الإثنين , 30 نوفمبر 2020

حول قضية بن بريك: من الذي صار عبئا على الانتقال الديمقراطي جمعية القضاة المناضلة أم الإعلام الفاسد ؟

القاضية روضة القرافي 

تقاد حملة تشهير وتجريح وتجن على جمعية القضاة ورئيسها السيد أنس الحمادي بسبب موقف مبدئي من تجاوزات مشهودة للمعلق الصحفي توفيق بن يريك على قناة نسمة خريف 2019. لن أتعرض في هذه الورقة للمسألة القضائية فهي الآن من أنظار الهيئات القضائية المتعهدة بل سأتوقف عند موقف الهايكا بما هي سلطة تعديل مستقلة للمشهد السمعي والبصري في سياق انتقال ديمقراطي من خلال بلاغها بتاريخ 3 أكتوبر 2019 والذي ذكرت فيه حرفيا أنها “أحالت على وكيل الجمهورية بالمحكمة الابتدائية ببن عروس تقريرا يتعلق بخروقات جسيمة تمّ رصدها على القناة الخاصة غير الحاصلة على إجازة “نسمة” تتضمن بث خطابات تدعو للعنف والتحريض على الكراهية وحمل السلاح بما يهدد السلم الاجتماعي في وضع عام يشوبه التوتر “علاوة على ما تم بثه من عبارات ثلب وشتم وقذف وإهانة فيها مس من اعتبار وسمعة أشخاص وهيئات ومؤسسات رسمية ومنها المؤسسة القضائية”. وبطبيعة الحال كان تقريرها هذا يتعلق بتوفيق بن بريك وبقناة نسمة.

مهما تكن مآلات هذه القضية و ومهما كان قرار الإحالة فيها، فهذا التكييف للأفعال من الهايكا لن يمحي ولن يزول لأنه هو الإطار الأساسي للحوار المجتمعي العميق الذي يجب أن يتم حول حرية التعبير وكيف نعدلها وما هي ضوابطها بعيدا عن سهولة رفع الشعارات المؤججة للمشاعر والمغيبة للعقل حول حرية التعبير. فلقد اعتبرت الهايكا في عديد المناسبات القناة التي تحدث فيها الصحفي المعلق من أكثر المحامل الإعلامية التي أضرت بحرية التعبير والإعلام والانتقال الديمقراطي وصارت عالة عليه . فهي قناة تختلط فيها سطوة المال السياسي المشبوه وشراء الذمم للتأثير السلبي على الحياة السياسية وعلى نتائج الانتخابات وهو الاستنتاج التي انتهت إليه تقارير مراقبة الانتخابات الدولية أيضا بخصوص مثل هذه القنوات في تونس ودورها السلبي والمضر بالانتقال الديمقراطي … قلت لن أطيل في هذا الباب على أمل العودة إليه حين يأتي أوانه.

ولكن إزاء ما يتعرض إليه رئيس الجمعية من هجمة غابت فيها شهامة الخصومة إذ الخصومة الراقية لا تنحرف عن مبادئ احترام “الخصم” ولا تسقط في التشخيص والتجريح و الشتم والتجني فاني أرى من مسؤوليتي الإدلاء بشهادتي في أنس الحمادي. كنت نائبة رئيسة جمعية القضاة منذ سنة 2012 وكان وقتها أنس الحمادي عضوا في المكتب وظل يتحمل المسؤولية داخله إلى حين آلت إليه رئاسة الجمعية سنة 2018 وتحملت حينها مسؤولية المشاركة في اتخاذ المواقف التي طرحت على الجمعية في ظروف شديدة الدقة والصعوبة والتي دخلت فيها حرية التعبير والتظاهر في محنة عسيرة. كان أنس الحمادي من أشد أعضاء المكتب دفعا لاتخاذ مواقف مناصرة لمبدأ الحرية ومدافعة عنها رغم صعوبة اتخاذ الموقف في ظروف حرجة وفي ظل جمعية ديمقراطية تتخذ فيها المواقف بناء على نقاش معمق وحر. ومن هذه المواقف اذكر ما تضمنه :

  • بيان 23 فيفري 2012 وبيان 30 مارس 2012 في الدفاع على حرية الإعلام والتعبير والحق في التعبير والاحتجاج السلميين.
  • بيان وقائع 9 أفريل 2012 حول رفض الاعتداءات المشهودة على المتظاهرين من عديد القوى السياسية والمدنية والحقوقية والشعبية.
  • بيان 30 مارس 2012 حول رفض خطابات التحريض والكراهية والعنف والاعتداء على المبدعين والمعالم الثقافية.
  • بيان 13 سبتمبر 2013 في استنكار الجمعية لوقائع إيقاف الصحفي زياد الهاني في خرق لمبادئ المحاكمة العدالة ورفض كل أشكال التضييق على حرية الإعلام والتعبير كمكسب من مكاسب الثورة مع المطالب بالاستجابة إلى طلب إحالة الملف إلى محكمة أخرى خارج دائرة محكمة استئناف تونس.

وغيرها من البيانات على امتداد سنوات ما بعدة الثورة.

فهل يستحق رئيس جمعية القضاة الذي كان ولا يزال من صناع الزخم الوطني القضائي في الدفاع المبدئي على حرية الإعلام والتعبير والقضاء المستقل حملة التجني هذه ؟ ولفائدة من؟ ولتبييض من؟ هل لفائدة من تصفهم السلطة التعديلية الهايكا بمرتكبي التجاوزات الخطيرة في حق حرية الإعلام التي تقع تحت طائلة الباب الخامس من المرسوم عدد 115 في التحريض على ارتكاب الجنح ومن أضروا ضررا فادحا بالانتقال الديمقراطي بواسطة الماكينات الإعلامية الفاسدة التي تخرج بكل المعاني القانونية والمهنية والأخلاقية على حرية التعبير وضوابطها؟ كيف غابت كل هذه الأثقال والكلف الباهظة لهذا الإعلام على الانتقال الديمقراطي على مجال الرؤية والتحليل ونحن بصدد ملف يهم إحدى هذه الوسائل؟ لحسن الحظ طبعا أن كل وسائل الإعلام في بلادنا ليست على تلك الشاكلة.

أنس الحمادي سليل النضال القضائي الحقوقي المبدئي المستقل النزيه الشجاع وأحد أعمدته قبل الثورة وبعدها. ولتنشيط الذاكرة أنس الحمادي لمن لا يعرف ماضيه النضالي هو عضو الدائرة الجناحية بالمحكمة الابتدائية بقفصة التي أنصفت بأحكام تكتب بماء الذهب سنة 2008 (يوم كانت الأحكام المستقلة تدفع من الأرزاق والمصير) محتجي الحوض المنجمي على واقع الفقر والبطالة والتهميش والفساد ومحاصصة التشغيل في الكبّانية بين السلطة ومواليها وشركائها. ومناضلو الحوض وهيئات الدفاع شهود على ذلك. قد نستطيع أن نقلب الحقائق على بعض الناس بعض الوقت ولكن لن نستطيع قلب الحقائق على كل الناس كل الوقت فالحقيقة ستظهر مهما اشتدت الحملات. ستبرز الحقيقة ساطعة (إن لم تكن ظاهرة بعد لذوي الألباب) استنادا إلى تقارير الهايكا في هذه القضية التعديلية التي لن يمحوها الحاضر ولا المستقبل و بمقتضى التقارير الرقابية للانتخابات واستحضارا للسوابق في الاعتداء على الصحفيين أنفسهم من قبل توفيق بن بريك و التي دفعت بأحدهم لرفع شكاية في الاعتداء بالعنف ضده في وقائع مشهودة وصفت بالاعتداء الهمجي ونعني هنا اعتداء بن بريك بالصفع على الصحفي هاشم بو عزيز في مقر عمله سنة 2015… وكم هي مؤلمة أيضا الشهادات التي نشرتها الصحفية والروائية آمال المختار هذه الأيام على صفحتها وقد طالها ما طالها من “حرية التعبير”… كلام لا أجرؤ لشدة وطأته على الكاتبة الصحفية وعلى القارئ على إعادة نشره فيكفينا مؤونة ذلك ما كتبته دفاعا عن شرفها . أسال أخير من يا ترى صار عبئا على الانتقال الديمقراطي كما يدعى البعض: جمعية القضاة المناضلة أم الإعلام الفاسد الذي يهدد التونسيين برفع السلاح؟

شاهد أيضاً

عندما تتحول الحركة السنوية للقضاة إلى حديث عن وكيل الجمهورية وزوجة الرئيس !

القاضية روضة القرافي  اطلعنا على بعض ردود الأفعال الأولية حول الحركة القضائية لهذه السنة وكلها …

لا لتوظيف القضاء في الصراعات السياسية !

القاضية روضة القرافي تلاحقت الوقائع على الساحة العامة في الآونة الأخيرة بشكل لم يعد من …

اترك رد