السبت , 8 أغسطس 2020

في فضل الكلاب على بعض من يرتدون الثّياب !

عبد اللطيف علوي 

كان لـ”داده” كلبان عظيمان، يحظيان بكامل الاحترام لجليل صفاتهما الكلبيّة الرّائعة، كانا من أنبل ما ربّت من الكلاب العربي، وكلّ ما في داده أصيل وجميل، وبلا مثيل، حتّى كلابها، كانت تأخذ عنها الكثير من طبعها، وقديما قيل: “الكلاب على طباع أهلها”، وقد أدركت منذ الصّغر، بالحدس وحده، أنّك تستطيع أن تعرف طباع الكثيرين من القوم من خلال طباع كلابهم، الكلب الغدّار يحمل الكثير من غدر أهله، وإذا كان الكلب أمينا لا يهاجم إلاّ معتديا، فإنّ أهله لا شكّ من أصفياء السّريرة مخلصي النّوايا…

كانت داده تربطهما كامل اليوم، وفي الليل تفكّ الرّباط وتغدق عليهما من العشاء بمتعة ومحبّة خاصّة، ثمّ تغلق بابها وينام الجميع مطمئنّين أنّه لا شيء يمكن أن يحوم حول الحمى، ولا الجنّ الأزرق…
في تلك اللّيالي، تبيت أكياس القمح في البيادر، والتّبن في الأكوام، فلا يعرف اللصوص ولا النار طريقا إليها… وتبيت الأغنام مستروحة في “المراح”، والأبقار موثوقة إلى جذوع الشّجر، ويقوم الكلبان بالمهمّة المقدّسة كلّ ليلة، بمنتهى الصّحو والإيمان والوفاء والحبّ، كنّا نبيت إلى جانبها أحيانا، فنظلّ طول الليل نسمع وقع ركضهما حول المعمّرة في كلّ الاتّجاهات، ونباحا صارما يعلو ويخفت ويحتدّ محذّرا كلّما اقتربت حركة غريبة، في تفان أسطوريّ غريب عجيب يثير الذّهول!!!

أحيانا كنّا نسهر عندها إلى وقت متأخّر من اللّيل، وحين ننهض للعودة، تأمر “داده” ابنتها قائلة: “نادي الكلاب باش يشيّعوهم!”
وكانا يفهمان الإشارة على الفور ويندفعان أمامنا يستكشفان المسارب ويتشمّمان الصّخور وأكوام الأعشاب وروائح الخطى وما خفي داخل صفوف الهندي وهياكل الأشجار المنتصبة في الليل كأرواح العبابيث، يقطعان بنا الأجنّة والسّواقي وهما يتراكضان أمامنا وخلفنا، يبتعدان ويقتربان، يداعبان أرجلنا كي نطمئنّ ثمّ يركضان حولنا ثانية في خطوط دائريّة أو ملتوية أو متداخلة…
كنّا نسير في الظّلام الدامس مطمئنّين كأنّنا في حماية جيش كامل، نأمن كلاب الجيران أو الكلاب الضّالّة وحتّى الأفاعي المتربصة باسترخاء في ليالي الصيف المهيبة…
وحين يوصلاننا إلى باب البيت، يقعيان قريبا ينتظران أن ندخل و نغلق الباب، ثمّ يعودان أدراجهما وقد اطمأنّا تماما إلى أنّ المهمّة قد تمّت بنجاح كامل، وأنّهما قد أدّيا واجب الأمانة على أكمل وجه!

لماذا أتذكّر هذا الآن؟!
لا أعرف!
أو بالأحرى، لعلّ أحدكم يعرف، فيخبر البقيّة!
ليلتكم زينة، وكلّ عام وأنتم من أهل الأمانة.

شاهد أيضاً

رسالة إلى شباب ائتلاف الكرامة

أبو يعرب المرزوقي  هو تعليق على موقف عبر عنه الأستاذ الأديب عبد اللطيف علوي من …

سيدي الرّئيس، ما معنى أنّك أنت والطبوبي مشاريع شهادة ؟

عبد اللطيف علوي  سيدي الرّئيس، ما معنى أنّك أنت والطّبّوبي مشاريع شهادة؟ هو انتو حتحاربوا …