الإثنين , 30 نوفمبر 2020

عبير وعلاليشها.. الحظيرة والصندوق

نور الدين الغيلوفي 

ليسوا ديمقراطيّين لذلك تلفظهم الصناديق ولا توافقهم نتائجها.. هم في الأصل من أنصار الانقلابات العسكرية يقنعون بها يُلبسونها ثياب الثورات.. تلك ثوراتهم يولد لهم فيها على ظهر دبّابة زعيم يصنعون له وثنًا في أخيلتهم ويكوّنون من أنفسهم له جوقة تنشد بحضوره وفي غيابه أنشودة ترفعه إلى مصاف الآلهة.. وله يزغردون.. ويموت الإله وتبقى الأنشودة يردّدها المنشدون.. وتبقى الزغاريد تحكي سيرتهم فيه من بعهده…

يعادون الثورة ويلتبس عليهم فهمها لأنّها في رأيهم مكتوبة باللغة العبريّة بينما هم عرب أقحاح.. وممّا يزيدهم عنها انفصالا أنّها تأتي بالصناديق والصناديق ترفضهم وتلفظهم.. لأن عربيّتهم لا صندوق فيها.. ولا تتكلّمها الصناديق…

لو كانوا ديمقراطيين ناضجين “ماينغروش” كما يفعل الصبيان لحيّيناهم ولأثنينا عليهم ولهلّلنا لنجاحهم ولاعترفنا لهم بما يستحقّون.. ولفرحنا لفرحهم… ولكنّهم يتّخذون الديمقراطية حليةً وتسميةً.. أمّا الجوهر فقطران وحقدٌ كثيفان.. والحقد فيروس يصيب الديمقراطية لا تُشفى إلّا بزواله…

جُعل لهم قانون انتخابي جائر لولاه ما وصلوا إلى البرلمان.. كأنّه رُكّب على مقاسهم.. وبعضهم ظلّ ينتظر صعوده إلى مقعده حتّى آخر أيّام فرز الأصوات التي تتلو الانتخابات.. وبعد أن صعد بسلّم البقايا صار ديكًا يمارس الأذان تحت قبّة البرلمان…

الغنّوشي نائب منتخَب ببرلمان منتَخب.. لم يأتهم على ظهر دبّابة كما قال.. ولم ينقلب على مسار.. ولكنّهم أسلموا أنفسهم إلى ضمائرهم المعبَّأة حقدا عليه.. وانتظروا فرصة تقديمه للنحر.. ولمّا جاءهم رئيس يكره الأحزاب وجدوا عنده ضالّتهم ودخلوا جبّته.. وشحذوا سكاكينهم لذبح السلطة التشريعية من أجل فسح الطريق لرئيس الجمهورية.. فهم لا يؤمنون بسلطة تتعدّد فيها الرؤوس.. توحيديون في السلطة توحيدَهم في المعتقد.. والسلطة عندهم عقيدة ورئيسها شبه إلاه…

استهدافهم لرئيس البرلمان كان استهدافا للبرلمان ولمكانة البرلمان ولسلطة البرلمان.. وقد رضوا بأن يكونوا أحصنة طروادة ليدخل فيهم الرئيس أسوار المدينة كما يدخل كلّ دكتاتور.. يحتاج للركوب ظهور دوابّ.. وقد كانوا له كما يريد…

والشعب يريد..

الشعب الذي أنجز الثورة لم يمت…
ونواب الشعب من الشعب.. فيهم روحُهُ..
لم ينساقوا إلى جنود عبير…

وحتى الذين أرضوا عبير بتصوير ورقاتهم لترضى عنهم وتجزل من عطائها لهم خرقوا الورقات لتكون ملغاةً ومنهم من أحرق ورقته بسيجارته.. ومنهم من ضاعف العلامة لتُلغى الورقة.. إرضاء لضميره النقيّ…

هؤلاء ليسوا من أنصار الغنّوشي ولكنّهم نواب لم تمت ضمائرهم ويرفضون أن يأتوا ظلما يستفيد من ريعه تجّار السياسة وأدعياء الوطنية وأعداء الثورات…

كانت اللائحة جرعة إضافيّة تغذّى بها الغنّوشي في آخر يوم من السنة النيابيّة.. خرج الرجل منتصرا من معركة لم يبذل فيها جهدا ولم يُعدَّ لها عدّةً ولم يجهّز لها عتادًا… هبّت من حوله رياح سموم أرادات اقتلاعه فانتهت خادمةً له كأهل الحظوظ “تحطِب لهم الرياح”…

كانت اللائحة مدفعا في أيدي الذين أطلقوه.. ولمّا لم يكن المدفع في أيدٍ تجيد الرمي فقد أطلق للخلف.. فأرداهم

في السقوط…

أرادوا نحره ليلة عيد الأضحى كما فُعل بالشهيد صدّام حسين ليتضاعف لهم “العيد عيدين”.. ولكنّ مُديتهم انقلبت عليهم وانتفض الصندوق له ونصره عليهم في يوم عرفة المشهود…

وبقيت عبير تشكو عجزها عن شراء “علّوشها”…

تكفيها علاليش صندوقها الستّة والتسعون…
تحشرها في “رحبة الأغنام” تتصيّد بها عابرين لم تسعفهم الحياة بعلّوش العيد…

شاهد أيضاً

اتحاد الشغل حقل ألغام

نور الدين الغيلوفي  ليس لأنّ العاجزين بأنفسهم المستطيعين بالاتّحاد يدافعون عن الجدار الذي تحته كنز …

كفى نفاقا… ما معنى مطالب مشروعة ؟

نور الدين الغيلوفي  رأي لن يعجب كثيرين ما معنى مطالب مشروعة ؟ ضعُف الطالب والمطلوب …

اترك رد