الجمعة , 27 نوفمبر 2020

نحن من سلالة لا تموت..

علي بن مكشر 

صباحكم كما تشتهون :
اليوم اعلنوا بداية الكانيكيل ويعنون به موجة حرارة فوق العادة. هنا في باريس، ليسوا مثلنا، إنهم يهولون كل شيء، حتى الشمس التي يعشقون، يلعنونها إذا احمرت قليلا. صحيح أن جلودهم طرية، ولحومهم ليست كالتي تكسو عظامنا، لكنهم يبالغون… في القرية النائية البعيدة، على تخوم الصحراء، وفي أوسو، يعتقد أهلي هناك، أن علاج الروماتيزم هو الرمضاء، كيف أفسر لكم هذه، وكيف ستفهمون أن لظى الرمال الناعمة يستحيل ملالا عند التاسعة صباحا؟ كيف بإمكانك أن تتخيل أن رجلا من لحم ودم يدفن نفسه في تخوم الرمل ساعات، بدرجة حرارة تفوق الستين مئوية، ثم يقوم كأن شيئا لم يكن؟ بعد تلك الساعات يقوم من تحت الرماد، الذي تحول إلى ثرى، من كثرة تعرق البدن.

هنا، يفرحون بالصيف، لكنهم أيضا يبالغون في الفرح، فيتحررون من اللباس إلا قليلاً، وعندما يرون عربية لم يأت الصيف على ملبسها فيقضمه، يتهامسون: يا إلاهي، كيف تحتمل ذلك السجن في هذا الحر.. وتقول في تقاطع النظرات: غدا يأتي الشتاء، و يتساوى الكل في هذا.

نحن الذين أعجزوا الشمس، ولم يفنهم صهد الشهيلي، يحدثوننا عن الكانيكيل.. الأمر أشبه بالنكتة، ولكن هل هم أصلاً يشعرون بوجودنا؟ هنا أنا أبالغ، فغريب الدار، يظن نفسه في الحسبة وما هو كذلك.
يساورني حلم غرائبي، أحياناً، أن أمشي حافيا فوق الأسفلت، واعتقد انه سيشتكي مني، وربما ينطق: ارحمني أيها الخشن… يا آكل الجراد.
نحن من سلالة لا تموت.. شعوب عندما يأتيها الفرج تخاف.. أي نعم تخاف.. ليس طبيعيا أن يستمر فيها الفرح.. أحياناً، وعندما تشف روحي في الصباح، أدع الله قائلا: يا رب، عدي النهار على خير.. فإذا دخلت الفيسبوك ووجدت أن الوضع هادئ خلال يوم أو يومين، يعتصرني قلبي: ذلك الهدوء الذي يسبق كارثة.. وهذا الشعور، هو بالضبط، ما كان قبل خراب بيروت بيوم واحد… هؤلاء، مشكلتهم كانيكيل ههههههه تخيل؟ هذا الكانيكيل هو الهواء العليل عندنا… أو فقط يذكرني بالصيف الحقيقي، عندما كنا أطفالا نتسلل للبساتين لنسرق التين والبطيخ، وشيئا من العنب.. نسرق العم والجار والجار الجنب والصاحب بالجنب، بكل حرية وديمقراطية.. لا فرق بين قريب وبعيد في تلك القوائل المهيبة.. الآن ظهر جيل جديد، لا يعرف تلك الأمجاد التي خلدها لنا تاريخ الطفولة، إنه جيل لا يهتم للفاكهة، ولا للذة المغامرة البكر. حتى البساتين لم تعد مسيجة، ولقد رأيت الرمان بعيني قد فسد على أغصانه ولا احد يعيره اهتماما، وكذلك التين والعنب وكثير من جنات وطعام للمقوينا.
أيتها الشمس، خففي الوطء قليلا، وخذيني لبلادي، واحفظي عني سوادي، فأنت وأنا في هذه الدار سواء، غرباء…

شاهد أيضاً

هل انتهى (الإسلام السياسي) 

علي بن مكشر  هناك مغالطة في العنوان، لأنه يقترض أن هناك إسلاما سياسياً وإسلاما آخر… …

وجها لوجه مع رسول الشيطان

علي بن مكشر  كنت ذات مرة، في مكان بعيد عن العاصمة أبيدجان، المسافة بيني وبينها …

اترك رد