الثلاثاء , 27 أكتوبر 2020

فقهاء السلطان الأخرق صاحب الصواريخ

أبو يعرب المرزوقي 

في تشكيل الحكومة التي عين لها السلطان الأخرق وزيرا أولا ليس له وجود سياسي عدى فشله في النيابية والرئاسية بحصيلة دون الصفر وتبين فالحا في العبث بالقوانين واستغلال النفوذ مرره بالتهديد بحل البرلمان وبادعاء حكومة الشاهد لتصريف الأعمال لا تقبل العرض على الثقة.

وجاء الإعلام “الحر” الذي رباه عبد الوهاب عبد الله على “فضيلة البحث عن الحقيقة” بفانونجي زعموه مختصا في القانون الدستوري ليؤيد فتوى الرئيس المباهي باختصاصه هو بدوره في القانون الدستوري (الذي في الراس دون الكراس لأنه لم يكتب حرفا) ليبرر تأويله مستشهدا بمبدأ كلسون الذي يجهل معناه وشروطه:

  1. فتمييز كلسن بين التأويل في النظرية القانونية (التأويل الأكاديمي) والتأويل الغاية في الممارسة القانونية (التأويل القضائي) ولا علاقة له بتأويل سلطة حاكمة حتى لو زعم صاحبها الاختصاص في القانون بصرف النظر عن كونه رعواني “يعكل”.
  2. وحتى لو تعسفنا فقبلنا بذلك -وهو تعسف لا تقره نظرية كلسن- فلا يمكن قانونيا وخلقيا لمن هو طرف في النزاع أن يكون حكما فيه. وفي تلك الحالة كان الرئيس طرفا في النزاع مع مجلس النواب حول حدود سلطتيهما: تنازع سلط.

وطبعا لا أتهم “الخبير” بسوء النية ولا بالتحيز بل اكتفي بالقول إنه ربما لم يفهم نظرية كلسن وأنه ربما لا يؤمن بأخلاق القضاء قبل أن يكون الرئيس قاضيا ومتقاضيا في آن: لأنه مفتي سلاطين.
فمفتي السلاطين ليس بالضرورة من رجال الدين فقد يكون من رجال العلمانية وهؤلاء لا يقلون فسادا عن أولئك فالجامية مشتركة بينهما. وفي أي نزاع حتى بين مواطن وقاض لا يمكن أن يكون نفس القاضي مكلفا بالقضاء في النزاع بينهما.
وبعد تهديده أمس في دروشة مثيلة لما اعتدنا سماعه منه سمعت الكثير من التآويل يدعي أصحابها أن المختص في القانون -والذي أصبح مختصا في الصواريخ ليهدد بها السلطة التشريعية سيطبق الفصل 80 من الدستور.؟
ويزعمون أن هذا الفصل يخوله سلطانا استثنائيا يفعل به ما يشاء حتى في ما هو علته لأنه هو المسؤول الأول على ترذيل الدولة ليس في المجلس وحده بل حتى في الرئاسة ناهيك عما آل إليها امر القصبة بسبب اختياره الأخرق للأكفاء في اللصوصية والتحيل على القانون.

فماذا يمكن هذا الفصل 80 من الدستور من التحول إلى منصة الصواريخ ستجعل الدروشة تتحول إلى سلطان مطلق كما يدعون؟

فأدعياء التأويل هذه المرة سواء كانوا إعلاميين أو فقهاء في القانون الدستوري بدأوا يخبطون خبط عشواء:

  1. فأولا لا بد أن يكون الخطر الذي يهدد الدولة غير قابل للعلاج إلا بهذه الطريقة الاستثنائية بمعنى أن القانون العادي لا يكفي لعلاجها. لذلك فليس هو وحده الذي يقدر هذا اللجوء فهو لا يفعل إلا بعد التشاور مع المجلس والمحكمة الدستورية أو ما يعوضها مؤقتا في حالتنا لعدم تشكيل المحكمة.
  2. وثانيا إذا كان من شروط هذا القرار امتناع حل المجلس فإن ذلك يعني أن بقاء المجلس والمحكمة ليس للفرجة بل هما مؤسستان تبقيان للمراقبة حتى يكون استعمال هذا الاستثناء في حدود ما تم الاستثناء من أجله.
  3. ثالثا وإذن فهذا الفصل لا يعطيه سلطة مطلقة لأن تطبيقه مقصور على علته دون سواها ويبقى تحت مراقبة المجلس الذي لا يستطيع حله وتحت مراقبة المحكمة الدستورية أو ما ينوبها مؤقتا إذا حصل خلاف بينه وبين المجلس خلال استعماله.
  4. رابعا إذا تجاوز ما تم الاتفاق عليه في التشاور 1 و2 وعممه دون الاقتصار على علة اللجوء إليه يكون سلوكه انقلابيا وليس دستوريا وحينها يمكن اعتباره قد تجاوز سلطاته حتى في حالة الاستثناء المؤقت.
  5. وأخيرا فالاستثناء لا يدوم أكثر من ثلاثين يوما. وفيها لا يمكن أن يفعل غير المطلوب أي إزالة العلة والرجوع إلى الحالة الطبيعية. والعلة في هذه الحالة هي التشويش في المجلس وتحديد المسؤولية الذي يكفي فيه القانون العادي لو كان الرئيس حقا ليس هو المحرض عليه.

لذلك فاللجوء إلى الحالة الاستثنائية لعلاج ما يغني القانون العادي عنه -وهو حل يسير بالقانون العادي- دليل نية مبيتة لغاية لا علاقة لها بوظيفة حماية الدولة. وهو سلوك دال على الحمق السياسي.
فهذا الاستثناء إذا ما لم يراع هذه المبادئ فإنه يصيب النظامين العامين السياسي والقانوني في مقتل وقد يؤدي إلى حرب أهلية لا تبقي ولا تذر:

  1. فالنظام السياسي العام أساسه توازنات في الجماعة وفي نظام الحكم أي في ما بين السلطات من اختصاصات يمكن أن تنخرم في المستويين في الجماعة في نظام الحكم. والمحافظة على التوازنات هو سر النظام العام فيهما.
  2. والنظام القانوني العام أساسه تراتب القوانين وتكاملها ولا يمكن الحفاظ عليه من دون مراعاة التراتب والتكامل وكل تجاوز لرتبة واستبدالها بالتي فوقها أو بالتي تحتها يشبه ما يحصل في العمران عندما لا يحترم المهندس المعماري شروط البناء.

والخللان أساسهما هو نقص الحكام والفقهاء في التكوين المنطقي والهرمينوطيقي أي في تأويل أعراض الأدواء التي يعالجها الحكم سياسيا وقانونيا. وهم في هذه الحالة أشبه بالأطباء الجاهلين بالسيميولوجي في تأويل الأعراض ومن ثم في استعمال الأدوية بالمقادير المناسبة.
ولعل الكلام على الصواريخ في هذه الحالة من علامات هذين النقصين في تكوين دمية قرطاج لأن علاجه يشبه من يريد استعمال السلاح النووي لحماية الدولة من حادث طريق في المجلس أو في محيطه. وطبعا لو كان “يعرف العربية” كما يعرف الفرنسية التي تعلمها من كتب ماكرون لوجد استعارات أقل “بداوة” لأنها من العنتريات المرضية.
هو إذن يبحث عن طريق لتحقيق مشروعه ولذلك فسيدفع للتعفين حتى يجد المبرر لاستعمال هذا الاستثناء. لكني أعده بأنه يحفر قبره بيده لأن مثل هذا الإجراء سيكون انقلابا مكشوفا ولا يمكن لأي تونسي أن يقبل به.
سيكون هذا التعفين القصدي نهايته هو ومشروعه.
الصاروخ سيتجه إليه وليس للمجلس لأن الشعب الذي منذ أكثر من قرن يطالب ببرلمان لن يقبل أن يأتي ڨذافي تونسي مفلس يريد أن يعود به إلى اللجان الشعبية أو كراتشي يلقب نفسه بلينين يعود به إلى السوفيات.

مرة أخرى:
اللي يحسب وحده يفضله.
لم يعد تهديده يخيف أحدا:
النواب قرروا أن يتصدوا لعنجهية الجهل والحمق لأنه لا يوجد أحد في بلد تحرر شعبها ويريد أن يعيش كريما وسيدا يمكن أن يقبل مثل هذا الدجل واستغلال براءة الشباب لجعلهم عبيدا وجعل بلادهم مزبلة لفرنسا وإيران مثل لبنان.

شاهد أيضاً

الديمقراطية، شروط التحديثي والتأصيلي الكاريكاتورية

أبو يعرب المرزوقي  كلما سمعت “مثقفا” يدعي الحداثة يرهن أهلية الشعوب لقيادة نفسها سياسيا بما …

الإعلام: ما مشكله ؟ ولماذا يعسر علاجه ؟

أبو يعرب المرزوقي  ما فهمته من مشروع الإصلاح المقترح هو الإصلاح بإطلاق حرية المبادرة والاعتماد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.