الخميس , 29 أكتوبر 2020

الديمقراطية المعتلة ومخاطر النكوص الديمقراطي في تونس

مهدي مبروك 

تمرّ تونس بأزمة سياسية حادّة، لا تلوح مؤشرات الخروج منها في الأفق القريب. استهلكت البلاد، في أقل من عقد، جميع فصول الدستور وأكثر الاحتمالات غرابة، ما تركْنا فرضية أشار إليها، إلا وجئنا عليها، لم يكن أحد ليتخيل أن تتعاقب الحكومات بمثل هذه السرعة، وأنْ يسقط البرلمان حكومتين في أقل من نصف سنة. كما لم يدر في خلدنا أن نظام الحكم الذي نص عليه الدستور، ويجعل البرلمان سيد الموقف في تعيين رئيس الحكومة وفق ما تمليه نتائج الانتخابات وأوزان الفائزين، ينزاح ويتنازل صاغراً تحت سقف الدستور ذاته إلى “حكومة الرئيس”. وفي هذه الحالة بالذات، نحن حالياً أمام حكومة الرئيس قيس سعيد، بعيداً عن أي استعارة أو مجاز. الرئيس سعيد، بملامحه ومناخاته ومزاجه ورؤيته، يعين رئيس الحكومة، ليتحوّل عملياً ساكن القصبة (مقر رئاسة الحكومة) إلى وزير أول، كما في الأنظمة الرئاسوية، يصغي إلى تعليماته ويطبق حرفياً أوامره.. هذه الاحتمالات الضعيفة التي صاغها خيال صانعي الدستور تجنباً لحالات فراغٍ قصوى متوقعة تحولت واقعاً يُفصح عما في مشهدنا السياسي من أمثلةٍ شديدة الغرابة.

يحدث ذلك كله والحمد لله، إلى الآن، تحت سقف الدستور، ولكن ضمن سياق شديد الخصوصية، ففي غياب المحكمة الدستورية، احتكر رئيس الجمهورية تقريباً سلطة تأويل الدستور، وهو الذي قال مرة إن الدستور الحقيقي هو الذي كتبه الشباب على الجدران.. تجنبت البلاد العنف والاحتكام إلى القوة واستعراضها في الشوارع والساحات، كما حدث ذلك في حالات سابقة شهدتها البلاد خلال هذا العقد.

لا يؤمن الرئيس قيس سعيد بالأحزاب، بل يعتبرها عبئاً على البلاد. ولذا، تعامل معها بكل تعالٍ، ولم يخلُ ذلك من ازدراءٍ أحياناً. لم يجتمع بها، ولو مرة واحدة، في أمر تشكيل الحكومة، أو غيرها، بل طلب منها، حين احتاجها، كما نص الدستور، أن تراسله كتابياً بشأن مقترحاتها. المناكفات السياسية والبراغماتية السافرة للأحزاب، علاوة على عنف خطابها ومناوراتها التي لا تنتهي، والنهم على مفاصل الدولة، عوامل يسّرت على الرئيس مهمته، وهو الذي نعتها مرّة بأنها أدوية فقدت صلاحيتها. يعتقد قيس سعيد نظريا أن الأحزاب أفسدت الحياة السياسية والديمقراطية معا. وها هي تقيم الحجة على “صواب” رؤيته: تحوّل مجلس النواب (البرلمان) إلى حلبة للعنف والفوضى، يُحدث بعضهم ذلك نكايةً في رئيس المجلس، راشد الغنوشي، لأنه زعيم حركة النهضة، حتى وصلنا إلى صور غريبة وعبثية، تحالفت فيها موضوعياً قوى الثورة مع رمز الفاشية والاستبداد، فقد التقت حركة الشعب وحزب التيار الديمقراطي مع عبير موسي (الحزب الدستوري) في عدة مواقف ومبادرات ومشاريع، منها لائحة سحب الثقة من الغنوشي، تصنيف حركة النهضة إرهابية.. هذه أيضاً فرضيات غريبة وصلنا إليها، ولم تكن واردة أصلاً إلا على شاكلة كوابيس، فإذا بها حقيقة تنقلها التلفزة على الهواء مباشرة، ستظل مشاهد التصويت والتوقيع على الورقة في حالة سحب الثقة من الغنوشي ماثلةً زمناً طويلاً أمام الفرقاء، تحفر في جرحٍ لن يندمل قريباً.

ادعاء احتكار الحقيقة ونفي الآخر وبناء التحالفات على أساس إنهاك الخصم وإذلاله والاستفراد بقيادة سفينةٍ، هي في الأصل متهالكة، على نحو غيّب مصلحة الناس، وتحديداً البسطاء منهم الذين اكتووا بنار البطالة وغلاء الأسعار وتردّي الخدمات، دفعتهم إلى النقمة على الطبقة السياسية كلها، أحزاباً ونخباً، حكّاماً ومعارضة، وهم يقفون على سخافة صراعاتهم العبثية التي ملأت عليهم حياتهم، حتى عاد النقاش السياسي ثرثرةً مزعجة ومقرفة..

تعجز النخب السياسية ومؤسسات الدولة عن احتواء كل هذا الطوفان السياسي المدمر. لم يسلم القضاء من شكوك حياده، وقد استضعفه بعضهم بحصانة أبدية. كما لم ينجُ من اتهامات بتوظيفٍ ما لفائدة جهات متنفذة. الأمن بدوره تحت بلطجة بعض نقاباته عمق مشاعر فقدان الثقة بالدولة ومؤسساتها. التلاعب بالأرشيف الحكومي في القضايا الأكثر خطورة، باختفاء وثائق وتسريبها، إفشاء معطيات وأسرار، وربما بيعها، حالة دالة على “خوصصة الدولة”، والمتاجرة بها في مزادات علنية. حرب الملفات المستعرة هذه الأيام بين جل الفرقاء، وجعل السيف مسلطاً على رقاب الجميع، وتحويل الحقل السياسي ساحةً ملغمةً، قد تدمر السياسة قريباً.

ربما يتحدّث بعضهم حالياً عن موت السياسة في تونس، وفي هذا مبالغةٌ قد يستفيد منها خصوم الديمقراطية في البلاد. لقد وقفنا، في الأيام الأخيرة، على دعوات صريحة، وبصوت مرتفع، نطالب بالمستبد العادل، خصوصاً وبعضهم يرى الرئيس، وهو يتشبه، كما ذكر مرّات عدة، بـ”الفاروق عمر”، الخليفة العادل الذي يحتاج حتى يكون منقذاً لنا من هذا الوضع الكارثي، إلى جرعة زائدة من الاستبداد وقبضة حديدية، تعيد ترتيب الأشياء وإلزام الجميع أمكنتهم ومكاناتهم. وليست هذه هي الوصفة الناجعة للتخلص من علل الديمقراطية التونسية التي تبرأ بعضهم منها، وتشفّى منها آخرون، وقد تردت إلى هذه الدرجة من الفوضى والعبث. لا يمكن بناء ديمقراطية من دون ديمقراطيين، ولا أعتقد أن تونس تحتاج إلى استبداد ناعم، حتى تجتاز معضلاتها العديدة.

كان ممكناً أن يلعب رئيس الجمهورية دوراً مهماً، وهو الذي له من الرصيد الأخلاقي والرمزي ما يهيئه لذلك. ولكن يبدو أنه موضوعياً ينشد ضمنياً مناخاً تتعفن فيه الديمقراطية، وتترذل فيه الأحزاب، حتى يبدو المخلص الوحيد لها. شعبويته التي أفصحت للجميع تقريباً عن ملامحها تقتضي ذلك. سلوكات النخب الحزبية، والقيم التي يقف عليها المواطن، وهو يشاهد التلفزيون، أو يطلع على مواقع التواصل الاجتماعي، وما يكتبه أنصار الأحزاب، طبعت لدى الناس صوراً سلبية عن النخبة الحزبية. وفي الأيام القليلة المقبلة، وفي هذه المناخات، تستقبل تونس حكومة الرئيس، والأرجح أن تكون حكومة تكنوقراط، لا وزن حقيقياً للأحزاب فيها، ولا لون سياسياً بارزاً لها. وقد يعمد رئيس الحكومة المكلف، هشام المشيشي، عند الاقتضاء ودرءاً للصعوبات المتوقعة، إلى تعيين وزراء متحزبين بشكل محدود جداً. ومع رغبة الجميع أن تكون حلّاً لمعضلات البلاد، فإن الحكومة ما لم ترافقها حزمة من الإصلاحات الضرورية لن تعمر طويلاً: تعديل الدستور، تنقيح القانون الانتخابي، تخليق الحياة السياسية، وبناء تحالفات واسعة على قاعدة برامج ومبادئ تكون في شكل عقد سياسي أخلاقي وثقافي.

العربي الجديد

شاهد أيضاً

هل يحتاج الأمنيون قانوناً يحميهم ؟

مهدي مبروك  على وقع هتافات المحتجّين في تونس على مشروع قانون “حماية الأمنيين وأعوان الديوانة” …

الهجرة السرية مؤامرة تحاك ضد السيد الرئيس ؟

مهدي مبروك  هذا تقريبا ما ورد في تصريحات السيد رئيس الجمهورية على اثر زيارته يوم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.