السبت , 5 ديسمبر 2020

هل تكون الضّربة القاضية لبن سلمان ؟

فتحي الشوك 

مع الضّباب الكثيف الّذي أثاره حريق مرفأ بيروت وآثاره المزلزلة والمتوقّعة في لبنان وعموم المنطقة والّذي استحوذ على اهتمام الجميع يطلّ علينا نبأ لا يقلّ خطورة وأهمّية وله تبعاته الّتي ستحدّد مستقبل المملكة العربيّة السّعودية الّتي دخلت مرحلة الخطر الوجودي بسبب حماقات من يقودونها، إذ قام اللّواء الدكتور سعد الجبري مستشار وليّ العهد السّعودي السّابق محمّد بن نايف برفع دعوى قضائيّة لدى المحكمة الاتّحادية الأمريكية ضدّ وليّ العهد السّعودي محمّد بن سلمان ومسؤولين سعوديين آخرين متّهما إيّاهم بالضّلوع في محاولة اغتياله، ملفّ ثقيل بحجم القرائن الّتي يحتويها يضاف إلى ملفّات أخرى تحوّلت إلى عقبات قد تحول دون تحقّق حلم الأمير الشّاب المغامر، فهل بإمكان هذا الأخير تجاوز هذه العراقيل أم هي بداية النّهاية والقشّة الّتي ستقصم ظهر البعير؟

حماقات تتكرّر:
يعتبر الدّكتور اللّواء سعد الجبري الخبير في الذّكاء الاصطناعي أحد أهمّ أعمدة الاستخبارات السّعودية وصندوق أسرارها، صعد نجمه منذ 1999 ليعزل من منصبه كمستشار لولي العهد محمد بن نايف في أيلول 2015 بعد لقائه مدير المخابرات الأميركية السّابق “جون برينان” أثناء زيارة إلى واشنطن لم يكن محمّد بن سلمان على معرفة بها.
غادر الجبري السّعودية قبل مدّة قصيرة من انقلاب بن سلمان على وليّ العهد محمّد بن نايف في يونيو 2017 بعد استشعاره خطرا يتهدّد حياته ليتوجّه إلى الولايات المتّحدة الأميركية عبر ألمانيا ثمّ إلى كندا حيث يستقرّ حاليا.
نجا الجبري من خمس محاولات اعتقال ومحاولتي اغتيال، استهدفته الأول في مدينة بوسطن الأميركية سنة 2017 ليحاول بن سلمان مجدّدا تصفيته عبر إرسال فريق اغتيال “النّمر” إلى كندا أسبوعين بعد الجريمة البشعة الّتي ارتكبت في حقّ الصّحفي جمال خاشقجي في 2 تموز 2018، إذ حاول 50 عنصرا من فرقة حمايته الخاصّة دخول الأراضي الكندية بعد حصولهم على تأشيرات سياحية ليكتشف أمرهم بعد ادّعائهم بأنّهم لا يعرفون بعضهم البعض فتفضحهم الصّور الجماعية الموجودة في هواتفهم، فرقة الاغتيال هذه كان من بينهم كما في واقعة إسطنبول مختصّ في الطبّ الشّرعي بينما كانت حقائبهم تحتوي على أدوات لطمس الأدلّة الجنائية.
استنساخ كلّي للجريمة الشّنيعة الأولى ممّا يكشف محدودية القدرات الذّهنية لمن أمر ومن خطّط ومدى تأثّرهم بألعاب الفيديو إلى درجة تجعلهم يخلطون بين الواقع والعالم الافتراضي.
كان بن سلمان مهووسا بتعقّب الجبري واصطياده واستعمل في ذلك كلّ الوسائل من استدراج عبر أخيه خالد أو عبر جمعية مسك “الخيرية” وضغط عبر “الإنتربول” للقبض عليه وهو ما رفضته هذه الأخيرة لوجود دوافع سياسية وراء طلبه بل وصل به الأمر إلى حدّ تهديده مباشرة بالقتل إن لم يعد إلى السّعودية خلال 24 ساعة في رسالة موثّقة ضمّنها الجبري في دعواه.
كما استعمل أفراد عائلته رهائن باعتقال البعض منهم دون أن يفوّت الفرصة لاتّهامه وولي العهد السّابق بالفساد واختلاس المال العام ليكشف الجبري بالدّليل أنّ من كان يفعل ذلك هو الملك سلمان نفسه باقتطاعه لـ31 مليون ريال شهريا من صندوق مكافحة الإرهاب الّذي أنشأه الملك الرّاحل عبد الله.
لم يدر بخلد المراهق الأرعن المتنطّع في أنّه يواجه دكتورا مختصّا في الذّكاء الاصطناعي.

أهو الغباء المفرط؟ أم طيش مراهق مدلّل تعوّد على الحصول على ما يبغيه وارتكاب الحماقات دون رادع ؟ أم هي النّتيجة المباشرة للإدمان على المخدّرات وألعاب الفيديو؟ أم هو الجهل المركّب والّذي من أعراضه استخراج فتوى تبيح قتل غريمه؟
أم تراها مؤامرة خارجية بأدوات تنفيذ من الدّاخل، تستهدف السّعودية لإنهاكها وتفكيكها في إطار الفوضى الخلّاقة وإعادة تقسيم العالم؟

هل تكون الضّربة القاضية؟
تتضمّن الدّعوى القضائية الّتي رفعها الدكتور الجبري المكوّنة من 107 صفحة اتّهامات خطيرة ومباشرة لوليّ العهد السّعودي محمد بن سلمان ولأبرز مساعديه مثل سعود القحطاني ويحيى العسيري وبدر العساكر وقبول الدّعوى لدى المحكمة الاتّحادية يعني رفع الغطاء الّذي كان يوفّره الرّئيس ترامب وصهره كوشنير لبن سلمان لكي يتمادى في حماقاته الّتي لم يعد أيّ كان بمقدوره تحمّلها ولن تجد بعد الآن عاقلا يدافع عن زعيم عصابة أحمق.
يقول السّناتور الأميركي الديمقراطي “باتريك ليهي”: “الحقائق الّتي يرفعها الجبري في دعواه مرعبة وهي توضّح ميل بن سلمان لارتكاب أبشع الجرائم ضدّ منتقديه”.
ويضيف: “لولا ذكاء حرس الحدود الكندي لكان الجبري قد قتل وقطّع إربا وتمّ التخلّص من أشلائه”.
أمّا عضو لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النّواب الأميركي الديمقراطي “توم مالينوفسكي” فيقول: “المزاعم بوجود فريق اغتيال أرسل للتخلّص من الجبري تتمتّع بمصداقية”.
لتدخل الخارجيّة الأميركية على الخطّ وتصرّح بأنّ الجبري شريك موثوق به واضطهاد عائلته غير مقبول.
يعتبر اعتلاء بن سلمان عرش المملكة مصلحة شخصية خاصّة للرّئيس ترامب وهي تتعارض مع المصالح الأميركية العليا وقد يضطرّ ترامب المقامر على أن يغيّر رهانه على جواد خاسر كثرت كبواته هذا إذا نجح في الاستحقاق الرّئاسي القادم وهو مستبعد إن لم يكن مستحيلا.

وبالعودة إلى سمات شخصية بن سلمان السيكوباثية المعقّدة فمن الصّعب تخيّل أنّه سيستسلم طواعية وبسهولة وهو يرى حلمه يتبخّر أمام عينيه ومن المتوقّع أن يصعّد ويهرب إلى الأمام كما يفعل الطّغاة السّيكوباثيون دائما ولنا في نيرون وايفان أمثلة في الماضي والقذّافي وبشّار والسّيسي نسخا لها في الحاضر.
لا أحد بإمكانه التكهّن بما سيحدث خلال الفترة القادمة، اشتداد الأزمة الدّاخلية وتصديرها واستنزاف لمقدّرات المملكة عبر خوض مغامرات عبثية وعبر ابتزازها ومزيد من التطبيع مع الكيان الصّهيوني وارتهان قرارها الّذي يطبخ في غرف المؤامرات المظلمة ممّا سيعجّل بما يخطّط لها من تفكّك واندثار، أو صحوة حقيقية تستشعر الأخطار وتعدّل المسار لتنقذ ما يمكن إنقاذه و تكبح سرعة السّقوط والانحدار.
و قد تكون خطوة الجبري بالمواجهة الصّفرية مع بن سلمان معطى جديد قد يغيّر المعادلة وبارقة أمل للخروج من عنق الزّّجاجة وتفادي السّقوط المدوّي الّذي ستطال ارتداداته الجميع وهي فرصة لحكماء المملكة السّعودية لإعادة ترتيب البيت من جديد ليتولّى القيادة من هو الأجدر والأقدر لكي تسترجع المملكة وزنها واتّزانها وتلعب دورها المحوري الجامع المعدّل والمؤثّر.
بان بالكاشف بأن لا وجود للمملكة مستقبلا بوجود بن سلمان على عرشها، هما متضادّان ينفي أحدهما الآخر.
د.محمد فتحي الشوك

شاهد أيضاً

ماذا وراء استهدافهم لفرع الاتّحاد العالمي لعلماء المسلمين بتونس ؟

فتحي الشوك  رفضت المحكمة الابتدائية بتونس العاصمة الدّعوى الاستعجالية الّتي تقدّم بها “الحزب الحرّ الدّستوري” …

اللّهمّ نيزكنا !

فتحي الشوك  لا تيأس ولا تجعل الإحباط يسقطك ويتمكّن منك حتّى وإن كنت خمسينيا مربّعا …

اترك رد