الإثنين , 30 نوفمبر 2020

معادلة الاختراق بأداتي الفعل السياسي الانقلابي

أبو يعرب المرزوقي 

الاختراق بالمعنى التأثير السياسي الخفي إضافة إلى أمرين:

  1. نوعي الأنظمة: 1-1-التي للشعب فيها دور مؤثر 1-2-والتي ليس للشعب فيها دور مؤثر.
  2. نوعي أدوات الحكم: 2-1-اللطيفة أي “الاستعلام-الإعلام” 2-2-والعنيفة أي “الأمن-الجيش”.

من هنا يمكن أن نستنتج بصورة شبه رياضية القانونين التاليين:

  1. والقانون الأول هو أن 2-1-تماشي 1-1 -فتكون الأدوات اللطيفة أكثر فاعلية في حالة الشعوب التي لها دور مؤثر في القرار السياسي.
  2. والقانون الثاني هو أن 2-2-تماشي 1-2.-فتكون الأدوات اللطيفة أكثر فاعلية في حالة الشعوب التي ليس لها دور في القرار السياسي.
    لكن القانون الأول قد لا يكفي لأنه يوجد عاملان آخران ينتجان عن بعدي كل نوع من الأدوات: فاللطيفة مضاعفة والعنيفة مضاعفة كما رأينا في تعريف أداتي التأثير اللطيف والعنيف.
  3. من هنا القانون الأول أي استعمال الأدوات اللطيفة يمكن أن يكون التأثير به بواسطة الإعلام فإن لم يكف يأتي التأثير بواسطة الاستعلام الذي يستعمل ملفات تصبح أدوات الابتزاز ضد المؤثرين في الأنظمة الديموقراطية لإزالة الدور المؤثر للشعوب: يقع التحكم في المؤثرين في القرار السياسي.
  4. من هنا القانون الثاني أي استعمال الأدوات العنيفة يمكن أن يكون التأثير بالعنف الأمني والقانون الظالم فإن لم يكف يأتي التأثير بالجيش الذي يستعمل العنف اللامحدود والأعمى لإزالة صمود الشعوب التي ليس لها تأثير في إدارة الشأن العام.

وبذلك نصل إلى أصل هذه القوانين الأربعة التي هي فروعه وهو خاصية الشعوب التي تكون فيها الحرية فرض عين بحيث تلغي العبودية والخنوع أو تكون خاصة بطبقة دون البقية وهنا نصل إلى أنواع الأنظمة الخمسة كما حددها ابن خلدون:

  1. الاستبدادي بحيل العقل وهو الحكم لصالح الحكام وحدهم فيكون الشعب مثل المواشي في علاقتها بالمزارع: الحاكم راع والبقية مواشي يستغلها.
  2. نصف الاستبدادي الذي يخدم الحاكم بإطلاق والمحكوم بالحد الأدنى بمنطق العقل المؤسس للولاء المصلحي وهو الحل الذي يترتب على استحالة الشكل الأول لأنه لا بد للحكام من أعوان وللأعوان من أعوان فيعم الانتفاع.
  3. الاستبدادي بحيل الدين وفيه مثل الأول وهو تبريره بالحيل المتعالية على العقل وغالبا ما يكون دينيا محرفا وخرافيا من جنس شعب الله المختار (في التوراة) أو من جنس أسرة الله المختارة (في التشيع).
  4. نصف الاستبدادي الذي يخدم الحاكم بإطلاق والمحكوم بالحد الأدنى بمنطق الدين وهو الحل الذي يترتب على استحالة الشكل الثالث لأن المختارين يحتاجون إلى زبانية لفرض إرادتهم من جنس الحرس الثوري في خدمة الملالي.
  5. التي تجمع بين هذه الأنواع الأربعة لأنها أصلها وهي الجامعة بين عالم الشهادة وعالم الغيب دائما أي بين الطبيعي والمتجاوز للطبيعي في كيان الإنسان. ولذلك فذان البعدان سابقان ولاحقان للأنظمة السياسية:
    والأولى هي الطبيعة المفضية للهرج ومثاله القبائل العربية في الجاهلية والعرب حاليا.
    والثانية هي ما بعد الطبيعة المؤسسة للخروج منها إلى ما يتعالى عليها لتنظيم الحياة الجماعية بالأشكال الخمسة المذكورة.

لحد الآن لم نتكلم على الاختراق لكننا حددنا المجال التي يتم فيه الاختراق. فهو إما الأدوات اللطيفة أو الأدوات العنيفة أو الشعب الذي له دور في الشأن العام أو الشعب الذي لا دور له فيه.

أو أخيرا الخليط من ذلك كله لأنه لا يوجد شعب مطلق الدور أو مطلق عدم الدور بل في كل شعب تجد النوعين بحسب علاقة الطبقات والفئات بأداتي الفاعلية الاختراقية اللطيفة والعنيفة.

فمهما كان النظام السياسي عنيفا فهو لا يمكن أن يتعامل مع كل الشعب نفس الطريقة لأنه توجد دائما جماعات محظوظة وقادرة على الرد على العنف بالعنف ما يجعل النظام العنيف يحاول ضمها إلى صفه بدلا من العدوان عليها: ذلك أن استعمال العنف يحتاج إلى أدوات وأهمها الزبانية التي تكون فوق القانون وهي التي لا يمكن للحاكم أن يسيطر عليها لأنها أداة سيطرته على باقي الجماعة.

فلا يمكن لأي مستبد أن يستعمل العنف مع أدوات العنف إلا بأدوات عنف فإذا فعل تصبح أدوات العنف عنده في حرب ويكون هو أو ضحيتها لأن الذي يغلب منها يفك الكل. فيكون أول الخاسرين.

لذلك ففي كل نظام عنف أول قاعدة هي مبدأ تنظيم العنف بمضاعفته مع التحكم فيه بالاستعلامات والشائعات. وغالبا ما يكون في حرب باردة بين الأجهزة المتناحرة والتي لا تعمل إلا بما بينها من توازن القوى وسرية العمل المتحكم فيها.

من هنا يأتي يصبح الإعلام والاستعلام صالحا في نوعي الأنظمة المستبدة عقلية أو دينية كانت وغير مستبدة من النوعين كذلك. وهما أداتا الاختراق وفيهما الأداتان العنيفتان مكملتان في الأنظمة التي للشعب فيها دور والعكس بالنسبة إلى التي ليس للشعب فيها دور.

والوسيط في ذلك هو الأداتان الأقويان الجامعتان بين اللطف والعنف في آن: وهما ما يمكن تسميته ببعدي العجل: أي المال (معدن العجل) والإيديولوجيا (خوار العجل). ورمز الاول هو العملة ورمز الثاني هو الكلمة. وإذن فالأداتان الجامعتان بين اللطف والعنف هما:

  1. أداة التأثير الاقتصادي أو أداة توزيع منازل الثروة بين حدين الإجاعة والإثراء ومنهما يأتي التخويف بالأولى قطعا للأرزاق والتطميع بالثاني فتحا للآفاق المادية بالاسترزاق.
  2. أداة التأثير الثقافي أو أداة توزيع منازل التراث بين حدين الحط والرفع ومنهما يأتي الاستئصال الثقافي بالأول منعا للبروز والإنتاء الثقافي تمهيدا للشيوع.

وهذان هما أداتا الاختراق. وتستعمل مع النخب الخمس:

  1. نخبة الإرادة أو الساسة
  2. نخبة المعرفة أو المثقفون
  3. نخبة القدرة والإنتاج المادي والرمزي
  4. نخبة الإنتاج الجمالي أو الفنون
  5. نخبة الرؤى أو النخبة الدينية والفلسفية

وإذا كان ذلك مقصورا عليهم كان ذلك أقل خطرا على الجماعة للتراجح بين نوعي كل واحدة من هذه النخب أي الطالح منها والصالح. فيكون الاختراق محكوما بالتوازن بين النوعين.

لكن إذا وصل الاختراق إلى أداتي الحماية وجهازهما العصبي أي الداخلة والدفاع والاستعلامات فإن الدولة تنهار وتصبح خاضعة لمخترقها. وهذا هو ما يسعى إليه من صار بصورة نظامية يخطب فيهما من اجل ترذيل النخب الخمس والاحتكام إلى أداتي العنف في الحكم أو الشوكة من خلال تحريف الشرعية.

اعتذر للقراء عن التجريد لكن لا يمكن فهم طبيعة الحرب الفيروسية للاختراق من دون هذه المقدمات النظرية التي أحاول بها الوصول إلى ما يشبه القوانين التي بدأ ابن خلدون في وضع مقدماتها في كلامه على العصبيات شرط الشوكة والقيم شرط الشرعية.

استنادا إلى تصنيف الأنظمة تصنيفا متفوقا على التصنيف اليوناني عند أرسطو وأفلاطون بالمصفوفة المسدسة بعاملي عدد المشاركين في الحكم وبأخلاقهم ثلاثة فاضلة وثلاثة راذلة عندما يكون:

  1. الحكم لواحد فتكون إما ملكية أو استبدادية.
  2. الحكم لقلة فتكون إما أرستوقراطية أو اوليغارشية.
  3. الحكم لكثرة فتكون إما جمهورية أو ديموقراطية وهو الأفسد عنده.
  4. والأفضل خليط منها جميعا.
  5. لكن ذلك مبني على معيارين يظنان متناقضين لا يجتمعان في حين أن الغزالي وابن خلدون يعتبرانها متلازمة ولا يمكن القبول بأنظمة مطلقة الفضيلة أو مطلقة الرذيلة.

هذه هي المعادلات التي من يجعلها يكون من جنس من يتعلم الحجامة في رؤوس اليتامى كغالبية الساسة العرب إن لم يكونوا كلهم لأنهم جميعا منفعلون بسبب الاختراقات التي حاولت استخراج قوانينها وأدواتها.

ولعل آخر مثال رأيناه في محاولة الانقلاب على أردوغان. فلولا ألطاف الله وحنكة المسألة على الاستعلامات لكانت تركيا في خبر كان. وتونس الآن في مرحلة الاختراق الذي تجاوز النخب ويحاول المساس بالأجهزة الحامية للدولة كما يتبين من “محاضرات” الدمية في حضور قيادات الجيش والأمن: إنه تمهيد للإنقلاب العنيف إذا فشلت أدوات الاختراق اللطيف.

شاهد أيضاً

الردة (الرستوراسيون) ؟ أي معنى لعودة ما لم يذهب ؟

أبو يعرب المرزوقي  عندما اسمع الكلام على الرستوراسيون في ما يسمى بالدول الوطنية التي حدثت …

نصر أذربيجان دلالته الاستراتيجية جغرافيا وتاريخيا

أبو يعرب المرزوقي  حصل ما توقعته: تبادل أرضي وإن غير معلن بين أذربيجان وأرمينيا ما …

اترك رد