الخميس , 29 أكتوبر 2020

عاد إليكم الرئيس الذي ينجز الأفعال وحده

نور الدين الغيلوفي 

كان فعل “غادر” هو آخر فعل أُسند إلى الرئيس التونسيّ المخلوع زين العابدين بن علي، ختم به مسيرة ربع قرن حافلة بالأفعال المسندة إليه عند الإخبار عنه كأنّه احتكر أفعال اللغة كلّها وظلّ طيلة حكمه هو الاسم الوحيد الفاعل والعنصر الأوحد العامل.. مثل بعض الآلهة لا يعجزها من الأفعال شيء.. لقد كان الرئيس يرفع التحديات وحده ولم يبق للآخرين غير المعيّة.. معيّته…

“معًا مع بن علي لرفع التحديات”…

بعد فعل المغادرة ذاك شهدت تونس ثلاثة رؤساء للجمهورية ضُيّقت عليهم مساحة الأفعال المسنَدة إليهم بمقتضى الثورة ثم بحكم الدستور،

فظلّ فؤاد المبزّع حبيس اسم رئيس الجمهوريّة لا يغادره..

وانضبط الدكتور منصف المرزوقي لما تخوّله إليه صلاحياته رئيسا أصرّوا على تسميته بالرئيس المؤقّت.. وهي تسمية كانت تخصم من مكانته إذ لا يعترف مطلقوها بغير الرئيس الدائم صاحب الفخامة وأهل السيادة…

ثمّ جاء من بعده المرحوم الباجي قائد السبسي.. ظلّ محمولا على احترام الدستور عرف به قدره وجلس دونه حتّى وهو يشكو من الضيق…

ثمّ إنّ الشعب التونسيّ المشفق على ثورته الذي خذلته أحزاب سياسية انشغلت بالتحارب فوق رأسه مال ميلة الهارب إلى قيس سعيد في انتخابات 2019 فانتخبه رئيسا لا لخصال فيه ولا لصفات شاهدة له، فالرجل فقير إلى الخصال خلوٌ من كلّ الصفات.. لقد كان مجرّد اسم معلّق على مشجب “نظافة اليد”.. ولا يدلّ ذلك على شيء لأنّه لا يمكنك أن تحكم بنظافة يد لم تسبق إلى عملٍ من قبل.. كانت مخادعة التقطها الناس درءًا لخيباتهم…

قيس سعيد الذي هرب إليه الشعب التونسي من جحيم رأوه يداهمهم من اسم نبيل القروي بدا له في الأمر بَداء.. والبداء هو استصواب شيء عُلِم بعد أن لم يُعْلَمْ.. وإذن فقد أخذ يقرأ الدستور على هواه ويؤوّله حسب شهوته.. وبعد أن أقسم قسمه “دار في الحياصة” ولسان حاله يقول: أقسمت على ما لم تعلموا وفهمتُ من الدستور ما لم تفهموا.. فأنا الرئيس الفاعل والأستاذ المعلّم ومؤوِّل الدستورِ الأوحدُ.. أمّا أنتم فساكنة حظيرة جئتُ لتربيتها على السمع والطاعة والتأمين على أقوالي وتمجيد أفعالي…

•••

قرأنا في صفحة رئاسة الجمهوريّة يوم الأحد الثاني من شهر أوت سنة 2020 ما يلي:

  • توجه رئيس الدولة إلى مقر ولاية صفاقس…
  • التقى بمجموعة من الشباب ممن شاركوا في الحملة التفسيرية التي قام بها خلال فترة الانتخابات الرئاسية.
  • تحول رئيس الجمهورية إلى المهدية…
  • أدى زيارة إلى المنطقة البحرية للحرس الوطني..
  • اطلع رئيس الجمهورية بالمناسبة على غرفة العمليات..
  • استمع إلى عرض حول تفاقم ظاهرة الهجرة غير النظامية..
  • ثمّن رئيس الدولة بالمناسبة المجهودات الكبيرة التي تبذلها وحدات الحرس البحري للحد من ظاهرة الهجرة غير النظامية…
  • أشار إلى أن تونس في حاجة للكثير من المعدات..
  • بيّن أن عدة دول عبّرت عن استعدادها لتوفيرها…
  • اعتبر أن القضية أخطر من ذلك إذ أن “حيتان البر أخطر من حيتان البحر”…
  • أشار في هذا السياق إلى خطورة ما يقوم به منظمو الرحلات البحرية خلسة والوسطاء في هذه العملية…
  • لفتَ إلى ضرورة أن تتولى القوات الأمنية التنسيق مع القوات العسكرية لمزيد التصدي لهذه الظاهرة…
  • جدّد التأكيد على أن المعالجة الأمنية لهذه الظاهرة تظل غير كافية…
  • شدّد رئيس الدولة على أن الأهم من المعالجة الأمنية هو توفير الشغل..

•••

تلك أفعال السيّد الرئيس في يوم واحد في زيارة واحدة إلى ولايتين في يوم شديد الحرّ…

وإن أنت تأملّت الأفعال ألفيتها من غير مشمولات الرئيس “الدستوريّ جدّا”…

الرئيس يستعمل الفراغات ويستثمر الأزمات.. الجميع غارقون في الضَّلال وهو الناجي الوحيد والمهتدي والهادي…

في ظلّ استقالة رئيس الحكومة يتولّى هو رئاسة الحكومة ويعتني بالتفاصيل.. وله منادح في “أستاذيته” منها يستمدّ تفسير كل شيء وتبرير ما يريد تبريره.. لا يُسأل عمّا يفعل…

•••

في الأثناء…

  • التقى الرئيس، مباشرة بعد فعل “توجّه”…
  • التقى بمجموعة من الشباب ممن شاركوا في الحملة التفسيرية التي قام بها خلال فترة الانتخابات الرئاسية…

وهذا الفعل الذي افتتح به الرئيس نشاطه بعد فعل توجّه مباشرة، كان هو بؤرة الزيارة وغاية التوجّه وصوب هجرته إلى ما هاجر إليه…

لم يضيّع الرئيس الفرصة فالتقى بمريديه: “مجموعة من الشباب”…

هؤلاء الشباب هم خلاصة الرئيس من الشعب… يلتقيهم في كلّ حركة من حركاته.. ولمّا كان الرئيس واضحا شفّافًا فقد بدا ما لا نعلمه من حركاته أوسعَ ممّا نعلم…

مريدو الرئيس، المبشَّرين بالجنّة، هؤلاء إن لم يذهب إليهم أذّن فيهم بالمشروع فأتوه رجالا وعلى كلّ ضامر يأتين من كلّ فجّ عميق…

هؤلاء الشباب هم، وحدهم، شعب الرئيس… يلتقيهم لأنّهم “شاركوا في الحملة التفسيرية التي قام بها في الحملة الانتخابية”.. ولسنا ندري دور هؤلاء الشباب.. هل كانوا هم المفسِّرين أم كانوا مُفًسَّرًا لهم…

تفسير ماذا؟

هل سيادته سقراط أم هو أرسطو أم تراه الفارابي؟

كانوا يفسّرون ماذا؟

الأنبياء أنفسهم والأئمّة المعصومون لم يخوضوا حملات لتفسير تعاليم السماء…

وما ذنب بقية الشعب الذين لم يحظَوْا بحملات الرئيس التفسيرية ولم ينعموا بحضن شبع منه ماكرون الفرنسي؟

هل ذهب الرئيس يسوّي لهم قوارب الموت وأسباب الهجرة غير النظاميّة لعجزهم عن فهم تعاليمه كأنّه يقول لهم: مَن لم يكن من شباب حملتي التفسيرية فلا يدخلنّ عليّ ولا أذهبنّ إليه؟

ألم يتجاوز الرئيس حملته الانتخابية التي يسمّيها تفسيرية كأنه مبعوث من عند السماء يتنزّل على الناس بتعاليمها؟

هل يفرّق بين التعاليم وتنزيلها؟

مالنا نراه يندفع كقاطرة فقدت مكابحها لا يلتفت إلى الوراء ولا يقف لالتقاط الأنفاس؟

ألم يجد مصاعب في تطبيق تعاليمه؟

ألا يريد أن يفهم أنّ الحملة الانتخابية قد مضت وأنّه صار رئيسا للجمهورية التونسية التي ينتمي إليها الشعب التونسيّ كلّ الشعب التونسيّ؟

ألا يعي السيد الرئيس أنّ أفكاره التي في رأسه كانت وسيلته التي أوصلته إلى الرئاسة وأنّ عموم الشعب التونسي انتخب رئيسا ينضبط للدستور لا إماما معصوما يحتكر ترجمة تعاليم السماء يؤثر بها حواريّيه يخصّهم بلقاءاته من دون الشعب؟

شاهد أيضاً

في دعم عبد السلام الككلي

نور الدين الغيلوفي  كلّ الدعم للأستاذ النقابيّ عبد السلام الككلي في معركته القانونيّة لأجل ديمقراطيّة …

ماكرون والإسلام محاولة في الفهم

نور الدين الغيلوفي  لو لم يسيء المسلمون إلى رسولهم لما تجرّأ عليه وعليهم غيرهم.. ومن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.