السبت , 8 أغسطس 2020

مكر الله الخير كلما فتحوا معركة ربحتها تركيا

أبو يعرب المرزوقي 

لا يمكن ألا أكون مطمئنا بأن الإسلام استأنف دوره الكوني في التاريخ الإنساني من نفس المكان الذي ظنوا أنهم قد أخرجوه فيه من التاريخ كما توهم هيجل في الفصل الثاني من الباب الرابع من كتابه في فلسفة التاريخ.

ولا أريد أن أتكلم على الانتصارات التي حصلت بعد في العقدين الأخيرين وهي قابلة للحصر في خمسة انتصارات بعضها لما كانت تركيا مركز الخلافة وبعضها لما استردت هويتها ولم يعد مشروع الاندماج في أوروبا يغريها:

  1. معركة حماية الخلافة والبيضة والأمة بعد أن تخلى العرب عن هذا الدور ونكصوا إلى جاهليتهم ومرت الأمة بالكثير من الهزات كانت آخرتها سقوط الأندلس فعوضتها بالفتح الشرقي في البلقان والقوقاز بعد فشل الفتح الغربي بسقوط الأندلس.
  2. معركة التصدي لحروب الاسترداد التي كادت تفعل بالمغرب الكبير ما فعل الإسبان بالأندلس التصدي لشارل الخامس في المتوسط وبالجزيرة العربية ما فعلته البرتغال بامتدادات الإسلام في جنوب شرقي آسيا وفي الخليج العربي والبحر الأحمر وبحر العرب.
  3. معركة استرجاع الروح الإسلامية في شعب حاولوا ما يقرب من قرن تربية أجياله بمنطق تجفيف المنابع كما نرى ذلك في بلاد العرب مشرقها مغربها بدعوى التحديث وتعليل الانحطاط بالإسلام وحضارته وهو ما تم بصورة مذهلة في أقل من عقدين.
  4. معركة استرجاع السيادة الوطنية بفضل القضاء على دور العسكر المنحرف الذي يزعم حماية الجمهورية والتخلي عن سيادة الوطن إذ تعني الجمهورية عندهم العلمانية التي تعني هي بدورها الحرب على تاريخ الشعب المجيد ومحاولة التشبه بأوروبا التي تحتقرهم.
  5. أما المعركة الخامسة والجامعة التي ربحتها تركيا والتي يرعب أعداءها فهي معركة التنمية وبسرعة مذهبة مع المحافظة على أفضل ما في الديموقراطية دون رهنها بشرط العلمانية والتخلي عن القيم الإسلامية. وكان البرهان الحاسم فشل الانقلاب الأخير ليس بتدخل جيش ضد جيش بل بتدخل شعب ضد فرقة ضالة منه.

ليس هذا موضوع كلامي بل هو تعليل وصفي أردوغان بكونه معاوية الثاني من حيث استراتيجية خدمة القضية الأساسية التي هي عزة الإسلام واستعادة دوره الكوني في عصرنا. فمعاوية اخرج الأمة من الحرب الأهلية التي نتجت عن الفتنة الكبرى وأعاد وحدتها على الأقل طيلة القرن الأول.

وأردوغان بصدد تحقيق نفس الغاية. لكن المقارنة لا تقف عند هذا الحد بل هي تمتد إلى استراتيجية استعمال قوة العدو ضد صاحبها من اجل تحقيق أهداف الأمة مثل ما فعل معاوية الأول: الاسم فقط تغير كانت بيزنطة عند معاوية وصارت روسيا عند أردوغان:

  1. فقد هادن معاوية بيزنطة التي كانت هي بدورها تخاف إمكانية عودة فارس لو فشلت دولة الإسلام فكان من مصلحتها ألا تفشل لأنها كانت تستهين بثورة دخلت في حرب أهلية بين صف علي وصف معاوية خاصة.
  2. لكنه كان يفتك منها كل مستعمراتها من الشرق إلى الأندلس إلى أن أتى عبد الملك بن مروان فحقق القطيعة معها وعرب الإدارة والعملة رمزي السيادة. وانعكست العلاقة فصارت بيزنطة هي التي تدفع الجزية للخلافة الأموية.
  3. وهادن أردوغان روسيا التي تنوب بيزنطة في عصرنا بل ومنذ بداية ضعف الخلافة العثمانية فاستردت منها جل البلاد التي فتحتها وكادت تصل إلى استرداد الجزء الأوروبي منها لولا حصول الثورة فيها فلم تنل نصيبها من سايكس بيكو.
  4. واليوم تحاول روسيا محاصرة تركيا أرضا وبحرا من خلال معارك ثلاثة واحدة في سوريا والثانية في أذربيجان والثالثة في ليبيا. وكل هذه المعارك تجري لصالح تركيا بخلاف ما لا يفهمها فاقدوا البصيرة من حكام العرب ونخبهم.
  5. وهذا هو ما أريد الكلام فيه. لأن الأمر لا يتعلق بما حصل بل ما أتوقع حصوله إذا كان ما افترضه في الاستراتيجيا التركية هو عين ما تعمل به وما تؤيده الأحداث. فرمزية أذربيجان وسوريا وليبيا مهمة في هذه المعارك التي تبدو وكأنها تكبل تركيا وتشتت جهدها وهي تفتح لها الآفاق التي تجعل خطتها تتطور بسرعة لـ’كش ملك” لبوتين.

كيف ذلك؟ عرفت تحليلاتي دائما بالمفارقات التي من هذا الجنس لأني احدق في ما وراء السطح وانظر في الأعماق والجواب مصدره فهم هذه الرمزيات الثلاثة والجناحين في تحقيق شرطي السيادة أي علامتي الإرادة:

  1. القدرة على الرعاية الذاتية: تركيا صارت مكتفية في الغذاء والدواء.
  2. القدرة على الحماية الذاتية تركيا صارت مكتفية في العتاد والجهاد.

فتكون الشروط الخمسة هي العناصر التي اختم بها الكلام في هذه المسألة:

  1. لأي شيء ترمز معركة أذربيجان؟ الأعداء أرادوها لشغل تركيا حتى لا تتفرغ لمساعدة الشعب الليبي في معركة التحرير من المافيات التي يقودها الخائن حفتر والسيسي ويمولها المجرمان صاحب المنشار والخائن الدبار.
    لكنها فرصة لتركيا لتحقيق ما سيجعلها أكثر من ند لروسيا في كل مستعمراتها الإسلامية السابقة سواء في العهد القيصري أو في العهد السوفياتي. وهي فرصة لن تكلف تركيا ما يلهيها عن معركة ليبيا. أولا لأن أذربيجان محادة لتركيا ولا تحتاج إلا للخبرة والتسليح وليس لتدخل عسكري.
    وهي فرصة لأن كل المستعمرات الآسيوية التي احتلتها روسا في العهدين ستترك بسبب هذه المعركة وخاصة بفضل شهامة تركيا التي لم تتردد في المساندة وهو ما سيردع بوتين لأن ما فعله بالشيشان لن يستطيع تكراره.
  2. لأي شيء ترمز معركة اليونان الأولى؟ حرك أعداء تركيا اليونان وبدت تركيا وكأنها مغيبة فتقاسموا مع اليونان وإسرائيل الضفة الشرقية من المتوسط. لكن تركيا استفادت من هذه المحاولة فكان الاتفاق مع ليبيا وربما مع الجزائر.
    وحاولت مع تونس لكن نخبها حمقى ورئيسها عميل مثل بلحة وحفتر ومع ذلك صار دور تركيا في الضفة الجنوبية حتميا. فكانت كلمة أردوغان عن الدخان في القصر علامة على أنه فهم طبيعة مخاطبه. وفكر في الجزائر بديلا.
  3. وقد نجحت العملية بصورة ساحقة ماحقة في ليبيا حتى وإن بدت وكأنها قد توقفت كما يتوهم الحمقى فإنها من المكر الدبلوماسي لمزيد “التفريش” الدبلوماسي وخاصة لإيصال حفتر وزبانيته إلى المحاكمة بجرائم حرب وإنسانية وحتى تثمر معركة أذربيجان مع الروس بعد أن أثمرت معركة سوريا.
  4. عندئذ صارت تركيا هي التي تبادر بخلق الأزمات القصدية. فمشكلة الجزر المتنازع عليها مع اليونان سكتت عنها تركيا عقودا. والآن أحيتها تركيا. وكانت تعلم أن كل أوروبا ستتحد ضدها. لذلك كان الهدف جعل القضية محل نزاع حي كمن يحول دون الحوز والتحول إلى ملكية.
  5. وتلك هي الغاية التي هي بداية مراجعات 2023 وليس الحفر البترولي لأنها نجحت في حول قبرص. ما يعنيها يعود إلى هدفين:
  • الأول هو دفع ألمانيا إلى التدخل بالحسنى لمنع تطور القضية إلى حرب وقد حصل وهو ما يلغي كل توهمات ماكرون والعربان وحتى إسرائيل.
  • والثاني وهو الأهم إحياء المسألة وفرض التفاوض على اليونان ثمنا قدمته لمنع الحرب التي كانت ستندلع حتى قبل الأجل 2023 لفتح جناحي العملاق التركي.

وختاما فتركيا يمكنها الآن أن تخوض معركة ليبيا بمجرد أن يتقدم البحث الجنائي الدولي وفهم الأوروبيون أن ما يدعوهم إليه ماكرون هو الخطر عليهم وليس ما يسعى إليه أردوغان. وقد نجح بعد في إقناع أمريكا سيدة الحلف الأطلسي وربح إلى جانبه إيطاليا وبنحو ما ألمانيا وإسبانيا.

أما العربان أي السيسي فهو يبني تهديده على ما يتصور روسيا ستحول دونه فاعتبر ما سماه خطا أحمر هو ما سيكون كذلك عند الروس. لكن الروس عاجزون دون ذلك أولا الشرعية ضدهم وثانيا لأن ليبيا بعيدة عنهم وليس لهم فيها ما لديهم في سوريا وأخيرا فأمريكا لا تريدها قريبة من قواعدها في أوروبا.

ذلك هو معنى كش ملك الموجه لبوتين وللعملاء العرب في مصر السعودية والإمارات وللعملاء في تونس أو حتى في الجزائر من عبيد فرنسا. أما إسرائيل فهي لا تستطيع شيئا ضد إرادة أمريكا لأنها لا تستطيع الاستعداد للصدام مع الصين دون التهدئة مع المسلمين.

شاهد أيضاً

الظاهر والباطن وميزان معادن الرجال

أبو يعرب المرزوقي  بمناسبة عيد الإضحى هذه تحية خاصة لنبيل القروي أو لمن يسخرون منه …

مكر الله الخير كلما فتحوا معركة ربحتها تركيا

أبو يعرب المرزوقي  الفصل الثاني تكلمت امس على ما يبدو من المكر الإلهي في خروج …