الجمعة , 4 ديسمبر 2020

لا لتوظيف القضاء في الصراعات السياسية !

القاضية روضة القرافي

تلاحقت الوقائع على الساحة العامة في الآونة الأخيرة بشكل لم يعد من اليسير معه إعمال أدوات التحليل والـتأويل والتكهن بقادم الأحداث. تشدنا هذه الأيام طبعا مثلما تشد كل التونسيين فصول ما أصبح يسمى بملف شبهة تضارب المصالح المنسوبة لرئيس الحكومة المستقيل وقد انتبهنا في خضم هذا الجدل العام إلى بعض التحاليل والاستنتاجات تعليقا على المسألة والتي اعتبرت ما يحصل من أهم الأحداث في تاريخ تونس المعاصر حيث يضطر رجل سياسي إلى التخلي على الحكم على خلفية ملف ذي علاقة بالتصرف في المال العام.

لاشك أن الرقابة على تعاطي رجال السياسية مع المال العام هو من أهم شروط وآليات حفظ هذا المال وتجنيب البلاد ما كان يحصل زمن الحكم السلطوي الفرداني من جرائم هدره والاستيلاء عليه، ما أدى إلى غياب منطق المحاسبة وتفاقم الحيف الاجتماعي ثم إلى انتفاضة الشعب في ثورته على تلك الأوضاع الكارثية من فقر واستشراء للفساد ومن رشوة ومحسوبية وبطالة وانسداد الأفاق وتكدس للثروة بين أيدي العائلات المتحكمة في الاقتصاد الريعي.

يجب بكل تأكيد أن يتم استيفاء كل الأبحاث والتحقيقات من كل الهياكل والهيئات المعنية حتى تظهر الحقيقة كاملة حول هذا الموضوع.

غير أننا نعتقد أن ما هو حاصل بخصوص مسألة تضارب المصالح وتقديمه على أنه يندرج ضمن توجه لمكافحة الفساد يجب أن يجد له إطارا أعلى للتحليل والفهم.

فبالنسبة إلى السياسيين الذين يجرّون وراءهم ملفات ثقيلة بالقطب الاقتصادي والمالي وحلفائهم فهؤلاء لا يمكنهم إقناع الرأي العام بمبدئية متابعتهم لهذه القضية لان وضعهم الأشبه بالشيطان الذي ينهى عن المنكر ينزع عنهم كل مصداقية في هذا الصدد.

أما بالنسبة إلى هيئات الرقابة وهيئة مكافحة الفساد فما هو حاصل الآن يضع على عاتقها مسؤولية إخراج كل ملفات شبهات تضارب المصالح واستغلال النفوذ والكسب غير المشروع من داخل كل السلط والأجهزة. فقد أكد أحد الناطقين باسم هيئة الرقابة العامة للمصلح العمومية في تقديمه لملخص تقرير الهيئة الذي سمي بالأولي أنه للأسف الشديد هذه الوضعيات موجودة بكثرة.

ذلك أن عمل هذه الهيئات المذكورة على ملف رئيس الحكومة المستقيل دون غيره من الملفات والوضعيات وهي موجودة وعديدة على حد تعبير عضو هيئة الرقابة العامة والتي لم يشاهد الرأي العام أي عمل عليها يسهّل شبهات التوظيف السياسي لهذه الهيئات في الوقت الراهن في صراع رئيس الحكومة المستقيل مع خصومه السياسيين وذلك فضلا على التزامن الملاحظ بين تحرك هيئة مكافحة الفساد نحو القضاء وبعض القرارات السياسية في هذا السياق.

وبعد صدور التقرير الأولي لهيئة الرقابة العامة للمصالح العمومية يوم الجمعة 17 جويلية 2020 والذي تحدث عن إخلالات وتجاوزات في الصفقة المبرمة مع مجمع الشركات التي يملك رئيس الحكومة أسهما في رأس مال إحداها وبعد نشر البيان التوضيحي للهيئة العليا للطلب العمومي يوم الأحد 19 جويلية 2020 الذي »فند» مبدئيا بعض ما جاء بتقرير هيئة الرقابة العامة بل اعتبر أن التقرير المذكور انبنى على أخطاء قانونية صدرت النشرة الدورية لهيئة مكافحة الفساد في نفس مساء يوم الأحد 19 جويلية 2020 في حين أنها تحمل تاريخ يوم الاثنين 20 جويلية 2020 ذكر فيها أن الهيئة أرسلت بتاريخ 16 جويلية 2020 تقريرا تكميليا لتقريرها الأول بتاريخ 10 جويلية 2020 لوكيل الجمهورية وأنها طلبت بناء على ما ثبت لديها من قرائن قوية في الملف إصدار البطاقات القضائية اللازمة من تحاجير السفر وتجميد الأموال…

والسؤال الذي يمكن أن يطرح هنا في مسألة التزامن بين الأحداث لماذا تصدر هيئة مكافحة الفساد نشرتها الدورية على عجل مساء الأحد والحال أنها مؤرخة يوم الاثنين 20 جويلية 2020؟ فهل كانت الغاية من ذلك الترويج الإعلامي للمطالب المتعلقة بطلب الأذون القضائية وهو ما تم فعلا إذ لم تختر الهيئة الإبلاغ عن طلباتها يوم 16 جويلية 2020 يوم توجيه تقريرها التكميلي لوكيل الجمهورية ؟. فهل كان الإبلاغ عن طلب الأذون القضائية مساء الأحد وسيلة ضغط إعلامي في ملف رئيس الحكومة إزاء ما يمكن أن يكون قد أحدثه بيان الهيئة العليا للطلب العمومي التوضيحي و «التصحيحي» من اثر يمكن اعتباره إضعافا لمصداقية تقرير هيئة الرقابة العامة في ذلك الملف ؟.

وما يهمنا خاصة من خلال بعض هذه العناصر للتفكير حول الأزمة الراهنة هو أن يضبط القضاء زمنه في هذه القضية الجديدة بعيدا عن تسارع نسق الأحداث السياسية أو تباطئها للناي بنفسه عن شبهات التوظيف السياسي. فالتسارع كان دراماتيكيا للإجراءات القضائية في ملف رئيس حزب قلب تونس والمرشح للإنتخابات الرئاسية في الصائفة الماضية خلال العطلة القضائية في خضم الحملة الانتخابية الرئاسية بعدما كان الملف يغط في سبات عميق على رفوف قاضي التحقيق منذ سنة 2016 فكان من نتائج ذلك التسارع المفاجئ للزمن القضائي إصدار بطاقة إيداع ضد المرشح للرئاسة من دائرة الإتهام دون استئناف النيابة العمومية لقرار قاضي التحقيق إبقاءه بحالة سراح وبعد تغيير تركيبة الدائرة (تغيير فتح فيه بحث لم يختم أبدا ولم يعلم الرأي العام بنتائجه) وتنفيذ البطاقة مساء نفس يوم إصدارها ثم التناقض بعد ذلك بين دوائر محكمة التعقيب حول الطعن في بطاقة الإيداع برفض الطعن من الدائرة الأولى وقبوله من الدائرة الثانية ونقض البطاقة وسط ضغوط جمة علنية داخلية وخارجية. لقد فتح كل ذلك المجال واسعا للحديث عن التدخل السياسي في القضية وعن قضاء «المعابر« في غياب لكل توحيد للمواقف من مسالة إجرائية ذات علاقة بالحريات وذات أهمية بالغة في نجاعة التحقيق في قضايا الفساد ثم وخاصة بعد عودة الملف إثر كل ذلك الصخب والنسق الحارق إلى السبات العميق لدى قاضي التحقيق بنهاية الاستحقاق الانتخابي. كيف لا يسيء هذا النسق للقضاء عندما يحيّن على مقتضى التوقيت السياسي وكيف لا يضعفه ذلك ولا يمس من سمعته ومن الثقة العامة فيه. هذه الأطوار الغريبة التي عرفها الملف لا تخدم قطعا دوره في مكافحة الفساد بل انه يخرج ذا الشبهة في ثوب الضحية. فلنحذر هذه الصائفة من استعادة هذا الكابوس من الارتجال والارتكاب والتناقض في الأداء القضائي ومن شبهات التدخل السياسي في سيره !.

أخيرا عندما تكتسب الهياكل والهيئات المعنية بمكافحة الفساد أداء مؤسسيا مستقرا ومستمرا بسوابق ولواحق وبنتائج بعيدة عن التناقض وعن أي تزامن مع الصراعات السياسية الظرفية قد توظف فيها هذه الهيئات بإرادتها أو بغير إرادتها يمكن أن نصدق أننا بصدد أداء جدي في مكافحة الفساد وأخلقة للحياة العامة. أما غياب هذا الاكتساب فانه يعزز الشكوك بأننا بصدد ملاحقات مناسبتية يتحكم السياسي في دفتها إسراعا وإبطاء يضعها في الرفوف حينا ويدفع بها إلى صدارة الأحداث أحيانا بل قد تختفي في أحيان أخرى لتصير نسيا منسيا. فيتحقق فينا ذلك المثل الشعبي الذي يقول »ويمشي المحرم في جرّة المجرم» بمعني انه يتساوى البريء والمجرم ولا تظهر الحقيقة ولا تتحقق العدالة أبدا فلا نعرف من المخطئ ومن الذي لم يخطئ. هي ملاحقات تلقي بضلال كثيفة من الشك وتزيد في إضعاف الدولة واهتزاز الثقة في الأشخاص والمؤسسات وتلوث الحياة العامة.

مرة أخرى لنحذر من مكافحة للفساد ومن عدالة دون نسق محايد متزن ومستقل بل بنسق محين بحسب التوقيت وبروماتر السياسيين فذلك ما يفسد سير العدالة وعمل الهيئات المعنية بمحاربة الفساد وما يعصف بنزاهتها وما لا يرجى منه تحقيق نتائج في مكافحة الفساد..

شاهد أيضاً

رجاء لا تفسدوا نضال القضاة

القاضية روضة القرافي  على خلفية قرار رئيس الحكومة بالتدخل لبسط القانون (بالتنسيق مع النيابة العمومية …

عندما تتحول الحركة السنوية للقضاة إلى حديث عن وكيل الجمهورية وزوجة الرئيس !

القاضية روضة القرافي  اطلعنا على بعض ردود الأفعال الأولية حول الحركة القضائية لهذه السنة وكلها …

اترك رد