السبت , 8 أغسطس 2020

مكر الله الخير كلما فتحوا معركة ربحتها تركيا

أبو يعرب المرزوقي 

الفصل الثاني

تكلمت امس على ما يبدو من المكر الإلهي في خروج تركيا رابحة من كل الأفخاخ التي نصبها لها أعداء مسيرتها داخلها ومن حولها في سعيها إلى النهوض والاستئناف وما تمثله من رمزية لنهوض الأمة والاستئناف الشامل في كل دار الإسلام.

فهي لم تخسر معركة التنمية في مستوييها الأصليين أي البحث العلمي وتطبيقاته شرطا إبداعيا وفي التنمية الاقتصادية والثقافية مع استعادة ذاتها لتثبت بذلك لكل المسلمين أن قيم الإسلام لا تحول دون التحديث المستقل وأن الحائل دون النهوض هو التحديث التابع.

والرمزية مضاعفة:
فمن بهزيمتهم التي آلت إلى إلغاء الخلافة بدى شمل المسلمين قد تفتت يستعيد قوته بسرعة مذهلة -في أقل من عقدين- دون نفي لتراكم سابق لأن تعميم التعليم وتحديث مؤسسات الدولة والجهاز الاقتصادي والاجتماعي لا يمكن أن تثمر في عقدين.

وعلى هذا الأساس أريد اليوم أن أفهم ما جعل المكر الإلهي الخير يصادف ما تحقق ليصبح قابلا مواتيا لهذا المكر فيجعل كل المعارك التي خيضت لصالح هذا البروز الذي سيزداد بعد كورونا لأن تركيا تبينت أكثر جهوزية من جل دول العالم وخاصة من كل دول أوروبا التي كانت تباهي بتقدمها بالقياس إلى تركيا.

ما أريد فهمه هو ما السر في النجاح في الحربين اللطيفة – أو الدبلوماسية – والعنيفة – أو العسكرية – رغم أن الأعراب يمولون كل من يحاربها وأن كل من هم من حولها لهم فائدة في محاربتها أي أوروبا وروسيا وإيران وإسرائيل ورغم أن كل هؤلاء لهم عملاء في تركيا نفسها؟

والمنطق يقتضي أن تفسيرا مناسبا انطلاقا من طبيعة الحربين اللطيفة والعنيفة والبحث في شروط حيازة هذا السر في تركيا الحالية لئلا يكون المكر الإلهي وكأنه يعمل رماية في عماية ولا يقتضي المبدأ القرآن العام مبدأ التغيير:
فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

ما الذي تغير في الاستعداد للمعركة اللطيفة؟
وما الذي تغير في الاستعداد للمعركة العنيفة؟

لا بد من الجواب عن هذين السؤالين إذا أردنا أن نفهم التوفيق الإلهي الذي جعل تركيا تصمد أمام :

  1. التمويل العربي في الحرب الاقتصادية وفي تمويل خصومها كلهم وهذا هو العامل الوحيد الذي يمكن للعرب أن يكون لهم دور لأن الثورة المضادة مؤلفة من أجبن دولتين واعجزهما في ما عدا تبديد ثروة شعبيهما لأن من يستعمرهما يفرض عليهما تمويل حروبه على نهوض الأمة.
  2. وحشية روسيا وإيران في سوريا وفي أذربيجان وكل القوقاز وحتى في البلقان ونفاق أوروبا وتلاعب الصهيونية بالقرار الأمريكي فيها جميعا لأن إسرائيل كان شرط إنشائها ضرب تركيا قلب الخلافة وشرط بقائها منع استئناف تركيا لدورها. وفي ذلك يتحالف الجميع مع الصهيونية وخاصة عربان الخليج وفتات الباطنية في الهلال.

إن الصمود في المعارك وربح الحروب لمن له دراية بنوعي الاستراتيجيا الأهم في تاريخ الفكر الاستراتيجي تعود إلى القدرة على التأثير اللطيف والتأثير العنيف في الأعداء.
والأول رمزه سن تسو
والثاني رمزه كلاوسفيتز.

لا يمكن لتركيا أن تكون قد وفقها الله للصمود من دون أن تكون قد أعدت لذلك الأسباب.
والأسباب تعود إلى الجهازين العصبيين في كل حضارة: الجهاز العصبي المطلق الشارط للرعاية
والجهاز العصبي الإضافي إليه وهو الشارط للحماية.

فالجهاز العصبي المطلق في أي جماعة إنسانية متأسسة على حرية شعبها هو البحث العلمي المعد لشروط الإنتاج المادي أو الاقتصاد والروحي أو الثقافة.
وهذا أبرز شيء تحقق بسرعة لا مثيل لها لأن تركيا أنجزت في العقدين الآخرين ما ضاعف قدرتها فيه أكثر من عشرة مرات بحيث إن مؤسساتها التعليمية والبحثية صارت أقرب إلى ما تمثله ألمانيا في أوروبا.
ولعل لذلك علاقة بما كان قد بدأ في المرحلة الأخيرة من الخلافة.

والجهاز العصبي الإضافي في أي جماعة إنسانية هادفة لحماية حرية شعبها هو شرط تطبيق الآية 60 من الأنفال أي الاستعداد الرادع للأعداء وشرطه الاستعلام والإعلام حول الشأن العام وشروط السلامة في الداخل وفي الخارج.
وفي هذا المضمار فإن تركيا صارت اليوم تضاهي ما ينسب عادة لدولة الصهاينة في تنظيم استعلاماتها حول شؤونها الداخلية وما يحيط بها من أخطار تتهدد امنها وسيادتها.

لكن ذلك كله لا يكفي بل لا بد من تحديد سر النجاح الدبلوماسي والنجاح الحربي لأن الاستعداد لا يكفي إذا لم يختبر بالفعل.
إذ شتان بين السيناريو الافتراض للمعارك الدبلوماسية والعسكرية وبينها عندما تجري بالفعل.

وسأكتفي بمثالين:

أولهما ما جرى في ليبيا
ففي ليبيا تبين أن تركيا ربحت المعركة الدبلوماسية لما اعتمدت الشرعية والتخطيط بعيد المدى بأن ربطت المصلحتين التركية والليبية بحيث إن تدخلها يجمع بين التركي الخاص والإسلامي العام ويحصنهما بالشرعية العامة التي تجعل استعمال القوة شرعيا.
لكن قبل ذلك ربح المعركة الدبلوماسية بتفريق صف الأوروبيين أولا وربح الموقف الأمريكي.

والثاني في الجزر التي سيطرت عليها اليونان بعد هزيمة العرب العالمية الأولى وسقوط الخلافة فضلا عن معركة قبرص التي حسمها الأستاذ حربيا وأتمها التلميذ استفادة من ثمراتها اقتصاديا من خلال البحث عن الثروات الطاقية.
وهنا عكست.
بدت تركيا وكأنها عملت ضد الشرعية الدولية لأنها حاولت تجاوز الستاتي كوو الحالي في العلاقة بينها وبين اليونان حول الجزر.

كان المشكل هو:
كيف تغير تركيا الاستاتيكوو دون أن تخوض حربا غير شرعية بمنطق القانون الدولي؟
لو كانت تركيا عاجزة عن التهديد بالحرب عند اللزوم لما أقدمت.
وما كانت لتقدم لو لم تكن متأكدة من أن أوروبا ليست مستعدة للحرب.
لذلك فما انتظرته حصل:
التدخل الألماني أوقف الحرب الممكنة بشرط إنهاء الستاتكوو.
وتركيا لا تريد أكثر من ذلك.
بعد الآن إذا لم تحصل على حقوقها فستخوض الحرب والحق معها فتكون عملية شرعية.

لكن هل كان كل ذلك يكون ممكنا لو كانت تركيا لا تملك إلا ما بدا وكأنه كل ما لديها أي ما استعملته في مساندة ليبيا وفي معركتها الأخيرة في سوريا ؟
لما توقفت الحرب في إدلب ظن الكثير أن تركيا هي الخاسرة خاصة وقد قام بوتين بتلك التمثيلية التي جعلت أردوغان ينتظر في الباب عند اللقاء في موسكو.

لكني كتبت يومها أن ذلك دليل ضعف بوتين وليس دليل قوة. وأن أردوغان قبل بالتمثيلية لأنه كان يريد مساعدة بوتين على “بلع الحربوشة”:
وهي التخلي عما وعد به علنا من ضرورة استرداد إدلب وطرد الجيش التركي منها ومعه كل الثورة السورية. وذلك هو نصر أردوغان وهزيمة بوتين عند من يفهم معنى النصر والهزيمة.

وما كان بوتين يذعن لو كان ما لدى تركيا من المفاجئات مقصورا على ما ظهر في إدلب أو في ليبيا أو في اليونان.
لا بد أن بوتين أدرك أن تركيا تخفي أكثر مما تظهر من المفاجآت. لا يمكن لتركيا أن تدخل في حروب إذا كان كل ما تملكه من الأسرار العسكرية هو الدرون.

سيقال إذا كان ما تفترضه صحيحا فكيف نفهم توقف معركة سرت والجفرة؟
وهنا ينبغي أن نفهم امرين حتى نجيب:

  1. ما حدث قبل معركة سرت والجفرة أي في ما كان يخنق طرابلس الغرب أهم منها لعلتين:
    • الأولى لأنها متنت وضعية السلطة الشرعية وهي أساس شرعية المساعدة التركية وذلك بإزالة ما يمنع من تواصلها لأنها لو سقطت لصار التدخل التركي غير شرعي لأن الحكومة التي دعتها تكون قد زالت.
    • والثانية لأنها أخرجت أخطر عدو في المعركة الليبية صفر الكفين أقصد فرنسا التي كانت تكذب على الرأي العام الدولي فتدعي الوقوف مع الشرعية وتحارب مع حفتر فضح الدور الروسي الذي يساعد حفتر عن طريق فاجنر ويدعي احترام الشرعية الدولية.
  2. وما سيحدث في معركة سرت والجفرة سيكون مع الشلايك العربية ولم يعد بوسع فرنسا ولا روسيا التدخل إلا بتوسط جيش مصر الذي أي نسمة تجعله ينهار ولا فائدة من اعتبار المعركة معه أمرا ذا بال. وحتى يتم ذلك لا بد من التعطيل التام لفرنسا وروسيا اللتين قد تشاركان في الحرب خفية.

لذلك بات من الضروري إكمال المعركة الدبلوماسية لإسقاط دور فرنسا وروسيا اللامباشر بتوسط العرب من خلال تجريم ما حصل في معركة غرب ليبيا السابقة.
وهو ما يجري حاليا مع التركيز على التناقضات الأوروبية ضد فرنسا والتناقضات الأطلسية ضد روسيا.

ويبقى ما تخفيه تركيا من مفاجآت تسليحية واستراتيجية السر الدفين الذي يجعلها لا تخشى المغامرة. فلا يمكن أن تغامر تركيا في الحرب -وقد تندلع في أي لحظة- لو لم يكن لها ما يجعلها لا تندلع لأن الأعداء لا يجهلون الممكنات التي تخفيها تركيا إذا اضطرت لخوض الحرب.

وهذه الممكنات من الأسرار التي يعلمها أهل الاستعلام عند الأعداء. لكن السرائر لا يعلمها إلا الله وهي ما لا يمكن تفسير شيء في التاريخ الإنساني من دونها. فالأمة الإسلامية التي انتصرت وأسستها دولة عالمية

  • يوم كانت ماديا من أضعف الأمم فتمكنت من هزيمة امبراطوريتي العصر وفتح العالم بقيم الأخوة البشرية (النساء و1) والمساواة بينهم (الحجرات 13).
  • ستكون سيدة العالم لما جمعت إلى الإيمان بأنها شاهدة على العالمين وعدا من ربهم شروط القوة العلمية والتنقية والمادية لا يمكن أن تهزم أبدا.

والله اعلم وأحكم.
والسلام

شاهد أيضاً

الظاهر والباطن وميزان معادن الرجال

أبو يعرب المرزوقي  بمناسبة عيد الإضحى هذه تحية خاصة لنبيل القروي أو لمن يسخرون منه …

مكر الله الخير كلما فتحوا معركة ربحتها تركيا

أبو يعرب المرزوقي  لا يمكن ألا أكون مطمئنا بأن الإسلام استأنف دوره الكوني في التاريخ …