الخميس , 29 أكتوبر 2020

قيس سعيّد: رئيس جمهوريّة.. أم “حرس حدود بحريّ” لصالح إيطاليا والاتّحاد الأوروبّي..؟؟!!

عبد اللّطيف درباله 

أدّى رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد بعد ظهر اليوم الأحد 2 أوت 2020 زيارة غير معلنة مسبقا إلى ولاية صفاقس..
وبحسب البلاغ الرسمي الصّادر عن مصالح رئاسة الجمهوريّة على الصفحة الرسميّة على الفايسبوك.. فإنّ الرئيس سعيّد قام صحبة وزير الداخليّة هشام المشيشي.. بتفقّد الميناء البحري بصفاقس للاطّلاع على جاهزيّة الحرس البحري الوطني والإقليم البحري للوسط على وجه الخصوص.. وتابع عرضا حول حماية الحدود البحرية وما يرافقها من إجراءات مشدّدة..
وأكّد الرئيس على الدور الهام الموكول للحرس البحري للحدّ من ظاهرة الهجرة غير النظاميّة (“الحرقان”).. وندّد بالمتاجرين بالبشر.. في إشارة إلى منظّمي الرحلات البحرية خلسة.. واصفا ما يقومون به بأنّه عمل إجرامي لا يمكن أن تتسامح معه الدولة.. مجدّدا حرصه على ضرورة مواصلة حماية السواحل بنفس العزيمة والجدية.. مع وجوب معالجة الأسباب الحقيقية التي تقف وراء تفشّي هذه الظاهرة..

هذه الزيارة تأتي بعد أيّام قليلة من زيارة أدّتها وزيرة الداخليّة الإيطاليّة “لوتشيانا لامورغيسي” يوم 27 جويلية المنقضي.. التقت فيها بنظيرها وزير الداخليّة التونسي هشام المشيشي (المكلّف برئاسة الحكومة الجديدة).. كما التقت رأسا برئيس الدولة صحبة وفد مرافق لها..
ويظهر بأنّ العناق بين المشيشي ولوتشايان عند إستقباله الحارّ لها في المطار لم يحلّ كلّ المشاكل..!!
موضوع الزيارة تعلّق أساسا بموضوع الهجرة السريّة التي تصاعدت في الأسابيع الأخيرة بوتيرة كبرى إنطلاقا من تونس..
فقد أعلنت السلطات الإيطاليّة بأنّ 11191 مهاجر وصلوا إلى إيطاليا بطريقة غير شرعيّة منذ بداية سنة 2020.. حوالي نصفهم (5237 شخص) كانوا فقط من تونس.. أكثر من ألف منهم من غير التونسيّين.. وأكّدت المعلومات الإيطاليّة بأنّ عاصمة الجنوب صفاقس أصبحت عاصمة الهجرة السريّة إلى إيطاليا..!!

بعد أيّام قليلة اشتكى وزير الخارجيّة الإيطالي “لويجي دي مايو” من نفس الموضوع.. وأدلى بحوار لجريدة “كورييري ديلا سيرا” الإيطاليّة.. ونشر تسجيل فيديو أوضح فيه بأنّه ينوي زيارة تونس قريبا من أجل بحث مقاومة تلك الظاهرة المتصاعدة.. محدّدا إستراتيجيّة جديدة من ستّة (6) نقاط طبق ما يلي:

  1. لوقف وصول القوارب السريّة إلى إيطاليا.. يجب وقت إنطلاقها من تونس.
  2. عقد إتّفاقية هجرة جديدة مع تونس تشمل إيقاف ومصادرة قوارب الهجرة السريّة..
  3. إعادة جميع المهاجرين السريّين الذين يصلون إيطاليا.. وذلك بطريقة سريعة عبر الطائرات وعبر البواخر أيضا (لإرجاع عدد أكبر في نفس الوقت).
  4. باعتبار تونس بلد آمن.. فإنّه لن يكون هناك أيّ تسوية تلقائيّة لأوضاع المهاجرين السريّين.
  5. إعادة تنشيط سياسة إعادة توزيع المهاجرين الموجودين في إيطاليا على كامل أوروبّا (الغرض هو إشراك بقيّة البلدان الأوروبيّة في الخضوع للضغوط وتحمّل الأعباء والمبادرة تبعا لذلك بمساندة إيطاليا في ردّ الفعل جماعيّا ضدّ تونس).
  6. التوقّف عن المساعدة الإيطاليّة لتونس ووقف التمويلات.. إذا ما لم تكن تونس متعاونة في الموضوع..

كما أعلنت وسائل إعلام إيطاليّة بأنّ وزير الخارجيّة الإيطالي استدعى رسميّا السفير التونسي بإيطاليا (معزّ السيناوي).. واحتجّ لديه.. مثيرا مسألة تصاعد أعداد المهاجرين إنطلاقا من تونس.. وهو ما يعني في الجانب الإيطالي وجود تقصير أو تهاون أو فشل من السلط التونسيّة السياسيّة والأمنيّة في مقاومة الظاهرة التي تزعج إيطاليا..
وقام الوزير الإيطالي بتذكير السفير التونسي بأنّ تونس على قائمة ما يسمّى بالدول الآمنة.. ودعا إلى اتّخاذ جميع التدابير اللاّزمة لمكافحة المغادرة غير القانونية من الأراضي التونسية.. بما في ذلك تفعيل أنشطة مراقبة ساحليّة أوثق في منطقة صفاقس.. وهي الأكثر ضررا لإيطاليا..

سبب تصاعد الهجرة السريّة إنطلاقا من تونس طيلة الأسابيع الأخيرة.. يعود في تقديرنا إلى سببين إثنين..
أوّلا سبب طبيعي.. وهو فصل الصيف وتحسّن حالة الطقس.. بما يسمح بالإبحار عبر القوارب الصغيرة بطريقة آمنة أكثر.. وهو ما يعني أنّ الموجات المتصاعدة والمكثّفة للإبحار خلسة ستمتدّ إلى نهاية شهر سبتمبر أو بداية شهر أكتوبر باعتبار تواصل حرارة الطقس في بلادنا.. بما يفيد بالنسبة للإيطاليّين إحتمال تدفّق آلاف المهاجرين الإضافيّين من تونس خلال شهرين أو ثلاثة..
ثانيا سبب سياسيّ.. وهو ليس فقط تواصل حالة الركود الإقتصادي والاجتماعي وانسداد الأفق أمام الشباب بتونس.. وإنّما خاصّة ما حدث من إنتكاسة سياسيّة جديدة بطول أمد المفاوضات على حكومة الفخفاخ بعد الإنتخابات الأخيرة.. ثمّ سقوطها بعد أربعة أشهر فقط.. والإنطلاق في تكوين حكومة جديدة لا يعرف تحديدا مستقبلها ومدّتها ومصيرها.. في ظلّ تصاعد حالة الإحتقان والصراع السياسي بين الفرقاء السياسيّين في تونس.. وتزامن ذلك مع أزمة كورونا.. ممّا جعل الشباب يشعر بأنّ الأشهر القادمة لن تحمل أيّ إنفراج اقتصاديّ في تونس.. ولا فرص تشغيل جديدة.. بل أنّ نسبة البطالة تتّجه للتصاعد.. ووضع البلاد يتّجه لمزيد التأزّم على كلّ المستويات..!!
ناهيك وأنّه وبالإضافة إلى تزايد أعداد الفتيات “الحارقات”.. فقد بدأت تونس تعرف ظاهرة جديدة وهي هجرة عائلات تونسيّة بأكملها عبر القوارب الصغيرة في البحر.. وقد تمّ تداول صور وفيديوهات ذلك على نطاق واسع على الفايسبوك..!!

تبعا لكلّ تلك التطوّرات.. جاءت زيارة رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد المفاجئة إلى ولاية صفاقس.. التي صنّفتها إيطاليا ّبـ”بؤرة” الهجرة السريّة في جنوب المتوسّط اليوم..
غير أنّ تلك الزيارة من الرئيس سعيّد لم تكن في محلّها تماما من الناحية السياسيّة..
ولرؤية الصورة بطريقة أوضح.. فإنّ الدولة الإيطاليّة (أو على الأقلّ جزء من حكومتها باعتبار الأمر يتعلّق بائتلاف حكومي).. اشتكت من تفاقم نسق الهجرة السريّة إلى بلادها إنطلاقا من تونس في الأسابيع الأخيرة خصوصا..
وأنّهم أوفدوا أوّلا وزيرة الداخليّة.. باعتبار أنّ في الأمر جانب أمنيّ.. ورغم ذلك فإنّ الوزيرة الإيطاليّة لم تكتف بمقابلة نظيرها بروتوكوليّا وهو وزير الداخليّة.. وإنّما قابلت مع الوفد المرافق لها رئيس الجمهوريّة نفسه..
ثمّ أنّ وزير الخارجيّة الإيطالي قام بعمل إحتجاجيّ ديبلوماسيّ معروف وهو إستدعاء سفير تونس.. الذي سيبلّغ وزير الخارجيّة بذلك.. وسيقوم هذا الأخير بدوره بتبليغ رئيس الجمهوريّة الإحتجاج الإيطالي الرسمي..
لكن لا رئيس إيطاليا.. ولا رئيس حكومتها.. اتّصلا ولو بمجرّد مكالمة هاتفيّة بالرئيس التونسي..
بل أنّ النائبة البرلمانية الإيطاليّة المعارضة “آنا ماريا بيرنيني”.. رئيسة كتلة “فورتسا إيطاليا” (حزب رئيس الوزراء الإيطالي السابق سلفيو برلسكوني) بمجلس الشيوخ.. أكّدت بأنّ الحكومة الإيطاليّة في فوضى.. وأنّ رئيس الوزراء الإيطالي “يبدو أنّه غير مهتمّ تمامًا بمثل هذه القضيّة الحاسمة”..!!

صحيح أنّه يقع على عاتق سلطات الدولة التونسيّة ضبط حدودها.. ومنع الهجرة السريّة إنطلاقا منها.. لكن من الناحية السياسيّة كان على الرئيس التونسي والحالة تلك.. أن يتصرّف بنفس المنطق.. وعلى نفس المستوى السياسي في مقابل الجانب الإيطالي..
فيوكل بالمهام الواجبة في الموضوع إلى الوزراء المختصّين..
أو يحثّ على الأكثر رئيس الحكومة المستقيل إلياس الفخفاخ للإهتمام بالأمر.. نظرا لأهميّته على العلاقات التونسيّة الإيطاليّة..
أمّا أن يذهب رئيس الجمهوريّة بنفسه.. وبـ”جلالة قدره”.. “جريا”.. وحالاّ.. إلى صفاقس.. بمجرّد إحتجاج وزيرين ايطاليّين.. وأن يتفقّد بنفسه الحرس البحري.. والقاعدة الأمنيّة.. والقوّات المخصّصة لمقاومة ظاهرة الهجرة السريّة..
وأن يأخذ معه وزير الداخليّة.. والذي هو في نفس الوقت رئيس الحكومة المقبلة المفترض..
فإنّ رئيس الدولة التونسيّة أظهر أنّ كلّ الدولة التونسيّة اهتزّت لتشكيّات وزيرين إيطاليّين إثنين في موضوع “الحرقان”..!!!
وبالغ في ردّ فعله خارج أيّ إطار سياسي معقول ومقبول..
وأظهر نفسه وكأنّه “خائف” من ردّ فعل الإيطاليّين.. أو أنّه “حرس بحريّ” لصالح إيطاليا.. ذهب تنفيذا للتعليمات السامية والعليا.. لتشجيع أعوان الأمن على بذل جهود أكبر وفعل ما يلزم لإرضاء الإيطاليّين..!!!

هذا دون الحديث والتعليق على بيان رئاسة الجمهوريّة الذي جاء وكالعادة بمقاربة يغلب عليها الطابع الأمنيّ لمشكل الهجرة السريّة.. متناسيا بأنّ مشكلة “الحرقان” هي إنعكاس للوضع المتردّي والبائس في تونس على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقّافي منذ عهد بن عليّ.. الذي بدأ فيه إنتشار ظاهرة “الحرقان” والهجرة السريّة للشباب على قوارب الموت إلى إيطاليا.. ولم تفلح القبضة الأمنيّة القويّة لبن عليّ نفسه في وقفها أو منعها..
وقد كانت ثورة الشباب المهمّش في 17 ديسمبر 2010 أيضا إمتدادا لتلك الأزمة.. ولحالة اليأس تلك..!!
وبالتالي فإنّ الموضوع يستحقّ النظر إليه في بعده الوطني الكامل والشامل.. لا النظر إليه بعصا الأمن وقوارب الحرس البحري وخافرات الجيش الوطني واستعمال المناظير الليليّة وطائرات الهيلوكبتر..!!!

أقصى ما كان يمكن أن يحدث في رأينا.. هو تكليف وزير الداخليّة بزيارة ولاية صفاقس.. وتحسيس المسؤولين الأمنيّين فيها بضرورة مراجعة الخطط الأمنيّة لمقاومة الهجرة السريّة ودراسة الموضوع بطريقة أفضل وأنجع.. وبحث سبل تطوير عملهم.. وتمكينهم ممّا يحتاجونه من إمكانيّات وتجهيزات وموارد إضافيّة..
بل أنّه وباعتبار أنّه “صادف” أنّ وزير الداخليّة نفسه (هشام المشيشي) هو المكلّف بتكوين الحكومة الجديدة.. فقد كان الأفضل تعويضه بالمدير العام للأمن الوطني صحبة وفد أمنيّ رفيع المستوى لزيارة صفاقس..
أو كان يمكن دعوة كبار المسؤولين والضبّاط الأمنيّين في صفاقس إلى إجتماع استثنائيّ مع وزير الداخليّة بمقرّ الوزارة بالعاصمة..

إذا ما أخذنا بحسن نيّة.. مسارعة قيس سعيّد بعمل زيارة أمنيّة إلى صفاقس نزولا عند إحتجاجات وطلبات وزيرين في الحكومة الإيطاليّة.. فإنّ مثل هذا التصرّف كان يفتقد للحسّ السياسي السليم..
وقد أخطأ به الرئيس قيس سعيّد في حقّ نفسه..
وفي حقّ منصب رئيس الجمهوريّة التونسيّة..
وفي حقّ تونس..
أمّا إذا ما أخذنا تصرّف الرئيس قيس سعيّد بسوء نيّة.. فإنّه قد يُفسّر بأنّه أراد بتحوّله هو شخصيّا إلى صفاقس.. وسط موكب رئاسي مرفوقا برئيس الحكومة القادم الذي هو وزير الداخليّة الحالي.. إلى قاعدة الحرس البحري المسؤول عن مقاومة الهجرة السريّة.. أراد بأن يظهر للإيطاليّين خصوصا.. وللأوروبيّين عموما.. حرصه على ترضيتهم بنفسه..!!
وبأنّه “رجلهم” الذي يمكن لهم الإعتماد عليه في تونس لفعل ما يلزم لتحقيق مصالحهم..!!
خاصّة بعد ما أبداه الرئيس قيس سعيّد.. أيضا.. من خطاب ومعاني ورسائل.. في زيارته الرسميّة الأخيرة إلى فرنسا..!!!

واللّه أعلم..!!!

شاهد أيضاً

الإساءة للنبيّ حريّة تعبير.. والإساءة للعلم تستوجب الإيقاف فورا..!!!

عبد اللّطيف درباله  الإساءة للنبيّ محمّد في فرنسا حريّة تعبير تستوجب التضامن والحماية.. والإساءة للعلم …

فضيحة دولة..!!!

عبد اللّطيف درباله  صندوق 1818 الذي خُصّص للتبرّعات لفائدة المجهود الوطني لمقاومة الكورونا.. بغرض توفير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.