الإثنين , 30 نوفمبر 2020

وماذا لو تنحّى الغنّوشي ؟

نور الدين الغيلوفي 

هكذا المخلصون في كلّ صوبِ / رشقات الردى إليهم متاحة
أبو القاسم الشابيّ

كنت ضدّ أن يترشّح الغنّوشي لأيّ منصب في الدولة وضدّ ترشّحه للبرلمان وضدّ أن يكون رئيسا للبرلمان مع أنّ كلَّ ذلك من حقّه، مواطنًا تونسيًّا كامل الحقوق في بلاد قامت فيها ثورة ضدّ نظام دكتاتوريّ كان يطارده حتّى وهو في منفاه في لندن…

من الناس من ينكر أيّ صلة للغنّوشي بالثورة.. كأنّ الثورة “مقطوعة من شجرة” وكأنّ خلاصتها أيّام الانتفاض التي فرّ عند ذروتها رأس النظام.. هؤلاء لا يعرفون مقادير الرجال ولا يملكون موازين القسط…

لا نزال نذكر، في بداية زمن الفضائيات، كيف كان بعض الناس إذا أُعلن عن حضور الغنّوشي ببرنامج من البرامج التلفزيونية يمنع عن أهله تشغيل التلفزيون ببيته ومن الناس من كان يذهب به الخوف بعيدا فيقطع عن بيته النور الكهربائيّ مخافة أن يرتاب الوشاة في أمره ويظنّوا مشاهدته للغنّوشي ببيته.. ولم ننس منع النظام لمنشورات مركز دراسات الوحدة العربية من الدخول إلى تونس بعد أن نشر المركز كتاب راشد الغنوشي “الحريات العامّة في الدولة الإسلاميّة”.. لقد ظلّ الرجل مطارَدًا برسمه وباسمه منذ عُرف اسمه في البلاد…

راشد الغنّوشي كان، ولا يزال، رجل فكر ونشاط دائبين متلازمين.. أخطأ وأصاب كما يجري على كل بشر يكسب ويكتسب.. ولم يفعل ما يستحقّ عليه كلّ هذا التشويه من رجال ونساء من محدثي السياسة كانوا يتمعّشون من الدكتاتورية ولمّا جاءت الحرية قفزوا إلى الصدارة ليقولوا في الغنوشي ما لا يليق بالبلاد ولا بالثورة وما لا ترضى به الأخلاق ولا يقبل به الأدب…

رأس الغنوشي مطلوب لا لأنه زعيم حركة النهضة تعبيرةِ الإسلام السياسي في تونس.. فجماعات الإسلام السياسي المتطرّفة تلقى دعما من الدكتاتوريات وغضًا للطرْف، بل دعمًا متواصلا، من الدول الاستعمارية في سوريا وفي اليمن وفي مصر وفي ليبيا.. وفي كلّ بؤرة توتّر في العالم.. هؤلاء المتطرّفون الجهَلة هم أفضل وصفة لتشويه الإسلام والمسلمين بمن فيهم أولئك الذين يرون في هؤلاء المتطرّفين أعداءهم الجذريين.. لِحِيٌّ وقمصان وفتاوى على إيقاع الأسلحة والإرهاب.. كلّ ذلك يُسكت عنه أمّا ريع التشويه فيجنيه من يسوّقون صورة الإسلام المعتدل مثل الغنّوشي ونظرائه…

رأس الغنوشي مطلوب لأنّ أطروحته تفنّد الأطروحة التي ترى في الإسلام قرين العنف والإرهاب.. الرجل يقول دائما إنّ شعوبا قادرة على الإطاحة بالدكتاتوريات بالطرق السلميّة لا تحتاج إلى العنف لترجمة إراداتها.. العنف يخرّب ولا يبني.. يحرق الحقل ولا ينبت زرعا… الغنّوشي مطلوب رأسه لأنّه يحمل الفكرة الشاهدة على أن الديمقراطية ليست نقيضا للإسلام وأنّك لا يمكن أن تعقد بالإكراه على الدين قلبًا…

ما يقال في الغنوشي اليوم من خصوم بلا وزن قيل من قبل، ويقال في كل زمان في شأن أفذاذ نجحوا في أن يكونوا استثناء في بلدانهم.. ولقد كان الغنّوشي استثناءً.. لا تنظر إلى تعامل الإسلاميين مع الغنّوشي ولاحظ ما يفعله معه خصومه إذا التقوه…

قد تأبى أن ترى فيه غير ما يرضي هواك فيه ولكنّ الرجل قد حفر اسمه في التاريخ وكسب احترام دوائر كثيرة على صُعُدٍ متعدّدة.. وكُرَهُكَ إيّاه سيكون في خدمته ويصبّ في مصلحته لأنّك لا تملك أن تنصف خصمك ظنًّا منك أنّ في ذلك خصمًا من نصيبك في الثناء…

كرهك للغنوشي وحقدك الأعمى عليه لا ينفي أنّه رجل فكّر ونجح في ترجمة أفكاره إلى وقائع سياسيّة مؤثّرة.. ولا ينفي أنّ الرجل قد لفت إليه الأنظار.. الرجل له من الكارهين بقدر ما له من المحبّين.. يكرهه حتّى أولئك الذين لم يتسبّب لهم في ضرر..

لك أن تحمل له الكره الذي تحتمل ولكن أرأيت الناس يحملون كُرَهًا لغير ذي شأن؟ يا هذا.. كرهك يصبّ في رصيد الرجل من حيث تدري ومن حيث لا تدري…

سنقول إنّ الغنّوشي يلقى ما لقيه من قبله ذوو شأن كثْرٌ ظُلموا في حياتهم ولكنّ التاريخ من بعدهم أنصفهم وحشر صور من كادوا لهم في زوايا الظالمين والفاسدين وأعداء الإصلاح.. في بلادنا لقيَ الطاهر الحدّاد ما لقيَه ولكنّه الآن تزدان باسمه المحافل.. وظُلم غير الحدّاد كثيرون.. ولو أن العقل كان حكَما لاحتُفيَ بالحدّاد من قبل واحتُفيَ بالغنّوشي من بعد.. ولكن أنّى لخصوم الغنوشي أن يروا منه ما لم يره خصوم الحدّاد من الحدّاد؟

ليس اعتباطا أن يجتمع ضدّ الغنّوشي توابع بن علي ومن عاشوا في نظامه برتبة قوّادين إلى أنصار حكّام مستبدّين لا يحسنون غير ترديد ما قيل لهم ممّا كُتب في أروقة مخابرات تلك الأنظمة المجرمة دون أن يكون بمستطاعهم أن يبنوا معنى ولا حتّى أن يفسّروا وظيفتهم في الحياة…

اليوم يُستهدَف راشد الغنّوشي بسحب الثقة منه وبمنعه من أن يكون رئيسا للبرلمان لتكون السلطة خالصة في يد قيس سعيد رئيس الجمهوريّة في ارتكاسة إلى نظام رئاسيّ قامت الثورة ضدّه ووضع له الدستور حدّا.. واضح إذن أنّ البرلمان ذاته هو المستهدَف من الحملة التي يشنّها بعض البرلمانيين على الغنّوشي في تبعية واضحة للنائبة عبير موسي القادمة من صفوف التجمّع الدستوري الديمقراطيّ المنحلّ وفي التقاء مبدئيّ موضوعي بينها وبين من يصنّفون أنفسهم من أبناء الثورة والعاملين عليها…

لك أن تقارن الغنّوشي بأشخاص من الصعيد ذاته مثل الدكتور منصف المرزوقي والأستاذ أحمد نجيب الشابّي والسيّد حمّة الهمّامي ولكن من الظلم أن تقارن ما لا يقارن وأن تزن قيس سعيّد بما تزن به راشد الغنّوشي…

الغنّوشي قدّم لنفسه واستحقّ ما صار إليه بكسبه بما له وما عليه.. أمّا قيس سعيد فلا له ولا عليه.. دخل السياسة كيوم ولدته أمّه.. محدَث سياسة هو لم يُؤثر عنه موقف من الدكتاتورية يُحسب له ولم يُعرف له رأي حرّ أو انتصار لرأي حرّ أو بناء لفكرة تُحسَب له…

لن يضرّ راشد الغنّوشي أن تُسحب منه رئاسة البرلمان ولا أن يعود مجرّد نائب مثل غيره من نواب البرلمان.. ولن يضيره أن يعود إلى بيته ليستكمل ما بقي له من حياته يقرأ ويكتب.. ولكنّ الغنّوشي رجل ديمقراطي احتمل من ظلم الغوغاء واعتداءات الحرافيش ما لن يستطيعوا مثله إذا استتبّ الأمر لقيس سعيّد الذي يبدو أنّه لا يزال سكرانا بنسبة انتخابه يرى في نفسه مبعوث السماء يحكم بوحيها حكم من لا ينطق عن الهوى…

شاهد أيضاً

كفى نفاقا… ما معنى مطالب مشروعة ؟

نور الدين الغيلوفي  رأي لن يعجب كثيرين ما معنى مطالب مشروعة ؟ ضعُف الطالب والمطلوب …

ماكينة الفساد

نور الدين الغيلوفي   محاولة في التفكيك الفاسدون انفردوا بالدولة فعبثوا بها ثمّ صاروا وجها لوجه …

اترك رد