الأربعاء , 21 أكتوبر 2020

ورحلت منجية أمّ الشهيد

فتحي الشوك 

ترى ماذا أحسّت الأمّ لحظة تلقّيها نبأ اغتيال ابنها، أيّ خنجر انغرس بلا رحمة في صدرها وأيّ ألم سكنها ووجع مزمن يأبى الرّحيل وكم من الدموع الّتي سكبتها عيونها لتسقي شجرة حزنها الدّفين؟

هي الأمّ فلا تسل عن حرقتها على فلذة كبدها مهما اتّصفت برباطة الجأش وتسلّحت بالصًبر وتراءى لها مقعد فقيدها في جنّة الخلد وقد اكرم بمشهد الشهادة، نحتسبها كذلك وليس ذلك على الله بعزيز.

في صبيحة الخامس عشر من ديسمبر 2016 اغتالت يد الغدر الدكتور المهندس محمد الزواري قبالة منزله، رصاصات قاتلة من مسدسات كاتمة للصوت اخترقت رأسه لترديه قتيلا وليختفي المجرمون في لمح البصر وكأنّ الأرض ابتلعتهم ولتطوى القضية وترصّف في أدراج النسيان بعد تحقيق روتيني لم يرتق إلى مستوى خطورة الجريمة كان لرفع الحرج وذرّا للرّماد في العيون.

اعترف المجرمون واعتبروا العملية نجاحا لمخابراتهم كنجاحهم في تصفية المبحوح في دبي ومازال البعض يصرّ على نعث الفاعلين بالمجهولين ربّما خوفا من تبعات تسمية الأشياء بمسمّياتها وقد يكون استجابة لتعليمات من يحكم حقيقة في هذه البلاد.

استشهد المهندس الخلوق الكتوم لينضمّ إلى قائمة الشرف التي كتبت الأسماء فيها بالدّماء لنكتشف بطلا آخر أنجبته هذه الأرض المعطاء ولنتبيّن أنّ فلسطين والقدس ستبقى قضية الأحرار والشرفاء برغم كلّ محاولات تصفيتها من قبل الخونة والعملاء.

استشهد مهندس الطيران وهو في طريقه لصنع غواصة مسيرة بعد طائرات الأبابيل الُتي فاجأت الصّهاينة ولم تجد لها قبّتهم الدفاعية حلّا.

لم يكرم الشهيد رسميا ماعدا بعض الفعاليات التي شهدتها غزّة أو مبادرات شعبية محتشمة في تونس، بل أن البعض يسعى لفسخ الواقعة من الذاكرة وبعضهم يسلبه صفة الشهيد وآخرون ينزعون عنه انتماءه لوطنه، كان من الممكن أن يطلق اسمه على احدى الساحات العامة أو الشوارع الرئيسية بدل أسماء من احتلّونا وكان من الممكن إدراج قصته ضمن المناهج التعليمية وإصدار كتبا تخلّد ذكراه وكان من الحكمة تبنّي مشاريعه وتطويرها عوض عرقلتها وإيقافها، وكان من السهل الاستجابة لطلب أرملته للجنسية التونسية التي منحت أخيرا لأحد بيادق دحلان من لا تغيب بصماته عن أيّة جريمة من هذا النوع.

ترعرعنا على حبّ فلسطين وكانت لنا دوما هي البوصلة وكانت لنا هي النبض وهي القلب وهي السنّة وهي الفرض، وفي الوضعيات الضبابية التي يصعب فيها الحسم باتّخاذ موقف تكون هي الفيصل وهو ما حصل خلال الانتخابات الرئيسية الأخيرة حينما تحدِث قيس سعيد عن التطبيع باعتباره خيانة عظمى ليدعمه ظهور فجئي لعميل سابق في الموساد آري بن ماشي اعترف بتعامله مع منافسه نبيل القروي لنكتشف أنّنا خدعنا كما خدعنا في شعارات الموت لإسرائيل وفي مقاومة هي بالنّهار ممانعة وباللّيل ومن وراء السّتار مماتعة ولنقف على مستوى سذاجتنا الّتي تسقطنا في فخّ الكلمات الفضفاضة المنمّقة ذات المعاني الكبيرة حتّى ولو صدرت من فونوغراف قديم على موجات إذاعة الستينات.

رحلت أخيرا منجية لتلتقي ابنها ولتذكرنا برحيلها بأنّها قدّمت لنا شهيدا يسعى الجميع لفسخ ذكراه من مخيالنا الجمعي فلنعلّم صغارنا بأنً لنا اسما يضاهي المهندس يحيى عياش والدكتور الرنتيسي ولنجعل الذاكرة حيّة إلى حين تصحيح ما يكتبونه من تاريخ.

لنزرع بذرة حبّ القضيّة عساها تثمر جيلا حرّا يكون أهلا لكي يحرّر ما عجزنا عن فعله سيأتي ذلك اليوم حتما عند توفّر شروط تحرّرنا.

رحم الله أمّ الشهيد محمد الزواري السيدة منجية الشعبوني واسكنها فسيح جنانه.

د.محمد فتحي الشوك

شاهد أيضاً

من حقيقة هو المأزوم ؟

فتحي الشوك  استعدادات حثيثة كانت تجري على قدم وساق لاستقبال الرّهينة الفرنسية المحرّرة “صوفي بترونين” …

لا.. لقانون قمع المواطنين

فتحي الشوك  عويس الرّاوي شاب مصري مات نتيجة رفضه إهانة الشرطة لوالده بطلقة من طبنجة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.