الأربعاء , 21 أكتوبر 2020

النظام السياسي والانفجار من الداخل: عبير موسي أم قيس سعيد ؟

شاكر الحوكي

تصاعد وتيرة الخطاب المناهض لدستور الجمهورية التونسية 27 جانفي 2014 من قبل بعض رجال القانون والسياسة والإلحاح على ضرورة مراجعته واتهامه بالعجز أو القصور عن الإحاطة بالحياة السياسية لا يمكن فهمه إلا بوصفه نوعا من النيل من شيء لم يشاركوا فيه بالفعل ولا بالرأي أو أنه موقف عدائي من مسار الانتقال الديمقراطي والثوري.

«النص متناه والوقائع غير متناهية والمتناهي لا يمكن أن يحيط باللامتناهي»؛ ذاك هو المبدأ الذي انتهى إليه جمهور الفقهاء في قراءتهم للقران الكريم واضطرهم إلى الأخذ بالقياس والاجتهاد والإجماع وإعمال الرأي والبحث عن مقاصد الشارع. وفي هذا الخصوص ما ينطبق على القران الكريم ينطبق على الدستور؛ ولذلك وجد التأويل (الدستوري) والتعديل (الدستوري) والعرف الدستوري.

وما من شك في أن المجلس الوطني التأسيسي أثناء وضعه دستور 2014 حاول الاستفادة من ثغرات القانون الأساسي المنظم للسلطات (الدستور الصغير)، وتدارك نقائص دستور 1 جوان 1959 وعيوبه واستيعاب كل المشاكل التي افرزها حكم الترويكا، بل والاستفادة من التجارب المقارنة في خصوص بعض المعضلات المتوقعة. ولكن ما كان بوسعه أن يذهب أكثر من ذلك في الإلمام بكل ما يمكن أن يحدث بعد دخول الدستور حيز النفاذ؛ إذ أن الكمال لله وحده. وهذا التذكير يبدو ضروريا لكل الذين يكافحون من أجل نسف المسار الدستوري والانتقالي وهو رد أولي على تهافت خطابهم وحججهم.

أما الرد الثاني: فعلاوة على أن الدستور لم يستكمل بعد وضع مؤسساته الدستورية على غرار المحكمة الدستورية والهيئات التعديلية المستقلة؛ فإنه لم ينل حظه من التطبيق ضمن فرضياته الأصلية. فلو كان الدستور -والتشبيه هنا لتقريب الصورة وتوضيح المسألة أكثر- جيشا متكونا من مجموعة من الخطوط والصفوف فإن الذين يخوضون المعركة هم الخطوط الخلفية دون الخط الأمامي المجمد. ولو كان الدستور مقابلة رياضية، فما يجري هو أن المقابلة متوقفة على خطي الدفاع والوسط مقابل تعطيل خط الهجوم. ومن هنا نفهم كثرة الأخطاء وحتمية الفشل الذي يلاحق الدستور والنظام السياسي.

إن الوضع الطبيعي لتطبيق الدستور هو أن يرشح الحزب الأغلبي في مجلس نواب الشعب رئيسا للحكومة من صلبه بوصفه الحزب الأول الفائز بالانتخابات وأن تكون علاقة رئيس الحكومة في انسجام مع رئيس الدولة؛ ذلك أن الشعب الذي مكن الحزب الأول من الفوز بالتشريعية وفق تصور أو برنامج معين يفترض أن يمكن الفائز بالرئاسية على قاعدة نفس التصور والبرنامج بغية ضمان الحد الأدنى من الانسجام بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. وهذا مشكل آخر ينضاف إلى بقية المشاكل المطروحة بسبب تشتت الأحزاب وطبيعة القانون الانتخابي.

ولكن ما حدث منذ تولي الراحل الباجي القايد السبسي الحكم ودخول الدستور حيز النفاذ هو الانحراف بالدستور بعد أن فضل اعتماد خيارات بعيدة عن روح الدستور وأهدافه باختياره السيد الحبيب الصيد رئيسا للحكومة في مرة أولى والسيد يوسف الشاهد في مرة ثانية.

إن الذهاب إلى تعيين رئيس الحكومة من خارج دائرة الحزب الفائز لم يكن الخيار الأصلي، بل الخطيئة الأصلية التي حالت دون تطبيق الدستور التطبيق الأمثل؛ إذ لا مناص من التعاطي مع جملة من الوقائع على أنها من البديهيات حتى وأن لم ينصّ الدستور عليها صراحة، من ذلك تحول الحكومة إلى حكومة تصريف أعمال بمجرد استقالتها أو اختيار رئيس الحكومة ضمن الأغلبية البرلمانية بوصفه منتخبا أو اختيار الشخصية الأقدر بحسب معياري الكفاءة والعدد.

أما عندما يتم الذهاب إلى الخيارات الفرعية والاستثنائية عوضا عن الخيارات الأصلية المنصوص عليها في الدستور؛ فإن الذي يحصل هو إحداث نوع من الإرباك في بنية الدستور وفصوله وهو ما يؤدي بدوره إلى حالة من عدم اليقين وغياب الاستقرار السياسي.

ولعل ما يزيد الطين بلة هو هذا الارتباك الذي انخرطت فيه جميع الأحزاب تقريبا في بناء تحالفاتها الحزبية قبل وبعد الانتخابات، فصار العدو صديقا والصديق عدوا. علاوة على عدم معالجة القانون الانتخابي المعالجة السليمة حتى بدا بمرور الوقت غير متناغم مع أهداف الدستور وطبيعة نظامه السياسي والحركية المجتمعية الحثيثة؛ فضلا عن الرفض الصريح أو المتستر من قبل النخب السياسية لتولي النهضة مقاليد الحكم وزمام الأمور والتعامل معها وكأنها طرف قاصر أو دخيل على منظومة الحكم القائمة بما يفرض عليها الظهور بشكل متخف ومتستر. وهو ما ينجر عنه اللجوء إلى نوع من البهلوانيات السياسية تحت غطاء التوافق وحكومات التكنقراط وغيرها من التسميات.

لا مناص من القول إن الدستور التونسي ينزف.. وان الانتقال الديمقراطي يعاني.. وان سبب ذلك لا يعود إلى لائحة سحب الثقة المقدمة التي تزعمتها الكتلة الديمقراطية ضد رئيس مجلس نواب الشعب السيد راشد الغنوشي أو استقالة السيد رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ في هذا الظرف الوجيز من توليه الحكم؛ فتلك معارك وضع الدستور أدواتها القانونية ورسم قواعدها وهي تروي عطشا دام قرونا وعقودا من التصحر السياسي والجفاف القاحل في كل شيء؛ وهي تبقى على الرغم من التوتر الذي تحدثه بين مختلف الأطراف الحزبية تعمل ضمن قواعد اللعبة التي رسمها الدستور. ولكن الخطر كل الخطر في الرفض الراديكالي للنظام السياسي والدستوري برمته والعمل خارج إطاره من طرف «الدستوري الحر» المشارك في البرلمان والرافض في نفس الوقت للنظام السياسي القائم. والأخطر هو رفض رئيس الدولة الصريح للنظام السياسي الحالي رغم مشاركته فيه، بل وصب الزيت على النار كلما أتيحت له الفرصة بما يفسح الطريق لتنزيل مشروعه السياسي القائم على إرساء ما سماه البعض بالديمقراطية المباشرة أو التأسيس الجديد.

إن الدستور لكي يعمل ويشتغل يحتاج إلى بيئة حاضنة ولاعبين سياسيين متوافقين على الحد الأدنى من المسلمات التي وردت فيه، لا أن يتم الطعن فيه من أجل بدائل وهمية أو تسلطية أو حتى عبثية، ومن ثمة الدفع بالحياة السياسية إلى الانفجار.

د.شاكر الحوكي؛ رئيس الجمعية العربية للعلوم السياسية والقانونية.

شاهد أيضاً

الرئيس وأستاذ القانون الدستوري قيس سعيّد يتلاعب بالدستور عبر الترغيب والتهديد..!!

عبد اللّطيف درباله  ما معنى أن يقول الرئيس سعيّد لممثلي أحزاب حكومة الفخفاخ.. أنّه يمكنهم …

ليس لرئيس الدولة أن يحل البرلمان

شاكر الحوكي  بخصوص فرضية حل البرلمان في حال امتناع النواب عن المصادقة على حكومة السيد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.