن: إنّ الرّجل التونسيّ عظيم ولكنّه عملة نادرة في هذا الزّمان المليء ذكورا..
شربت الرّشفة الأخيرة فصمت النّسوة في فنجاني..
نظرت إلى المارّة في الرّصيف فلم أرى من يحملن ملامح “تونس” في ظاهرهنّ النمطيّ المتمدّن..
أمّا في باطن كلّ واحدة منهنّ فتسكن “تونس” مع مراعاة الفوارق في لون العنف..
أنا أقدّس تضحيتكنّ، غير أنّ القهوة في عيدكنّ مرّة..
أمّا حكاية “تونس” فليست من صنع الخيال..
اسألوا عنها صاحبة العيون العربيّة العسليّة في دمي…

من “في مقهى العبث” للمنجي الفرحاني

 

شاهد أيضاً

صديقي البهلول جنونه قد أخرج عن سياقه

منجي الفرحاني  في مكالمة على الواتساب أكد لي صديقي البهلول أن جنونه قد أخرج عن …

“قد يعتلي ظهر الجياد ذباب”

منجي الفرحاني  المقاهي في هولندا أغلقتها صاحبة التاج الشقية كورونا وأنا لا أدري هل ستحتفظ …

اترك رد