السبت , 8 أغسطس 2020

راشد الغنوشي الحاكم الديمقراطيّ العربيّ الأخير

نور الدين الغيلوفي 

لا تربطني براشد الغنوشي رابطة.. لا أصلّي خلفه.. ولم أفزع إلى مصافحته يوما كما يفعل كثير من الذين يعتاشون على إظهار عداوته أمام الشاشات ويتسلّلون إلى ملاقاته كلّما وجدوا سبيلا إليها… ولكنّنى أرى في الرجل كفايات لافتة لا أكاد أراها في غيره بين معارضيه داخل النهضة ولا بين معارضيه خارجها.. هي كفايات اكتسبها الرجل من طويل تجربته وتراكم خبراته.. ومن شبكة علاقاته وكثرة قراءاته.. ومن جميل صبره على الكسب ووثيق أمله في خلاص الأمّة من منغّصاتها…

(بلاد أخرى تعيش مشكلات الدكتاتوريّة.. نحن نعيش مشكلات الديمقراطيّة…)
تلك العبارة قالها راشد الغنّوشي للإعلاميّين بمناسبة تحديد موعد مناقشة عريضة سحب الثقة منه رئيسا لمجلس نواب الشعب، التي أمضى عليها 73 نائبا برلمانيّا…
قل في الغنّوشي ما شئت وعالج نفسك بكرهه على قدر جهدك.. ولكن اسمع منّي قولا لي أعبّر به عن رأيي في الرجل تكوّن لديّ من خطابه الذي أسمع ومن رباطة جأشه التي أرى، بما أنّك ديمقراطيّ لا ترى مانعا من سماع غيرك وتؤمن بمقولة الرأي الصواب الذي يحتمل الخطأ والرأي الخطأ الذي يحتمل الصواب…

ودعك من العوام الذين يعالجون مواقفهم بالحبّ والكُرْهِ ويتّخذون من الأفكار عقائد ينغلقون عليها.. وعليها يموتون فرحين مسرورين مطمئنّين طمأنينة الدواب التي لولا وجودها في الأرض ما أمطرت السماء…
هؤلاء لو كانوا يعقلون ما ورّطوا أنفسهم في عشق حكّام على كراسيهم سخّروا دولا حكموها لتزيين صورهم ونسج بطولات لهم لا وجود لها خارج ما صنعوا من دعاياتهم…
الاستبداد شرٌّ لا خير فيه.. والدليل على ذلك ما نرى العرب عليه.. لقد أحرزوا تخلّفهم بفضل مستبدّين انشغلوا بنسج أمجاد لهم زالت بزوال عروشهم…
ليس سويًّا في نظري من أحبّ حاكما لأنّ الحاكم متَّهَمٌ عندي لا سيما إذا كان مستبدّا… الاستبداد نقيض العدل والخير والحقّ والجمال.. منافق كلّ من مجّد حاكما في يده سوط لأنّ الممَجَّدَ هو السوط.
الشجاعة تدعوك إلى أن ترى خصمك بعين عقلك وأن تقول فيه ما يستحقّ بعيدا عن هوى كرهك له.. فَعَدْلُ رأيك فيه يرفعك ولا يضعك.. يزيد من رصيدك ولا يُنقصك لأنّ خصمك هو مرآتك التي على سطحها ترى وجهك وتكشف حقيقة لك كثيرا ما لا يرضيك كشفها… تعاملك مع خصمك يعرّي مساحة لاوعيك الذي تغمره بأقنعة وعيك…

أعلم أنّ كثيرا من صقور معارضي الغنوشي يحتالون للقاء يجمعهم إليه.. وينتظرون وقتا طويلا ليظفروا باللقاء وقد يمضي الأمر ببعضهم إلى التفاخر بتمكّنه من الحديث إليه دون سواه.. هذه معلومة أسوقها وأنا أعرف أسماء الذين أشير إليهم ومواعيد اجتماعهم إليه وظهورهم لمهاجمته أمام الشاشات وعند الإذاعات.. بذلك حدّثني من لا أشك في حديث له…
نعود إلى عبارة الغنّوشي الآنفة.. ولنفترض أنّه هو ذاته بات مشكلا يحتاج إلى حلّه.. يبقى الغنوشي مشكلا ديمقراطيا وليس مشكلا استبداديا…
الحكّام المستبدّون لمّا تظاهرت عليهم شعوبهم أجابوها بسؤال “من أنتم” وأعملوا ترسانات السلاح لنزفهم ونسفهم.. قتلوا من قتلوا وشرّدوا من شرّدوا واعتقلوا من اعتقلوا… ولم يكتفوا بذلك بل لاحقوا القتيل والمشرَّد والمعتقَل بتهم الخيانة والعمالة والإرهاب.. أمّا الحاكم فمبرّاٌ من كلّ عيب جاءت به السماء ليحكم وألبسته قمصانَ الفضائل وشرحت صدره وأخرجت منه جميع الرذائل…
حكّام العرب ليسوا بشرا.. هم ملائكة تدعونا إلى أن نكفر بها ونعتزّ بكفر لا ذُلّ فيه…

راشد الغنّوشي رئيس البرلمان التونسي أعلى مؤسسة حكم في البلاد هو الحاكم العربي الديمقراطي الوحيد في غابة يحكمها مستبدّون من سلالة وحوش آخر الزمان…
لذلك يحتالون لعزله ولا يتورّعون عن إهانته وصبّ بذاءاتهم فوق رأسه من رجال كالرجال ونساء كالنساء لو جاءهم جنديّ أميٌّ معقود اللسان لجعلوا من أنفسهم له صولجانا ولتنافسوا على مديحه والصلاة في حضرته…
ما يجري بين الغنوشي وخصومه هو من مشاكل الديمقراطية… ولا خشية على الديمقراطية من مشاكلها…
كلّ الخشية أن يكون بعض الخصوم مشاكل دكتاتورية محشورة في جسم الديمقراطيّة.

شاهد أيضاً

لا نريد رئيسًا واجهةً

نور الدين الغيلوفي  رئيس الجمهوريّة يستغلّ حالة الانقسام البرلماني ليمرّ إلى العبث بالنظام السياسيّ.. وبدل …

عاد إليكم الرئيس الذي ينجز الأفعال وحده

نور الدين الغيلوفي  كان فعل “غادر” هو آخر فعل أُسند إلى الرئيس التونسيّ المخلوع زين …