الأربعاء , 28 أكتوبر 2020

أنا معارض لعمر بن الخطاب 

مصدق الجليدي 

لقد كنت طوال حياتي من أنصار عمر بن الخطاب رمز العدل في الحضارة الإسلامية، حيث كان العدل هو المطلب الرّئيس في الابستيمية السياسية ما قبل الحديثة، ولم يظهر مطلب الحرية إلا حديثا، رغم أنه كان مقصدا من مقاصد الشارع منذ البدء. لذا لا يمكنني الآن تبني نموذج ابن الخطاب في الحكم، لأنه نموذج ما قبل ديمقراطي. نموذج يعتمد فقط على مشورة أهل الحل والعقد. ربما لأنهم كانوا الأكثر علما وحكمة في مجتمع لم يكن فيه التعليم منتشرا أفقيا. واستثناء كامل الأمة، التي لا تجتمع على ضلالة، من المشورة.

الأمة الآن ممثلة بالبرلمان، وهي تتحاور في جلساته العامة، ثم تتخذ قرارها بالتصويت على مشاريع القوانين. ما تصوّت له الأغلبية يصبح ملزما للجميع، ويتحقق إجماع عملي على وجوب اعتماده وتطبيقه. هذه هي آلية تحقيق الإجماع العملي. آلية ديمقراطية. نموذج عمر بن الخطاب يقصر الإجماع على عدد محدود من أهل الرأي والمشورة لا تختارهم الأمة بشكل صريح ورسمي، ولكن يختارهم صاحب السلطة. وهم الآن مثلا فريق من عدد محدود من الأشخاص الذين درسوا معا أو درّسوا معا في كلية الحقوق، تقوده في قصر قرطاج مدير الديوان الرئاسي السيدة نادية عكاشة. وبما أن قيس سعيد ليس حقا بمكانة الصحابي الجليل عمر بن الخطاب وحصافته وعدالته، فإن الابتعاد عن مبدإ الإجماع يصير مضاعفا. بإقصاء كل من ليس من الدائرة الضيقة لشلّة نادية عكاشة في كلية الحقوق، وبإقصاء التمثيلية الحية المتجددة للشعب التي يؤمّنها البرلمان.

فتمثلية الرئيس للشعب ليست تمثيلية حية متجددة كتمثيلية نواب الشعب. حيث إن البرلمان يطرح كل يوم تقريبا القضايا الخلافية للنقاش والتصويت، قضية من بعد قضية، بينما لا يمكن القيام بذلك من طرف الشخص الواحد للرئيس، ولا حتى من طرف فريقه الذي يمثل عموما وجهة نظر واحدة من وجهات نظر عديدة متواجدة لدى الشعب في تنوع مشاربه واتجاهاته. ولذلك فإن تمثيلية الرئيس للشعب هي تمثيلية ستاتيكية رمزية وليست دينامية متجددة. ولذا من المغالطة القول بأن الرئيس هو “الشعب الذي يريد”. الشعب الذي يريد حاضر في مؤسسات الحكم الثلاثة: البرلمان، والحكومة، والرئاسة، وخاصة في البرلمان والحكومة إذا كان من يحكم هو الأغلبية وليسوا مجرد تكنوقراط.

الرئيس يحيل باستمرار لعمر بن الخطاب، ليوحي بجدارته المرجعية القيمية وليوحي بمرجعيته النموذجية في أسلوب الحكم (التفقد الميداني للرعية مثلا). لا يا سيادة الرئيس: لا نريد الآن عمر بن الخطاب حاكما لنا. عمر بن الخطاب لا يصلح حاكما لدولتنا الحديثة ولنظامنا الجمهوري البرلماني المعدل الديمقراطي. عمر بن الخطاب كان أفضل حاكم للأمة في زمنه، أما عمر بن خطاب زمننا فهو المؤسسات الجمهورية الديمقراطية لدولتنا الحديثة. ما كان يجسّده عمر بن الخطاب لوحده، أو بمعونة عدد قليل من أهل الحلّ والعقد، موزّع الآن على عدّة مؤسسات في الدولة مضافا إليها المجتمع المدني، الذي كان غائبا في زمنه، أو ليس له إلا حضور عفوي غير منظم. قديما كان عمر بن الخطاب لوحده يتفقد أحوال الرعية ويطوف عليها كلها في ليلة واحدة (في عاصمة الحكم، المدينة). أما الآن فجمعيات المجتمع المدني (زمن الكورونا مثلا) هي من تطوف على الشعب وتحدد ضعاف الحال فيه، وتقدم لهم المساعدات، أو الدّولة عبر برمجية مرقمنة وعبر مؤسسة البريد أو البنك، وبقية مؤسساتها المخولة لذلك.

لذا، لا نريد هذا التبسيط المخل للغاية لمؤسسة الحكم وهذا التجاهل للمجتمع المدني والأهلي وهذا التجاهل لمبدإ التشاركية في إدارة الشأن العام، ولا نريد هذا التركيز الخطير لرصيد السلطة والقرار بيد المستبد “العادل” أمير المؤمنين الذي نراه إعلاميا يصلي في مساجدنا، سموّ الأستاذ قيس سعيد.

شاهد أيضاً

إجاباتنا الخمس على الإسلاموفوبيا

مصدق الجليدي  انظروا يا أمة الإسلام: إجابتنا على الهجمة الإسلاموفوبية الصليبية-الصهيونية الفرنسية تكون في المستويات …

ثلاث مهمّات مستحيلة: التّربية والسّياسة والتّحليل النّفسي (فرويد)

مصدق الجليدي  الاستحالة بمعنى الممارسة بيقين. سأتوقّف هنا قليلا عند التّربية لأستخلص من تشابه بنيوي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.