الخميس , 29 أكتوبر 2020

ما الملغز في المطالبة بحكومة الكفاءات ؟

أبو يعرب المرزوقي 

كلما حدقت في المطالبين بحكومة الكفاءات وجدتهم أقل الناس كفاءة.
وهذا أمر يبدو شديد المعقولية:
فهو قد يفيد بأن أصحاب هذه الدعوة يعترفون بأنهم ليسوا من ينبغي أن يسوس البلاد بل هم يريدون ترك الأمر لأهله.

فيكون أصحاب هذه الدعوة من ناكري الذات ورافضي الأنانية لأنهم يطلبون أن يؤهل بالأمر لأهله.
وهم أذن ناصحون للجماعة وليسوا طامعين في “الغنيمة” التي صارت من صفات جماعة معينة لم تغنم شيئا في كل تاريخ أقطار الإقليم لأنهم صاروا “الانتوشابل” فيه محليا وإقليميا ودوليا.

ومن ثم فتعريف الكفاءات بلغة هؤلاء الناصحين وهم من صنفين -جماعة الاتحادين وجماعة الحزيبين- ولهم رئيس هو رمز الكفاءة التي أتت بما ليس له سلف ولن يكون له خلف لفرط ما عرف به من عبقرية في تأويل القانون وفهم الإسلام وخاصة في النضال السياسي.

هذا المخمس السعيد هو الذي يدعو لحكومة الكفاءات.
لن أحسب بينهم من يعينه رئيس الكفاءات لأنه مغلوب على أمره.
كان من حظه أن له علاقة تبعية وجودية بمن عُيِّن ليُعيِّن وخاصة بعد أن أرضى سيده وكب على كتفيه وانضم إلى صفه في حربه على محاولات المسلمين استئناف دورهم وتحرير أقطارهم من “الحماية” التي تختلف عن الاستعمار والاحتلال.

والسؤال هو ما الذي جعل الأطراف التالية بالصفات المخربة لكل شروط قيام الدولة؟

  1. اتحاد العمال الذي خرب الاقتصاد الوطني بإفساد وظيفة العمل والذي لا تحرمه المافيات من حصته في نهب البلاد بالبطالة الخفية التي هي معنى توظيف ما يزيد عن حاجة المؤسسات بالمعيار الاقتصادي المحافظ على مؤسسات الإنتاج والخدمات.
  2. اتحاد أرباب الأعمال الذي خرب الاقتصاد بإفساد وظيفة ربوبية الأعمال ووظيفة المبادرة وهو مؤلف من مافيات هي ما يسمى بالدولة العميقة وهي في علاقة مباشرة بممثلي الاستعمار الفرنسي الذي يسيطر على كل ثروات تونس وسياستها الاقتصادية والثقافية والتربوية.
  3. حزب البراميل ومعه اليسار الذين لهم سلطان مباشر على اتحاد العمال وولاؤهم يتقاسمه توابع الملالي وتوابع فرنسا في آن ومن ثم فهم حلفاء الثورة المضادة العربية بصنفيها والتي تمول تدخلات الملالي وفرنسا في كل بلاد العرب وخاصة منذ الثورة إلى اليوم.
  4. حزب البسكلات ومعه حزب فرنسا من بقايا التجمع والنداء ولهم سلطان مباشر على أجهزة الدولة أمنا وجيشا وإدارة وهم من وجد في استعمال من تقدم أي 1 و2 و3 أو في العمل مع المافيات التي تحكم تونس منذ مرحلة ضعف النظام البورقيبي وخاصة منذ تغول نظام ابن علي.
  5. وكل هؤلاء وجدوا في تصعيد سعيد والسماح له بما يفعل أداة لأنهم يعتبرونه مرحلة مؤقتة تماما كما فعلوا مع السبسي للانقلاب عليه بعد أن يكون قد مهد لهم الطريق بتحقيق هدفيهما وهدفي الثورة المضادة في الإقليم ومن يستعملها من أعداء نهوض الأمة:
    1. الأول هو تحقيق ما عجز دونه السبسي أي استئصال الإسلام السياسي ولو بالطريقة المصرية.
    2. الثاني هو تحقيق ما عجزت دونه الثورة المضادة أي إلغاء رمزية المركز الصامد في تحقيق بدايات الانتقال الديموقراطي في الإقليم.

ولهذه العلة فالمعركة لم تعد معركة الانتقال الديموقراطي في تونس ولا معركة الإسلام السياسي فيها بل هي معركة حاولتُ من البداية تعريفها بكونها معركة الجمع بين التحرر (مطالب الثورة) وشرط شروطها أي استكمال ثورة التحرير.

وهو ما يعني أن المعركة أعادت الأمة إلى الحركة الوطنية الأولى التي شرعت في حرب التحرير شرطا لحرب التحرر.

فإذا عجزنا دون فهم ضرورة الجمع بين المعركتين فعلينا أن نعترف بأننا مقصرون مرتين:

1. أولا في فهم علة البعد الإقليمي لمعركة التحرر في بلدان الإقليم كلها وليس في تونس وحدها:
أي إن المعركة لا تقف عند الحدود التي فرضها الاستعمار منذ استضعاف المسلمين وذلك حتى قبل سقوط الخلافة الأخيرة.

وتجاوز هذا الحدود حصل مرتين:

  • رمزيا من قبل الثورة التي انتشرت فيه انتشار النار في الهشيم فتجاوزت حدود سايكس بيكو.
  • وماديا من قبل الثورة المضادة التي صارت حربا أهلية مسلحة في جل بلاد الربيع فتجاوزت حدود سايكس بيكو.

2. ثانيا في فهم علة البعد الدولي للحائل دون التحرر أعني عدم استكمال التحرير.
فالاستعمار غير المباشر أشد وأمر من الاستعمار المباشر الذي أوهم الكثير أن بلداننا في الإقليم استقلت وهي في الحقيقة صارت أشد تبعية مما كانت عليه في الاستعمار المباشر لأن كلفته أقل ولأن من يحكم بدلا منه هم عملاؤه من الصبايحية والحركيين.

  • والمعركة الحالية في تونس هي الوعي الرمزي لفهم العلة. فشباب تونس هم أول من نادى باستكمال التحرير وإزاحة فرنسا من السيطرة على اقتصاد تونس وثقافتها ومن ثم على سياستها.
    ولعل الرمز هو ثورة البترول والكامور أي إن ثورة الجنوب التونسي هي الرديف الأبعد غورا من ثورة الوسط التونسي.
  • ومن ثم فالسند الذي تحصل عليه الثورة المضادة من قبل القوى الاستعمارية ليس لوجه الله بل لأن فرنسا وإيران وروسيا وإسرائيل بإطلاق ونسبيا أمريكا جميعهم لم يعودوا يرون القضية محلية ولا حتى إقليمية بل هي عندهم قضية دولية تهم نظام العالم الجديد وصلته بمحاولات المسلمين استئناف دورهم في التاريخ الكوني.
  • وبهذا المعنى فإن الكلام على حكومة تكنوقراط وكفاءات يعني في الغالب من يكون معيار اختيارهم القبول بإحدى هتين الرؤيتين:
  • هم ممن ترضى عنهم هذه القوى الخمسة بمعنى كل من يتصف بالعمالة لواحدة منها ولا ترفضه الباقية لأنه عميل مزدوج ومتعدد الازدواج فيكون في آن في خدمة الغالب من هذه القوى الخمسة في إدارة دفة السياسة في بلاده.
  • أو في حالة عدم وجودهم -وهم متوفرون- أو للتمويه هم من الإداريين الذين يمكن أن يعتبروا عبيد من بيده السلطة أيا كان لأن وظيفة الإداري في الدول الحديثة هي تطبيق التعليمات والمساعدة على التلاعب بالقانون.
  • وليس للإداري كفاءة أخرى:
    هم أشبه في الفعل السياسي إداريا بفقهاء السلطان تبريريا.
    هؤلاء يطوعون الشرع وأولئك الضرع (ضرع الدولة لتبرير سرقات المافيات التي هي حرابة لأنها سرقة مسلحة بقوة الدولة).

ومرة أخرى أعود إلى ابن خلدون:
فقد ذكر في كلامه على الحرابة بأنها غير ممكنة من دون تواطؤ ما من السلطة السياسية
إما بالتقصير في وظيفة الأمن
أو بالمشاركة فيها وتقاسم المغنم مع المحاربين.

وبذلك يتبين أن هذه أيضا لم تفته.

ونحن في تونس جربنا كذبة الكفاءات مرتين بعد الثورة:
بعد إسقاط الترويكا
وقبل الانتخابات الأولى

  1. والأولى كانت في حكم السبسي الأول وإتيانه بأفسد كفاءات كلهم صاروا قيادات حزبية بعد الانتخابات ورأينا كفاءتهم التي لا يشق لها غبار لأنها لم تخلف غير الغبار.
  2. والثانية “كملت على مرمة تونس” فاستأنفت الاتفاقيات التي تمكن فرنسا من مواصلة السيطرة على ثورات تونس لأن الكفاءات كانوا من موظفي توتال الفرنسية وأصبح لهم حزب “يفوت بعبوسه نهار الريح” لما تقدم للناخبين.

ولما جرب المرحوم السبسي تحقيق التوازن مع حزب الإسلاميين ولجأ إلى اليسار والقوميين وكل من هب ودب من فضلات حزب الشابي والمرزوقي وابن جعفر حصل أمر عجب:
لم يكون حزب بل كون كوكتال مولوتوف تفرقع في وجهه.

وهؤلاء “الغبار” الحزبي هم من ينوون ركوب حمق قرطاج لتحقيق ما فشل فيه ابن علي وبورقيبة وبعدهما السبسي توهما أن المناخ الإقليمي والدولي يمكن أن يمدهم بالفرصة لاستعماله ثم إزاحته وإعادة عقارب الساعة كما يشتهون: يحسبون وحدهم ولن يفضل لهم.

ما يمكن أن يحصل وقد سميته “لبننة” تونس لا حاجة لانتظار حصوله لمعرفة النتيجة.
لبنان أمامكم:
ما كان يعتبر فترينة الحداثة العربية صار مزبلة إيران وفرنسا
والرمز حزب بقايا الباطنية وحزب بقايا الصليبية فيها.

لكن ما سيقع بإذن الله وعونه هو ما سيتحدد في معركة ليبيا وسوريا والأبيض المتوسط:
فهي المعركة التي ستمكن الأمة من استئناف تاريخها الكوني لأن هزيمة الثورة المضادة العربية بفرعيها التابع لإسرائيل والتابع لإيران وحماتهما أي روسيا وفرنسا خاصة وأداتهما أي مصر واليونان هي التي ستحسم الأمر في الإقليم كله
وفي تونس التي تحقق فيها شرط الجمع بين الثورتين:

  • ثورة التحرر التي بدأت في سيدي بوزيد.
  • استئناف ثورة التحرير التي بدأت في تطاوين.

والأولى في الوسط وعلى الحدود التونسية الجزائرية.
والثانية في الجنوب وعلى الحدود التونسية الليبية.
والمحادتان علامتان على تجاوز الحدود وليس على بقائها: الثورة اليوم تونسية جزائرية ليبية.

وهي من ثم بالحجم الذي يجعلها معبرة عن الإقليم كله بكل شعوبه دون اعتبار للفروق الإثنية لأن التاريخ واحد والثقافة واحدة والمصير واحد والعدو واحد:
وإذن فكل شروط العمل المشترك بين أبناء المغرب الكبير قد تحققت على الأرض.

وعندما يلتحم أهل الإقليم في الضفتين الجنوبية والشرقية من المتوسط سيصبح ندا لأهل الضفة الشمالية منه شرطا في التعاون الندي وتجاوز المرحة الاستعمارية المباشرة وغير المباشرة.
ذلك هو النصر الحتم.

شاهد أيضاً

الديمقراطية، شروط التحديثي والتأصيلي الكاريكاتورية

أبو يعرب المرزوقي  كلما سمعت “مثقفا” يدعي الحداثة يرهن أهلية الشعوب لقيادة نفسها سياسيا بما …

الإعلام: ما مشكله ؟ ولماذا يعسر علاجه ؟

أبو يعرب المرزوقي  ما فهمته من مشروع الإصلاح المقترح هو الإصلاح بإطلاق حرية المبادرة والاعتماد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.