السبت , 8 أغسطس 2020

معركة يوم الوقفة

صالح التيزاوي 

معركة الثلاثين من يوليو أو معركة “يوم الوقفة” معركة كبيرة بكلّ المقاييس، ستفخر بها أجيال قادمة، وحقيق أن تدرّس في الفكر السّياسي المعاصر، وحقيق أن تفخر بها تونس لفرادتها في العالم العربي. بينما تعيش شعوب كثيرة على امتداد الوطن العربي مشاكل الإستبداد، تعيش تونس مشكلات الحرّيّة.. وفيما تقبر شعوب تحت البراميل المتفجّرة وتئنّ أخرى تحت أحذية العسكر وسطوة المليشيات، تحسم تونس خلافاتها بأدوات ديمقراطيّة.. 30 يوليو يوم من أيّام الدّيمقراطيّة في تونس أو لعلّه عرسها.. كشف أنّ مسار الإنتقال الدّيمقراطيّ في تونس مازال قائما، رغم ما لقي من عراقيل، زرعتها الثّورة المضادة والحالمون بالعودة إلى عهود الإستبداد، مستغلّين فشل الثْورة في تحقيق إنتظارات النّاس.

زاد من تفاقم أزماته، تصريحات الرّئيس التي لا تتخلّف كلّما سمحت الفرصة عن قصور النّظام السّياسي وضرورة مراجعته مستغلّا أمرين مهمّين:

  1. وصول الأحزاب السّياسيّة إلى أدنى مستويات التّرذيل والإنحطاط، تشتّتا وتنافيا وممارسة وقلّة مسؤوليّة.
  2. غياب المحكمة الدّستوريّة، يشجّع الرّئيس على المضيّ في تأويل نصوص الدّستور، من ذلك “الشّخصيّة الأقدر”، بما يتماشى مع تصوّره للنّظام السّيسي الذي يريده، نظاما مجالسيّا، لا يختلف عن فكرة اللْجان الشّعبيّة، التي ارتبط تاريخها في ليبيا بالرّعب.. أليس من المجازفة استبدال نظام ديمقراطي واضح المعالم ممارسة وتطبيقا بفكرة غامضة تفتح على المجهول.

يخطئ من يعتقد أنّ في سقوط اللائحة انتصارا لرمز أو حزب أو حلف.
ويخطئ من يقرأ في عدد المصوّتين على لائحة سحب الثّقة انتصارا أو إيذانا بانتصارات قادمة وقد يجعل من ذلك صراعا وجوديّا، يغري بإعادة المحاولة.
ويخطئ من يعتقد أنّ المعركة قد وضعت أوزارها، بل سيشتدّ أوارها في إياب البرلمان التّونسي (بعد انقضاء عطلته)… علّق بعضهم: عائدون !!
ويخطئ من لا يستخلص الدّروس من المعركة في جولتها الثّانيّة… من جهة من قدّموا لائحة سحب الثّقة ومن جهة من نجوا من فأس سحب الثّقة… باتت المراجعات متأكّدة ومطلوبة من الجانبين لمصلحة الجميع ولمصلحة المعارك الحقيقيّة.
ويخطئ من يتصوّر أن المعركة داخليّة خالصة…  فالأيادي الخارجيّة ليست خافية ولا يحتاج الأمر إلى عميق نظر.. تتّجه أصابع الإتّهام إلى الإمارات كدولة وظيفيّة تتعامل مع نخب وظيفيّة لإفشال مسار الإنتقال الدّيمقراطي في تونس، مهما كان الثّمن وبكلّ أشكال العنف والتّآمر الذي خرج من السّرّ إلى العلن.
يحتاج الأمر إلى تدخّل واضح من أعلى أجهزة الدّولة لإيقاف هذه الدّويلة عن تدخّلها السّافر في الشّأن التّونسي وتعريض السّلم الإجتماعي للخطر. ولا يحتاج إثبات تورّطها إلى أدلّة أوضح ممّا يقوم به إعلامها والإعلام المصري والسْعودي من حملات تشويه للتّجربة التونسية ودعم سافر لأطراف فاشيّة ونخب استئصاليْة، من خلال تغطية أنشطتهم واستضافتهم في منابر إعلاميّة. ولقد كان للدّكتور المنصف المرزوقي إبّان رئاسته من الشْجاعة ما جعله يذكر الإمارات بالإسم ويدعوها إلى الكفّ عن محاولات تخريب التّجربة التّونسيّة.
ويخطئ من يعتقد أن عصر الأحزاب قد انتهى، فالمعركة كانت حزبيّة بامتياز.. يقينا أن تصوّر حياة سياسيّة من دون أحزاب مهما كانت رداءتها، هو من قبيل الوهم ومن قبيل التّبرير لمراجعة النّظام السّياسي القائم لجعله رئاسويّا يجمع كلّ السّلطات ويضع يده على البرلمان وعلى الحكومة بمقتضى التكليف الجديد ويحتكر تأويل الدّستور تنفيذا لشهوة شخصيّة.. مهما قيل إنّها تعبير عن إرادة الشّعب.

حسمت معركة سحب الثّقة من رئيس البرلمان لصالحه ولكن إلى حين… شراسة المعركة تنبئ بمثيلات لها بعد العطلة البرلمانيّة. لقد كشفت المعركة عن انقسام حادّ في البرلمان، سينعكس على تشكيل الحكومة المرتقبة، ولا جدال في أنّ المكلّف الجديد هو أيضا معنى بإن يضع نتائج التصويت نصب عينيه في مسعى التّشكيل. سقطت اللائحة ولم يسقط الإنقسام… ولن تسقط محاولات التّخريب.. سيعودون برعاية نفس الدّويلة المارقة.. وربّما بمؤامرات أقوى وأشدّ.

شاهد أيضاً

حرب “الكلاسن”

صالح التيزاوي  حكاية الفاشيين مع الفن ومع الإعلام الحرّ، حكاية طويلة، ليست أطول في كلّ …

لا جا عالبال ولا عالخاطر

صالح التيزاوي  آل اختيار “الأقدر” مرّة ثانية لرئيس الجمهوريّة، كما ينصّ على ذلك الدّستور، وهذا …