السبت , 28 نوفمبر 2020

وشاة الطغاة خاصية جوعى النخب العراة

أبو يعرب المرزوقي 

لن أعود لما سبق أن أثبته حول استحالة تصور أي دين فضلا عن الإسلام قابلا للفصل عن رعاية الشأن العام حتى لو حصرناه في أثره التربوي غير المباشر بصرف النظر عن ممارسة العبادات التي يتميز بها.

ولن أعود إلى استفحال هذه القضية عند من يخلطون بين الدين وتوظيفاته لأنهم يتغافلون عن الفلسفة وتوظيفاتها لتبرير التحريف الذي يطرأ على الفعل السياسي دون أن يكون للدين فيه دور.

فمن يدعي توظيف الدين ضد قيم يعتبرها من جوهر حقوق الإنسان يوهم نفسه وغيره بأن الفلسفة ليست موظفة لحصر حقوق الإنسان في ما يدافعون عنه منها وإهمال قيم وحقوق لعلها أسمى منها.

فلا يوجد باحث نزيه ينكر أن توظيف الماركسية مثلا قد جعل أهم حقوق الإنسان التي تدعي الدفاع عنها باسم الإنسان وحرياته فاقت جرائمه ومآسيه ما يحصل في توظيف الدين: فالحزب صار أفسد من الكنيسة والحكم باسم البروليتاريا صار أفسد من الحكم باسم الحق الإلهي في الثيوقراطيا.

ومن ثم فمهما فعلت الثيوقراطيا “الظلامية” فهي تبقى دون الانثروبوقراطيا “التنويرية” وحشية. والغريب أن كل المعادين للإسلام السياسي السني محالفون للإسلام السياسي الشيعي وبل حتى لليهودية والبوذية دين الطبقات الثابتة في الهند: وكلها علاقة سياسة بدين.

وكل من له دراية بالأدبيات السياسة الإسلامية السنية يعلم أنها لا تقول بالثيوقراطيا ولست بحاجة إلى أكثر من شهادة الغزالي وابن تيمية وابن خلدون لأنه يعسر أن يوجد من ينفي عنهم العلم بطبيعة العلاقة بين السياسي والديني في الإسلام.

لذلك فلا بد من تفسير لشبه الأجماع بين نخب الإقليم عربية كانت أو تركية أو كردية أو أمازيغية من جماعات إسلامية أو مسيحية أو حتى “كرنكاتية” على محاربة الإسلام السياسي السني حصرا ومن ثم التحالف الصريح مع الإسلاموفوبيا من عتاة ا ليمين الغربي.

ولا يعنيني من هؤلاء إلى النخب العربية. فلا يمكن أن يكونوا كلهم على خطأ أو لا يمكن أن يكون خطؤهم غير معلول بما يجعله يبدو لهم صوابا على الأقل بالنسبة إلى من يعسر أن يكون موقفه دالا على سوء نية بوعي وقصد وكأنه يجرم بسابق ترصد.

توجد حلقات مفقودة في تسلسل علل هذه المواقف تحتاج إلى استرجاع لفهم المشهد وهي موجودة عند الإسلاميين أولا وعند أعدائهم ثانيا. ولما كانت الحلقات المفقودة عند طرفي النزاع فلا بد من البدء بتحديد نوعي الطرفين لأن كلا منهما مضاعف مع التضايف بين مواقف الطرفين:

  1. الإسلامي وكيف يفهم علاقة السياسي بالديني.
  2. الاسلاموفوبي وكيف يفهم هذا الفهم بالقياس إليه.

1. الإسلامي الذي يفعل:
كيف انتقل فهم المسلم لعلاقة السياسة بالدين من التعليل الصريح بـ”جئنا لنحرركم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد” أولا إلى التعليل الضمني بـ”جئنا لنعوض استعباد سابق باستعباد لاحق” ثانيا. وتلكما هما مرحلتا علاقة المسلمين بالعالم في الفتح الذي تحول في الغاية إلى غزو.

2. الإسلامي الذي يرد الفعل:
ثم كيف انتقل فهم المسلم لموقفه من الفعل فاتحا أو غازيا إلى رد الفعل بعد أن صار مفتوحا ومغزوا وأصبح للدين دور في حماية الذات والأرض والعرض بقيم الإسلام أولا ثم بقيم أعدائه ثانيا. ومعنى ذلك أن التوحش طارئ وعرضي في المقاومة وليس هو من جوهرها.

لا احتاج لتفسير المرحلتين الأولين من هذين الموقفين الفاعل وراد الفعل لأنهما من المعلوم التاريخي. والكلام عليهما لا يؤدي إلى اتهام المتكلم بكونه يلجأ إلى نظرية المؤامرة. لأن هذه النظرية حديثة ولم تكن من أدوات التبرير قبل الاستعمار الحديث.

لكن المرحلتين الأخيرتين منهما يمكن أن يعتبر الكلام عليهما وكأنه قول بنظرية المؤامرة رغم أن ظاهرة أفغانستان وتوظيف أمريكا ومستعمرتها السعودية للجهاديين في مقاومة الماركسية ظاهرة لا ينفيها إلا معاند: وقد اعترف صاحب المنشار بذلك وأمريكا لم تخفه.

فكل ما سمي إرهابا لاحقا هو من ثمرات هذا النوع من توظيف الإسلام السياسي الذي استعمله توظيف الإيديولوجيات الغربية السياسي والأيديولوجيات التي تبنتها حركات إسلامية بعضها صادق في مقاصده لتصوره المقاومة رد فعل محاك.

لكنه صار من أدوات المخابرات لتشويه المقاومة أولا ولتحريك رد فعل في شعوب الغرب ثانيا ضد من يصورونه على أنه همجية إسلامية. والعلة هي أن الإسلام صار العدو البديل من السوفيات بعد سقوطهم.

ولست أنا الذي سمى الإسلام عدوا للغرب بل هو الذي اعتبره العدو البديل بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. وكل الكلام على صدام الحضارات تبن صريح لنظرية هيجل في صدام أرواح الشعوب ولكن بعد أن تبين أن الإسلام عاد إلى التاريخي بخلاف توقعه. وبزخم مخيف لأعداء حضارته.

وإذن فالجهاد بغير قيم الإسلام دخيل ومر بمرحلتين:

الأولى توظيف أمريكا وأوروبا للجهاد في أفغانستان (أمريكا والوهابية السعودية) وفي إيران (أمريكا وفرنسا والملالية الإيرانية).

والثانية هي توظيف المخابرات الأمريكية والسعودية والمخابرات الإيرانية والروسية للمقاومة السنية التي تحقق أهدافهما وتتباها بسبب غباء قياداتها.

ولا استبعد أن كل النخب التي ليس لها دوافع شخصية لمعاداة الإسلاميين هم على حسن نية ولعلم ممن انطلت عليهم هذه الخدع. والانخداع قد يشفع لهم ما اتسمت به مواقفهم من عداء جعلهم اسلاموفوبيين منفعلين للجهل بما ورائها من توظيف الاستعلامات المشتركة بين المستعمر وعملائه في الإقليم.

لذلك فالكلام ليس مع هؤلاء بل مع المعادين مبدئيا للإسلام السياسي. وذلك من وجهين:

  1. موقف من علاقة الدين بالسياسة عامة وهو دليل سذاجة فلسفية وحمق عقلي.
  2. موقف من علاقة الإسلام من السياسة خاصة وهو دليل عداوة عقدية.

والموقف الأول مخادع. فالقصد ليس الدين عامة بل الدين الوضعي لأنه لا توجد سياسة من دون قيم متعالية على النزوات وتنسب إما إلى دين وضعي أو إلى دين طبيعي. ومن ثم فلا يمكن الفصل بين الديني والسياسي حتى بالنسبة إلى الملحدين من العلمانيين.

فكل الفلسفات لها دين طبيعي من أرسطو إلى كنط ناهيك عن هيجل إيجابا وماركس سلبا مرورا بالفارابي وابن رشد بمن في ذلك القائلون بوحدة الوجود سواء كانت ناسوتية مثل ابن عربي أو طبعانية مثل سبينوزا وهو معنى الطبعية الطابعة.

أما الموقف الثاني فهو “دو موفاز فوا=عن سوء نية وبقصد” أي إن أصحابه يصبون جام غضبهم على الإسلام ولا رأي لهم يعلنونه خوفا أو طمعا في الدينين المنزلين الآخرين أي اليهودية والمسيحية والتشيع الذي لا علاقة له بالإسلام.

ولأشرح ذلك بسرعة: فهو يعيد الوساطة الروحية (كنسية) والوصاية السياسة (حق الهي في الحكم). فيكون مثل المسيحية سواء كانت كاثوليكية أو أرثوذكسية. وهو يقول بالأسرة المختارة فيكون مثل اليهودية لأن بقية الناس عنه “جوهيم” أي عبيد لشعب مختار: يكفي شاهدا ما يحصل في العراق وسوريا ولبنان واليمن.

وهنا يبرز أصل الداء: ما الذي يجعل نخب الإقليم التي تدعي العلمانية سواء مع التصريح بالإلحاد أو بإخفائه لا ترى العيب إلا في الإسلام وتتحالف مع أعدائه الذين للعلاقة بين الدين والسياسة عندهم أكثر بروزا منها عند السنة؟

لماذا لا يعتبرون ما تفعله المسيحية واليهودية في العالم -لن أتكلم عن أديان الشرق الأقصى لأنها طبيعية وليست منزلة- إرهابا خاصة وهو عدوان على المسلمين المستضعفين في حين أن مقاومة السنة هي لرد العدوان على أرضهم وعرضهم؟

واضح أن العلة ليست لكونه دينا بل لكونه مقاوما لسادتهم الذين يريدونه ينكص إلى الاستسلام الصوفي فيصبح الشعب المقاوم دراويش مثل الهنود الحمر أو إلى التوظيف الوهابي والشيعي. علة الاسلاموفوبيا ليس لأن الإسلام دين بل لأنه دين مقاوم وبديل ممكن من ا لعولمة المتوحشة.

وإذن فكل نخب الإقليم في موقفها الاسلاموفوبي يعرفون أنفسهم بكونهم خدم عند أسيادهم الغربيين إما مباشرة أو بتوسط عمالتهم لعملائه من الحكام وأصحاب النفود المالي من مافيات الإقليم.

الحرب ليست على الديني من حيث هو ديني بل عليه لعلتين:

  1. لرفضه أن يكون أداة للمستعمر وعملائه كما حصل في استعمال الجهاديين والملالي لتخريب الإقليم وذلك لتثبيت حدود سايكس بيكو للإبقاء على الحماية الغربية وتمزيق دار الإسلام.
  2. لكونه شرع في مقاومة حدود سايكس بيكو شرطا لاستعادة شروط قوة الأمة لكي تستأنف دورها في التاريخ الكوني. وهي قد نجحت في إزالتها في مستوى المقاومة حتى وإن لم تزلها سياسيا بعد. وذلك آت لا ريب فيه.
  3. ويترتب على العلة الأولى أن الإسلام السياسي الذي هو الوحيد المقاوم لسادتهم الذين يوظفون هذه النخب الوظيفية ويمولونهم فينقسمون إلى من وصل إلى من يسعى للوصول إلى هذه المرتبة عندهم؟
  4. ويترتب على العلة الثانية أن العملاء من حكام الإقليم أحفاد من ساهم في سايكس بيكو الأولى هم من يسهم حاليا في سايكس بيكو ثانية وأن النخب التي تحارب الإسلام السياسي تحتمي بفتات الأولى وتسميه دولا وطنية وهي محميات استعمارية.
  5. وما يجري في المغرب الكبير أكثر دلالة على ما أصف هنا:
  • فما نجحت فيه أمريكا وإسرائيل والثورة العربية المضادة الخليجية وعملائهم في المشرق الكبير.
  • وما نجحت فيه روسيا وإيران والثورة العربية المضادة الهلالية وعملائهم في المشرق الكبير.
  • هو ما فشلت فيه فرنسا ومساعديها أي إيران وإسرائيل وروسيا وأمريكا في المغرب الكبير الذي ما زال يقاوم وخاصة في ليبيا وتونس والجزائر والذي بدأت به المقاومة الحديثة للاستعمار الغربي.
  • المشرق بدأ يتعلم معنى المقاومة مع حماس وثورة الشعب السوري وما تقدم عليها كان مناوشات تغلب عليها الانقلابات والدبلوماسية. وقد تتطور المقاومة فيه بدءا بالعراق واليمن وختما كل الهلال والجزيرة.

أعود إلى النخب التونسية وسأقتصر جملتين قصيرتين تشيران على الصفة المميزة لنوعين منها هي علة عنوان هذه المحاولة: الجوعى والعراة عبيد الطغاة:

1. مدرسي الفلسفة والفكر: والأمثلة من جيلي لا تحتاج إلى التعريف فقد غرقوا مع النظام الذي استخدمهم وعودته لها ثعالبها. لكن من هم من الجيل الحالي يكفي تعريفهم بـ “مؤمنون بلا حدود” بعبادة النقود من استعلامات أبو ظبي. وجلهم بوزقليف الفلسفة عندما “تكب” سعدها.

فحتى بياع السرقات الأدبية صار رشديا ومثله خراف القومية الباحث عن البطولة بالكلام على الموز والمزاودي صار فيلسوفا يتعفف من السياسة رغم ادعائه التخصص في أكبر فيلسوف سياسي حتى النخاع وخاصة في الحرب على الإسلام لكن أنى لحمار يحمل أسفار أن يفهم لايبنتس.

2. مدرسي الحضارة والأدب من أضحوكيات العرب: والأمثلة من جيلي لا تحتاج إلى التعريف لنفس العلة. لكن من هم من الجيل الحالي يكفي تعريفهم مثل مدرسي الفلسفة من نفس الجيل.

فمن لم ينج بنفسه من حماقات أستاذهم وجهالاته صار مجرد بندار للجماعات التي تتألف بين الفنية والأخرى للتعبير عن كونهم “قادرين” على التخريب: فلم ينفهم حتى صاحب الدبابتين.

لن أرد على أحد باسمه دون وسمه بما يجعله لن يستفيد من ذكري إياه إلا بما يسمه في بيان وهاء ما يدعيه. والحكم في ذلك تاريخ التزام النخب بفضائل الفعل الدالة على الحرية ورذائلها الدلة على العبودية.

وفي الحقيقة سيكون مضطرا إذا أراد أن يستفيد من ذكري له أن يعترف بأن من الوشاة للطغاة لأنه من الجوعى العراة. فكل أدعياء التعالي على الأمة هم من أذل طبقاتها ماديا أي الجوعى السعاة ومن أحقر طبقاتها روحيا أي الوشاة للطغاة.

ولا مانع عندي من إرجاع علامة ابن الأصول إلى عامل أنثروبولوجي أداته اقتصادية وغايته ثقافية تجعل الثانية أداة الأولى عند “الهمال” من “العيال” أي فاسدي معاني الإنسان بلغة عبد الرحمن.

انتهى.

شاهد أيضاً

هل انتهى (الإسلام السياسي) 

علي بن مكشر  هناك مغالطة في العنوان، لأنه يقترض أن هناك إسلاما سياسياً وإسلاما آخر… …

نصر أذربيجان دلالته الاستراتيجية جغرافيا وتاريخيا

أبو يعرب المرزوقي  حصل ما توقعته: تبادل أرضي وإن غير معلن بين أذربيجان وأرمينيا ما …

اترك رد