السبت , 8 أغسطس 2020

رئيس الحكومة ليس شهوة في عشاء الرئيس !!

القاضي حمادي الرحماني 

حسب الدستور في نصه وروحه، فإن تدخل رئيس الجمهورية في مسار تعيين رئيس الحكومة استثنائي ومحكوم بمنطق الضرورة وبهاجس تجنب الأزمات والخروج من المضائق، ولم يكن الدستور ليعطي رئيس الجمهورية هامشا للاختيار إلا لتجنب انسداد السبل ومنع تعطيل مؤسسات الدولة، ولا لممارسة شهوته في التوسع في السلطة والاستيلاء على رئاسة الحكومة وضمها إلى رئاسة الجمهورية أو وضع وصايته عليها…فما زالت سلطتنا التنفيذية ذات رأسين:

  • رأس يمثله رئيس الجمهورية، وله رمزيات الوحدة وحماية الدستور… وأدوار محددة تكاد تقتصر على الدفاع والسياسة الخارجية والأمن القومي…ولأجل تلك المهام ترشح، ولأجل ذلك تم انتخابه.
  • ورأس يمثله رئيس الحكومة ينبثق عن الأحزاب والائتلافات البرلمانية تمثيلا للقوى والتوازنات التي أفرزتها الإرادة لشعبية عبر الانتخابات التشريعية… وهو يعد بذلك تعبيرا ومنتوجا للحراك السياسي التي تؤثثه الأحزاب والشخصيات السياسية وتهتم به المنظمات ووسائل الإعلام ويتفاعل معه المواطنون تأييدا ومعارضة وتحفظا واحتجاجا… على مدى العام. هذا الحراك السياسي هو تقريبا جوهر الحياة السياسية التي لا تجد هامشا يُذكر خارجها ولو في محيط اهتمام واختصاص ونشاط رئيس الجمهورية مهما علا قدره أو انفتحت شهيته.

وعلى أساس ذلك لا توجد فرضية دستورية لجعل السلطة التنفيذية ذات رأس واحد… وغير مسموح لرئيس الجمهورية أن يجعل رئيس الحكومة الجديد رئيس حكومته الخاص، فهو مكلف دستوريا بالتشاور مع القوى الحزبية والائتلافات البرلمانية لاختيار رئيس حكومة التونسيين القادر على نيل الثقة في البرلمان عبر أهم وأكبر قواه الممثلة، والقادر على الاستمرار في منصبه طيلة الولاية البرلمانية – لا الرئاسية دون أن تطاله الشبهات المرتبطة بتضارب المصالح أو بالتبعية لرئيس الجمهورية…

وعلى رئيس الجمهورية أن يستجمع بجدية عند اختياره رئيس الحكومة الأقدر -فعليا لا نظريا أو وهميا أو مثاليا- كل عناصر الثقة والديمومة والنجاح، وعليه الابتعاد عن المناورة والتفخيخ والتعجيز اصطناعا لفشله واستباقا لحل البرلمان…
على رئيس الجمهورية -بوصفه دستوريا رئيس كل التونسيين- أن يُثبت احترامه للشعب الذي انتخبه مرة واحدة في انتخابات رئاسية نزيهة نفس احترامه للإرادة الشعبية التي انتخبت غيره أكثر من مرة في انتخابات برلمانية نزيهة، وعليه -من باب الأمانة السياسية- أن يبحث عن “الشعب الذي يريد” في صناديق المقترعين لا في شعارات الواهمين.

وعلى رئيس الجمهورية أن يفهم أخيرا أن رئيس الحكومة هو القائد الميداني لجيش الإنقاذ والتنمية المتآلف والمُوحَّد، وليس مجرد شهوة في عشاء الرئيس…

وتعج البلاد بالكفاءات السياسية القادرة على جمع الشتات السياسي ونيل ثقة الكتل البرلمانية على صراعاتها وتناقضاتها…

فحذاري!!

إذا لم تمرّ الحكومة يتنحّى الرئيس الفاشل ولا يُحلّ البرلمان الذي لم يشاوَرْ !

بإقراره حل البرلمان عند فشل الحكومة المقترحة في نيل الثقة، يكون الدستور قد قَصَدَ معاقبة البرلمان على عدم منحه الثقة لرئيس حكومة شاركت أهم كُتله في اختياره… لا معاقبته من أجل عدم منح الثقة لرئيس حكومة اختاره لهم رئيس الجمهورية ولم يكن حقيقة من بين مقترحاتهم ولا نتيجة مشاورتهم… وإلّا لكان الدستور عاقب الرئيس على سوء اختياره واعتبره وجوبا مستقيلا…
إذن ليس من حق الرئيس حل البرلمان عند فشل “رئيس حكومته” في نيل الثقة… وسياسيا عليه أن يتحمل مسؤولية فشله وسوء اختياره ومحاولته غصب السلطة والتنحّي والدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة.

هل اقترف الرئيس خرقا جسيما للدستور ؟

النظام السياسي التونسي يقوم على مبدأ الفصل بين السلط والتوازن بينها، وعلى مسؤولية رئيس الحكومة أمام البرلمان طبقا للفصل 95 من الدستور…

“تآمر” رئيس الجمهورية مع رئيس الحكومة كمكوّنين للسلطة التنفيذية ضد السلطة التشريعيّة لإلغاء دورها يعتبر خرقا للدستور وتحايلا على أحكامه وضربا لمبدأ الفصل بين السلطات والتوازن الضروري بينها… وهو ما يُفقد النظام السياسي الديمقراطي المُكرس للتداول السلمي على السلطة كل مقوّماته…

وإذا ثبت تلاعب رئيس الجمهورية بتوقيت استقالة رئيس الحكومة أو ترتيبه معه أو تفصيله على مقاسه بغاية قطع الطريق على البرلمان لاختيار البديل والاحتفاظ لنفسه بسلطة تعيين رئيس الحكومة القادم، وإذا لم يُجرِ الرئيس مشاورات حقيقية مع الأحزاب والكُتل البرلمانية لاختيار رئيس حكومة واكتفى بمشاورات شكلية وغير حقيقية فإن ذلك يعتبر سقوطا سياسيا لا يغتفر وخرقا جسيما للدستور يستوجب توجيه لائحة لوم ضده لإعفائه طبقا لأحكام الفصل 88 من الدستور.

شاهد أيضاً

الحرية في خطر

نور الدين الغيلوفي  الأحزاب ليست مطلوبة لذاتها.. الأحزاب هي عنوان الديمقراطيّة التمثيلية.. بتعدّدها تكون المعارضة …

رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد لا يحتفل.. لا بعيد الإستقلال.. ولا بعيد الجمهوريّة !!

عبد اللّطيف درباله  تماما كما فعل في عيد الإستقلال.. تجاهل رئيس الجمهوريّة الحالي قيس سعيّد …