الثلاثاء , 27 أكتوبر 2020

ما الذي يحدث ؟ وما العمل ؟

عبد الرزاق الحاج مسعود 

لنفهم لحظة معقدة إلى درجة تُزهّد في التفكير وتغري بالركون إلى نعتها بالغموض وكفى، ضروري أن نعرف جذور هذا الغموض ومنابعه لنعمل على تبديده.

ماذا يريد سعيد بالضبط؟
هو يقول أنه يعمل على تجسيد إرادة الشعب. أي شعب؟ الذي فوّضه في الدور الثاني في شبه بيعة. هنا عقدة أولى : الذين صوتوا لسعيد في الدور الأول 620 ألف ناخب فقط، هذا هو حجم مشروعيته التي يرفعها في وجه الجميع. كيف صار عددهم مليونان و778 ألف ناخب ؟
هنا مربط الجحش.. بالأحزاب التي يؤمن سعيد أن دورها انتهى ويجب أن تزول ببساطة. قواعد التيار والشعب والنهضة والكرامة نشطوا بقوة (قوة حمقاء طبعا حسب رأيي.. مرة أخرى) في حملة سعيد خلال الدور الثاني. وهم الذين عبّأوا جزءا كبيرا من غير جمهورهم (آلاف صوتوا للمرة الأولى) لصالح سعيد بشعارات أخلاقوية غرائزية ضد القروي/ الشر المطلق والمتعيّن، فحصل سعيّد على بيعة شعبية استثنائية بعد أن اعتقد الجميع أن الشعب لن يعود إلى الانتخاب.. ويوم عاد، اختار سعيد.

مضمون البيعة؟
لا شيء طبعا. إلا شذرات تفسيرية هذيانية حول قلب هرم السلطة لتصير من الأسفل إلى الأعلى. يعني لا وجاهة للقول الرديء السائد من أن الكتلة الشعبية الناخبة لسعيد فوضته بديلا عن الأحزاب. التفويض له دلالة وحيدة عندي: التونسيون نخبا وناخبين لم يدخلوا عصر السياسة وهم مشدودون عموما إلى حس سطحي أخلاقوي يسهل اختراقه وتوظيفه. من هنا السؤال الموالي والمهم :

من هو قيس سعيّد؟
قيل كل الكلام حول حقيقته المفترضة ولم يقطع أحد بشيء.
رأيي أنه.. هو أيضا لا يعرف من هو. لا تستقيم عندي فرضية ذكائه الخارق الذي مكنه من أن يتسلل “noyauter” إلى المشهد كله وإلى مخيال الناخبين (حتى تروتسكي رائد فكرة الاختراق والتنويت استهدف الأحزاب والتنظيمات والأجهزة لا الوعي والخيال). فرضية أنه صُنع أو دُعِّم من قبل مخابرات أجنبية كما فعلت روسيا مع ترامب غير مستبعدة، ببساطة لأن السياسة اليوم مجال مفتوح عالميا، ولم تعد هذه الممارسات سرا أو طوطما. وهي عموما أجهزة تختار أشخاصا محدودي القدرات الذهنية وبارانوياك. سلوك ترامب نموذج مثالي لهذه الشخصية. بوتين أيضا، مع إضافة نشأة عنيفة داخل الـ “KGB” وسياق ضمير قومي روسي جريح بسقوط الإمبراطورية السوفياتية.

يهمنا نحن أن نجيب هنا والآن على سؤال حدود صلاحية هذا النموذج عندنا؟
البعض يرى أن فشل الأحزاب في تمثل متطلبات الديمقراطية الناجعة والمنتجة للتقدم (وهذه للأسف حقيقة قائمة لأسباب تعود إلى تعطل كل أولويات إنتاج الجديد في مجتمعنا الراكد) ذريعة كافية لترك سعيد يجرب فينا “عقده”، أو بالأحرى تركه هو أيضا ضحية مستخدمين كثر يتدافعون الآن في اتجاهه كذباب المزابل.
طبعا لست مع هذا الرأي الاستسلامي والمسكون بقدرية سحرية جوهرها “بالكش يصدف ويحققلنا ما عجز الجميع عن تحقيقه”.
هذا طبعا حديث خارج العقل وخارج السياسة.
كلفة إصلاح الحياة الحزبية البائسة أقل بكثير من كلفة المراهنة على سيدي محرز.

المطلوب أن تجتمع كل مكونات الانتظام المدني والسياسي حول مشروع إنقاذ عاجل للسياسة القليلة والديمقراطية المتعثرة.

وكم أتمنى أن أرى خلال أيام ندوة صحفية مشتركة بين كل الأحزاب والمنظمات والجمعيات والنخب يعبرون فيها عن فكرة وحيدة: كنا أحمرة جميعا. ونستطيع أن نتدارك، لنترك للجيل القادم دولة مؤسسات لا دولة يديرها فرد.. سواء كان عبقريا. أو… /.

شاهد أيضاً

ماكرون رئيس صغير …

عبد الرزاق الحاج مسعود  ماكرون يسيء إلى صورة فرنسا والى شعبها المتعدد والى الاستقرار في …

الحرية الفاضحة

عبد الرزاق الحاج مسعود  زمن الدكتاتورية، كنا نظن أن انجلاءها كاف وزيادة لإقامة دولة الحقوق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.