الأربعاء , 5 أغسطس 2020

لعلي ظلمت الرجل لما اعتبرته مسؤولا عن أفعاله وأقواله

أبو يعرب المرزوقي 

لعلي أخطأت في أمر علي تداركه.
فكل ما قلته في سعيد لن أحيد عنه قيد أنملة.
وكل ما توقعته منه أيده بأقواله وأفعاله.
إلا أني مستعد للاستدراك في جزئية واحدة.
فلعله من الواجب تقديم فرضية الخطأ في اعتباره مسؤولا.

إذ أن مجموعة من القرائن مثلت فيها حادثة الملف الذي يبحث عنه ووجده في النهاية القطرة التي أفاضت الكاس ورجحت قابلية فرضية التشكيك في مسؤوليته.
لعلي حملت الرجل ما لا يحتمل إذ اعتبرته كامل المسؤولية عن أقواله وأفعاله.
لا أنفي ما وصفت به أفعاله وحتى أقواله لأنها حدثت فعلا كما وصفتها قبل حدوثها بدارا وبعده تذكيرا ما يرجح الحد من مقدار مسؤوليته.
صحيح أني لست طبيبا نفسيا لكن العلامات تواترت لتفيد أن الرجل قد لا يكون مسؤولا عما يقول فضلا عما يفعل.
وهو ما أريد إيراده بذكر القرائن التي تواترت والتي لا أحد ينكر حدوثها حتى وإن اختلفت الاجتهادات في تأويلها:
ولست غافلا عن كون أقوال الحملات الانتخابية قلما يحافظ عليها قائلوها بعد نجاحهم.
أولا لأن نسيان الناخبين يلغيها من التداول وقد صار ذلك من عادات الشعوب في الديموقراطيات.
وثانيا لأن الكلام دائما فيه تضخيم يجعل الوعد والوعيد فيها تشوبهما المبالغة. وهما إذن دون الأفعال دائما.
لكن الفرق يبقى دائما فرقا كميا وإذا انقلب إلى فرق كيفي فإنه يعتبر خيانة إذا كان القائل ذا عقل وتكليف يحمله المسؤولية.
ومعنى ذلك أنه لا يمكن مثلا أن يأتي مرشح في أوروبا ويعتبر معاداة السامية جريمة في الحملة ثم يصبح معاديا للسامية بعد النجاح.
لأن ذلك فيه أولا انتحار سياسي في الغرب
ولأن حماتها ثانيا يكونون عادة له بالمرصاد
فلا يكتفون بكونه غير معاد بل يريدونه أن يصبح مناضلا في الحرب على كل من يعاديها.
وهو ما نراه في كل حكام العرب.
ذلك أن المسألة ذات صلة بشيوع رد الجهاد إلى الإرهاب.
فإذا سمعت أحدا بالمقابل يعتبر التطبيع خيانة عظمى -وهو عند البعض من جنس معاداة السامية عندهم- في حملته الانتخابية فلا نستغرب إذا تناساه بعد النجاح فلم يفعل شيئا يجعل ذلك حقيقة -مثل تكريم احد شهداء فلسطين في بلاده.
لكن أن يتحول إلى عميل واضح لممثلها في فرنسا مع علمه أنه عميل سادتها فهذا من جنس ما يحصل من التنكر ليس للأقوال بل لانتظارات من صفقوا له واعتبروه بطلا من بين العرب الذين يغتذون بالأقوال.
أما إذا أصبح من حجاج الغريبة وممن يذكر بفضل والده على يهود عصره وأن ينتخب ضيوفه الأوائل منهم وأن تكون أول زيارة خارج البلاد لأكبر مطبع وأن يختار من بين ممثلي الأديان في بلاده ممثل الأقلية اليهودي وأن يصبح اسم فلسطين شبه مدنس فلا يذكر حتى في المناسبات ذات العلاقة التي لم يعد أحد يحييها.
فكل ذلك يعني فصاما مرضيا وليس انزياحا كميا في الموقف.
لكن الأخطر هو أن يكون مثل الفاروق في تتبع عثرة البغال في العراق والخوف من يوم الحساب إذا حصل لها أن قامت بحادث طريق بسيارة على ملك الدولة مع التغافل عن البغل الذي اختار حمارا ليخرب حكومة ويسرق رزق الشعب فذلك أمر تافه لا يمكن أن يعنى به عمر بن الخطاب.
فهل يوجد خطر في أن يكون الوزير الأول لصا إذا كان له ثقة الولي الفقيه المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى؟
فإذا جمعت الموقفين الذي تعين في الأقوال أي في ما يمقته الله أشد المقت إذ يقول ما لا يفعل فيجترح أكبر رذيلتين هما الكذب على الناخبين وخداع الأمة في مسؤولية شرطاها الأمانة والعدل (النساء 58)
فإن ذلك يبين أن الرجل يشكو من غاية ما سماه ابن خلدون “فساد معاني الإنسانية” وما فسره بالتربية العنيفة في الصغر فتبقي على الأعطاب التي تعود في المراهقة وتتخثر فتجمد وتعود في أرذل العمر مع التقاعد.

  1. الرذيلة الأولى هي الجبن أو فقدان الشهامة والرجولية في الموقف السياسي. فمن يقلوا ذكر اسم فلسطين التي استعملها مصعدا للنجاح لو لم يكن خائفا من ردة الفعل ممن ساهم في تنصيبه بمثل هذه الشعارات بدليل ما قاله إيدي كوهين تعقيبا على “التطبيع خيانة” فنبه إلى عدم الاهتمام بما يقول لأنه حسب قوله سيأتي ليلعق “أحذيتنا” مثل كل حكام العرب.
  2. الرذيلة الثانية هي الخسة الدالة على فقدان الشرط الخلقي لنيابة الأمة في حماية مصالحها وتمثيل إرادتها وحماية كيانها وشروط قيام الجماعة (النساء 5) لأنه لو كان أمينا بالمعنى الذي يزعمه عند قيسه أفعاله مباهيا ومفاخرا بأفعال الفاروق لكان حسابه عسيرا لمن اختاره وزيرا أولا وليبدأ بنفسه فاعتذر من الشعب الذي خان أمانة تمثيله في اختيار من يسهر على حكومته.

أي المصيبتين اخطر على أمن تونس واحترام القانون؟
صبية صدمت سيارة الدولة
أم رئيس دولة صدم الدولة بأن جعل حاميها حراميها؟
ثم يواصل في العناد ويتركه دون عقاب.
بل وهو يعد لتكرار ما هو أسوأ بمثل هذه المناورات الصبيانية.
لذلك فقد حان أوان الاعتراف بأني ربما ظلمت الرجل لما ظننته مسؤولا عن أقواله وخاصة عن أفعاله.
فلا شيء فيهما يدل على أن صاحبهما واع بما يقول أو بما يفعل.
مثال ذلك زيارة الثكنات والخطب السياسية والتفتين أمام قادة الجيش.
فالموقف من التطبيع يفيد أنه غير مسؤول عن أقواله والموقف من قوامة مصالح الأمة يفيد أنه غير مسؤول عن أفعاله.
ومن لم يعترف بمسؤوليته لما تبين خطؤه لا أسميه مسؤولا لأن المسؤول يتحمل مسؤولية أقواله وأفعاله وتلك علامة الرشد.
فإذا لم يفعل فهو قاصر وليس راشدا.
والقصور يسمى في الفقه سفاهة ولا يحق له التصرف حتى في ماله ناهيك عن التصرف في مال الشعب (النساء 5).
لكن في هذه الحالة كيف لا نظلمه إذا اعتبرناه هو الذي يتكلم وهو الذي يفعل؟

ما يلاحظه أي متتبع لتصريحاته يستنتج أنه لا يتكلم بل يعرض محفوظات.

  1. فالكلام ليس خروج الأصوات مصفوفة بل وظيفتها الدلالية.
    وذلك ما هو مطلق الغياب في المسائل وفي الجواب.
  2. فلكأن وراءه من يلقنه ما يقول أشباه جمل منفرجة في غياب البصر الحديد.

وما يلاحظه أي متبع لأفعاله أنه لا يفعل كذلك بل يوجد وراءه من يأمره فينفذ تنفيذ خبط العشواء.
ولذلك فلو حاولنا أن نحصي ما قال وما فعل لوجدناه لم يخرج عن عدد شديد المحدودية من الشعارات في الأقوال ونوايا الفعل في الأفعال:

  1. ويكفي أن يحدد أي محلل خاصيات خطابه فيعين طبيعة شعارات الأقوال
  2. ويكفي أن يسبر سلوكه الفعلي ليحدد طبيعة نوايا الأفعال

حتى يفهم أنهما لا يعبران عن عقل واع وعن إرادة حرة لكأنك في حضرة من يحارب أضغاثه الهذيانية. هي دفقات مضطرة تشبه التفريغ القهري لمن هو غارق في هذيان دال على حالة من الفصام الذي لم يتجاوز أحلام شيخ نكص إلى المراهقة فتجمد وتمومأ.
وهذا النوع من الأعراض النكوصية غالبا ما تكون شديدة العنف بأسلوب التلفظ بمعجم الألفاظ البدائية التي تعبر عن العي والفقر القولي فتكون أشبه بطلقات البنادق الصدئة في حفلات البدو والتي تؤذي السمع وتخدش الذوق.
فيكون المتلقي وكأنه أمام جهاز آلي سجلت فيه اسطوانه دفق الكلام يتوالى فيها شلال تشادق ليس لصاحبه عليه سلطان: ربما الدروس المحفوظة التي كان يرددها على مسامع طلبته.
لذلك فلا احد يمكن أن يخرج بشيء بعد سماعه غير جعجعة بلا طحين حتى لو صفق لها كل الطحانة في المشدوهين الذين لا يميزون بين الفهاهة والفصاحة.
لكن ذلك لا يعني أن اللامسوؤلية التي هي الوصف الوحيد الملائم تعني البراءة.
فقد يكون اللامسؤول عن أفعاله وأقواله معذورا لو كان ذلك مقصورا على شؤونه الخاصة. ويكفي مساعدته لحمايته من نزواته.
أما إذا كان خلل كيانه ذا أثر على كيان الجماعة فإن مسؤوليته تزداد ثقلا.
لكنها لا تقع على عاتقه وحده بل على عاتق كل من يمكن أن يحد من آثار أقواله وأفعاله لإنقاذ البلاد والعباد.
ومن يستعمل أحواله النفسية دون رعاية مستقبل البلاد والأمة فهو مشارك في الجرائم التي ستترتب على ما نراه يتراكم تراكم كرة الثلج ومآله الانفجار.
والسلام.

شاهد أيضاً

الظاهر والباطن وميزان معادن الرجال

أبو يعرب المرزوقي  بمناسبة عيد الإضحى هذه تحية خاصة لنبيل القروي أو لمن يسخرون منه …

مكر الله الخير كلما فتحوا معركة ربحتها تركيا

أبو يعرب المرزوقي  الفصل الثاني تكلمت امس على ما يبدو من المكر الإلهي في خروج …