الخميس , 29 أكتوبر 2020

التعليق خارج الأسوار ووراء المتاريس

سفيان العلوي 

لا ازعم اني صاحب رأي في هذا الفضاء ولم ادع ذلك يوما وأجدني ربما اقرب إلى إسكافي صغير في طرف سوق التدوين الكبير. ولم اكن القي بالا كثيرا للتعاليق على هامش التدوينات إلا على جداري من باب احترام الضيف أو المحاور. مع الوقت يتبين لي أن هذه التعليقات وشواشها هي العاكسة الحينية للمزاج العام وهي اكثر صدقا من التدوينات المتذاكية وذات الحياد الكاذب وحذلقة اللغة المتعثرة والمستترة. من الخطر التعامل معها كأفكار مكتملة الشروط والنسق ومن غير اللائق تجاهلها بالجملة.

لعبة الوصم والتصنيفات الظالمة
يتحاشى الكثير الكتابة الحرة والتعليق مخافة تصنيفه عموديا وأفقيا مع هذا الفريق أو ذاك ويصبح الغموض أو الانسحاب سلاحا اجتماعيا نفسيا للإفلات من الوصم والتصنيف ومع ذلك فهو يملك موقفا حرم من الإصداح به واختبار صدقيته وقوته. وللوصم خطورة مؤكدة فهو يحاكم الشخص وأفكاره مسبقا لأنه اعد له القفص مسبقا وأخضعه لمعبر التقبل أو الاستبعاد. التيكة والرشمة أداة فرز اجتماعي فاعلة لا تتوقف عند الموقف بل يمكن أن تتحكم في ترقية أو نقلة أو توظيف أو حتى انفتاح جيرة وزمالة أو صداقة وغيرها.

ثقافة الحوار ووهم امتلاك الحقيقة
نحن أهل كلام وثرثرة لكننا لم نتحول بعد إلى أهل حوار. لنا من فائض الوقت وضيقه ما يكفي لشحنه بالكلام لمجرد الكلام وتوسيع مساحة توسع الذات خارج حدودها الطبيعية والواقع أن الحديث في السياسة خاصة جديد علينا. لم نتدرب عليه بما يكفي ولا نتحكم فيه وفي محتواه. هناك من سبقنا إليه وتمرس على إدارته وتوجيهه حيث أراد وهو يتناول قهوته ويسقي حديقته ويطعم كلبه أو يحك أنفه.

الأسوار والمتاريس لعبة ترق اجتماعي
ليس هناك مجتمع متجانس بالكامل إلا في المجتمعات البدائية ربما وحتى هذه فهي لا تخل من تراتبية. المجتمع منقسم عموديا وأفقيا. تتفاوت فيه الفرص وتوزيع المواقع والثروة. وخريطة الكلام تعيد إنتاج خريطة توزيع الفرص والمواقع والثروة. تعيد الإنتاج أو تجدد الخريطة لذلك يتحول الكلام إلى سلطة وساحة حربية تهز الطمأنينة الكسولة وتستنفر قواعد التقسيم الدفينة وتصنع الغول والشيطان وتخرجهما من التفاصيل إلى الساحة، ساحة معارك الكلام. وهنا تنشأ الأسوار والمتاريس.

ورطة المشاعر في جبة الأفكار
كنت دوما أصر على أن الأفكار تناقش أما المشاعر فلا تناقش. نتفهمها أو نتجاهلها أو نسر اثرها في النفس أو نتصدى لها انتصارا لكرامة مجروحة أو نستلطفها ونجاملها ولكننا لا نعتد بها. لكن تحليل الخطاب والقدرة على الربط مع المزاج العام ومع السياقات يساعدنا على اكتشاف التمثلات وتوجيهها واستخلاص الدروس واختبار الفرضيات والإشكاليات وسبر الآراء.

تدوير الزوايا هل ينفع؟
كل الآراء التي تحاول إزالة الأسوار وفتح المتاريس محمولة على ثقافة الحوار تمر باهتة أمام حرب الكلام بلا لون ولا طعم ولا رائحة تخون إنتظارات “كبش النطيح” ولا تعدو أن تكون سوى نفاق أو تقية خارج الأسوار. ولكنها تمتص العنف لحظة الاشتباك وتعيد إحلال العقل في الفعل الاجتماعي. عندما ينفض السوق يرحل الجميع يبقى المكاس في انتظار يوم آخر.

شاهد أيضاً

لا تستهينوا بخبر الشروق الكاذب والمكذب رسميا

سفيان العلوي  تلك أمنية أو بلغة المؤامرة ذلك سيناريو لم تنضج شروطه بعد تعفينا للأوضاع …

النهضة وأزمة شراكة الحكم

سفيان العلوي  صار معلوما أن الأزمة السياسية الحالية لها جذور هيكلية مرتبطة بصعوبات الانتقال ما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.