السبت , 28 نوفمبر 2020

خطاب لم يلقه قيس سعيد ولم يكتبه

مصدق الجليدي 

أيها الشعب الكريم أريد اليوم أن أضع حدّا لكلام كثير يقال عني وعن أسلوبي في الكلام وفي العمل وأن أرفع اللّبس الكبير من الأذهان حول كثير ممّا قلته أو فعلته، رغم أن الأمور بالنسبة لي واضحة لا تحتمل كثرة التأويلات ولا إطلاق العنان للخيال ليسرح بعيدا عن الواقع والحقيقة.

أعلَمُ أن مئات الآلاف من الشعب الآن مندهشون من أقوالي ومحتارون من قصدي منها: هل يحملونها على مجرّد أسلوب أصنعه لنفسي في الخطابة فأرصِّعُها بكلام “كبير”، وتعابير طريفة لم يسبقني إليها أحد من العالمين، من قبيل “الدستور أكله الحمار” أو أن إمكانيات تدخلي الدستورية لوضع حد لمهازل البرلمان متوفرة وجاهزة “كالصواريخ على منصاتها”، وأن أحزابا تدعي الشرعية وهي تفتقد للشرعية مدعومة بأحزاب أخرى، سيأتي الوقت للتعامل معها كما تعاملنا مع “وباء الكورونا” لنقضي على وبائها… إلى غير ذلك من معجم بلاغتي وفصاحتي وإبداعي اللغوي الفني الذي لا أتجاوز به ممارسة هواية الكلام المنمق ومتعته، أم يحملونها على محمل الجدّ، وعلى كونها مقدمات انقلابية خطيرة على الدستور وعلى الشرعية، وممهّدات للمرور إلى اللحظة التي أقرّر فيها وضع حدّ للنظام السياسي الحالي وتوفير الشروط الدستورية للانقلاب على الدستور، مثل تفعيل الفصل 80 من الدستور بإعلان أن البلاد في مواجهة خطر داهم يستحيل معه تأمين السير العادي لدواليب الدولة، واستغلال هذه الحالة لاتخاذ قرارات وتطبيق إجراءات استثنائية وفق ما أراه ويتماشى مع قناعاتي، فأُكرِّس نظامَ حكمٍ رئاسيٍّ وأغيِّر النظام الانتخابي ليصبح بالتصويت على الأفراد لا على القائمات، وأشطب تركيا وقطر من قائمة البلدان التي تتعامل معها تونس…الخ.

وأنا أريد أن أوضّح أن كل هذا أضغاث أحلام، لأن الفصل 80 لا يمكّنني من القيام بكل هذه الأفعال المنسوجة من قبل خيال مريض، حيث يشترط هذا الفصل أن أتشاور في ذلك مع رئيس البرلمان ورئيس الحكومة ورئيس المحكمة الدستورية، والحال أنه يمكن لكل هؤلاء أو لبعضهم أن يكون لهم تقدير مختلف للموقف، حتى ولو استدعيت جنرالاتٍ مثل الرشيد عمار والسرياطي، وعقدتُ مجلس أمن قومي لتهويل الأمور وتصويرها على أنها فعلا حالة خطر داهم يهدّد البلاد، كما لا تنسوا أنه لا يوجد حاليا محكمة دستورية لأستشير رئيسها، وأن وجودها ضروري في هذه الحالة، لأنها هي من تقبل بعد مُضِيّ ثلاثين يوما طلب رئيس البرلمان أو ثلاثين عضوا منه لإعادة تقييم الوضع وهل أن التهديد الخطير متواصل أم لا بأغلبية ثُلُثيْ أعضائها.

ولذا، كل هذا الذي يقال ويؤوّل من كلامي هُراء في هراء. لأنه يصوّرني في شكل شخص متعطش للسلطة وشيطان ماكر أتآمر بشكل خبيث على الشعب، والحال أن هذا مستحيل على أخلاقي وقيمي أن تقبل به، حتى وإن كنتُ أعلم أن أعدادا كبيرة من الشعب يساندونني في هذا التوجه. وحتى أضع حدا لكل هذه التأويلات المريضة فإني ألتزم أمام الشعب بالتخلي عن أسلوبي الخطابي الملتبس حمّال الوجوه وأتعهّد بالتكلم مستقبلا بشكل واضح قطعيّ الدلالة، لا يذْهَل عن معناه إلا حمارٌ كالحمار الذي أكل الدستور. وأجدّد تعهدي باحترام الدستور وبإطلاق صواريخي على كل الحمير الذين يرغبون في أكله، وأن أحترم الشرعية وألا أبحث أبدا عن طريق متعرجة للتحايل عليها، حتى بمفهوم المشروعية المطاط والذي قد يُحتكم فيه لفوضى الشارع وغوغائية صديقي رضا لينين.

أما الشباب الذين ناصروني وقت العسرة، فأقول لهم بارك الله فيكم وأنا الآن أنصحكم بالتخلي عن أوهام الانقلاب على نظام الحكم وأن تتوجهوا إلى المجتمع المدني وتأسيس جمعيات للإقناع بوجهة نظرنا بطريقة سلمية حوارية، وأن تشاركوا إثر ذلك في الانتخابات التشريعية القادمة لتكونوا أغلبية في البرلمان تُصوّت على تعديل الدستور وتغيير نظام الحكم وقانون الانتخابات ليصبح نظاما ديمقراطيا مباشرا يقوم على انتخاب الأفراد، ونظاما رئاسيا يمكنني من تطبيق الإصلاحات التي ترغبون فيها شعبيا إذا ما شاءت الأقدار أن أنجح مرة أخرى في الفوز برئاسة البلاد.

هذا كل ما لدي، والعاقبة للمتقين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

شاهد أيضاً

انتهاء النهضة التاريخية: خسارة وطنية أم مكسب وطني؟

مصدق الجليدي  مؤشرات متلاحقة تدل على أنّ النهضة التاريخية انتهت أو بصدد التناهي. وهذا أمر …

إجاباتنا الخمس على الإسلاموفوبيا

مصدق الجليدي  انظروا يا أمة الإسلام: إجابتنا على الهجمة الإسلاموفوبية الصليبية-الصهيونية الفرنسية تكون في المستويات …

اترك رد