الأربعاء , 21 أكتوبر 2020

في خطاب إيجابيّ أثار مخاوف خاطئة: صواريخ قيس سعيّد لن تحلّ البرلمان..!!

عبد اللّطيف درباله 

خلافا للاعتقادات السائدة: رئيس الجمهوريّة ليس من حقّه حلّ مجلس النواب إلاّ في حالة الفشل في تكوين الحكومة..!!

إجتماع رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد اليوم الإثنين 20 جويلية 2020.. مع رئيس مجلس نواب الشعب راشد الغنّوشي ونائبيه الأوّل والثاني سميرة الشوّاشي وطارق الفتيتي.. كان لقاء إيجابيّا.. وتميّز بخطاب متزّن..
وفي ما عدا عبارة “كالصواريخ على منصّات إطلاقها”.. فإنّ الرئيس سعيّد أظهر تفهّما عميقا لمشكلة البرلمان.. وخطر تعطّل السلطة التشريعيّة بشكل غير مسبوق.. وأعلن بوضوح بأنّ ذلك الوضع لا يمكن أن يستمرّ.. وأنّه يجب إيجاد حلّ في أقرب وقت طبق القانون.. وبيّن بأنّ الوسائل الدستوريّة والقانونيّة موجودة..
وهو ما يعني بوضوح بأنّ موقف الرئيس يساند موقف رئاسة المجلس.. وموقف جميع القوى الحيّة والديمقراطيّة التي استنكرت الاعتصام الاستعراضي لعبير موسي وشلّة حزبها.. وشغبها بالمجلس.. وتعمّدها تعطيل أشغاله في محاولة متواصلة لتحقيق أهدف سياسويّة رخيصة..!!

وقد حرص الرئيس قيس سعيّد على القول بأنّه ليس في صدام مع أحد.. في إشارة تطمينيّة إلى جميع القوى السياسيّة..
خاصّة بحضور ممثّلي حزب النهضة وقلب تونس.. أكثر الأحزاب خلافا مع الرئيس سعيّد.. دون اعتبار الحزب الدستوري الحرّ الذي هو في شبه قطيعة معه..!

في المقابل فإنّ عبارة قالها الرئيس قيس سعيّد هي:
“تعطيل مؤسّسة دستورية غير مقبول.. ولدينا من الإمكانيات والوسائل القانونية لحفظ مؤسّسات الدولة.. وهي كالصواريخ على منصّات إطلاقها”..!!
أثارت الكثير من الجدل واللّغط والتفسيرات المتضاربة.. وأثارت أيضا المخاوف والتوجّسات لدى البعض..!!
والحقيقة أنّه ربّما آن الأوان للتعوّد على “قاموس” خطابات وكلمات قيس سعيّد.. المرتجلة والمكتوبة.. والتي تدور كلّها في فلك الأمور الأمنيّة والغامضة والتهديدات والوعيد والتفجيرات والرصاص والصورايخ.. وأن لا يقع تحميلها أكثر من قيمتها الكلاميّة الحماسيّة.. أو هكذا يظهر حتّى الآن..!
ولئن اعتبر البعض أنّ الرئيس سعيّد يقصد أو يلمّح بكلمة “الصواريخ” التي تدلّ على القصف.. حلّ مجلس النواب..
ففي اعتقادنا فإنّ سياق الكلام واضح.. وهو أنّه على العكس من ذلك فإنّ “صواريخ” قيس سعيّد قصد بها أصلا حماية مجلس النواب لا حلّه وتعطيله..!!
وإعادة قراءة بسيطة لتلك العبارة فيها الدليل وكفاية..
فهو تحدّث عن تعطيل مؤسّسة دستوريّة قاصدا البرلمان بلا شكّ.. واعتبره غير مقبول.. وأكّد أنّ لديه الإمكانيّات والوسائل القانونيّة لحفظ مؤسّسات الدولة.. أي الوسائل لحماية البرلمان الذي هو من مؤسّسات الدولة.. ولضمان استمرار وسير نشاط السلطة التشريعيّة.. وتشبيهها المجازي أنّها “كالصواريخ على منصّات إطلاقها”.. هو في تلك الحدود في سياق العبارة ليس إلاّ.. واستعمال كلمة الصواريخ لا تعني التفجير أو العمل العسكري أو الإنقلابي أو غلق أو تعطيل أو حلّ المجلس..! وإنّما تعني “القصف المركّز عن بعد نحو الهدف بسلاح قويّ”.. في سياق الهدف المعلن قبلا.. وهو حماية مؤسّسات الدولة.. كما قالها صراحة في سياق جملته..!!

للعلم فقط.. فإنّه وخلافا للاعتقاد السائد بأنّه يمكن لرئيس الجمهوريّة حلّ مجلس نواب الشعب في أيّ وقت..
وخلافا للدعوات العشوائيّة والفوضويّة التي يوجهّها البعض للرئيس قيس سعيّد من أجل حلّ مجلس النواب.. سواء من بعض الأطراف والقوى والشخصيّات السياسيّة.. أو من بعض فئات الشعب.. إمّا من الذين هالهم حجم العبث والتردّي في المجلس.. أو الذين يعتقدون أنّ ذلك يحقّق لهم أغراضا سياسيّة.. أو من الذين يعتبرون مجلس نواب الشعب “دكّانة سياسيّة” لا تحتاجها البلاد.. وكأنّه يوجد نظام سياسي ديمقراطي في العالم بدون برلمان.. حتّى وإن كان لدينا مشكل في جانب من الطبقة السياسيّة وفي عدد من النواب..
فإنّ مثل تلك الاعتقادات.. هي محض خيالات سياسيّة شعبويّة لا أساس لها من الصحّة لا دستورا ولا قانونا..!!

وحيث أنّ الدستور التونسي لم يعط رئيس الجمهوريّة أيّ صلاحيّات مطلقة في في ما يخصّ حلّ مجلس نواب الشعب.. كيفما شاء ومتى شاء وبسبب أو بدونه.. وإنّما حصر تلك الإمكانيّة في حالات نادرة ومعدودة ومقيّدة.. وتتعلّق فقط بفشل توافق أغلبيّة برلمانيّة على تشكيل حكومة تمثّلها في الأجل المحدّد دستورا..
وحيث أنّه لا يجب أن ننسى بأنّنا في نظام برلماني أساسا.. حيث أنّ السلطة الأصليّة والأولى هي السلطة التشريعيّة.. بوصفها ممثلّة لإرادة الشعب.. وأنّها مثلها مثل رئيس الجمهوريّة أتت إلى الحكم بالانتخاب.. فلا مجلس النواب قادر على إقالة رئيس الجمهوريّة.. ولا رئيس الجمهوريّة قادر على “إقالة” مجلس النواب أي حلّه.. إلاّ في حالات محصورة جدّا بالقانون ومبرّرة..
وهو التوجّه الذي حرص الدستور التونسي على تكريسه لحماية مجلس نواب الشعب كسلطة أصليّة لا سلطة فوقها..!!

وحيث أنّه وفي ما يخصّ إمكانيّة حلّ مجلس نواب الشعب.. فقد نصّ الفصل 77 من الدستور التونسي أنّه يمكن لرئيس الجمهوريّة “حلّ مجلس نواب الشعب في الحالات التي ينصّ عليها الدستور”.. أي أنّ ذلك الحقّ ليس مطلقا..
وقيّد الرئيس في كلّ الحالات بأنّه لا يمكنه حلّ مجلس النواب لا في الستّة أشهر الأولى من نيل أوّل حكومة الثقة.. ولا في الستّة الأشهر الأخيرة من الفترة الرئاسيّة أو النيابيّة..
وبالبحث عن الحالات التي ينصّ فيها الدستور التونسي على إمكانيّة حلّ البرلمان.. نجد ما يلي:

• أوّلا الفصل 89.. الذي ينصّ على أنّه في حالة فشل الحزب الأوّل بعد الانتخابات التشريعيّة في تكوين حكومة في غضون شهرين.. فإنّه رئيس الجمهوريّة يكلّف رئيس حكومة جديدة يمنح أجل شهر واحد لتكوين حكومته.. فإن فشل في ذلك.. أو لم تنل حكومته الثقة.. وإذا مرّت أربعة أشهر على التكليف الأوّل ولم يمنح أعضاء مجلس نواب الشعب الثقة للحكومة.. فإنّه لرئيس الجمهوريّة الحقّ في حلّ مجلس نواب الشعب والدعوة إلى انتخابات تشريعيّة جديدة..
وهي طبعا حالة خاصّة ومقيّدة قانونا بعدم التوفّق في تكوين حكومة أو في نيلها الثقة بعد محاولتين إثنتين..

• الحالة الثانية هي المنصوص عليها في الفصل 99 من الدستور.. في حالة طلب رئيس الجمهوريّة عرض الحكومة على التصويت بالثقة في مجلس نواب الشعب ولم تحصل عليها.. فتعتبر مستقيلة.. ويكلّف رئيس الجمهوريّة الشخصيّة الأقدر لتكوين حكومة جديدة.. فإن تجاوز أجل الشهر دون تكوينها أو لم ينل الثقة عليها.. يكون لرئيس الجمهوريّة الحقّ في حلّ البرلمان والدعوة إلى إنتخابات جديدة..

• الحالة الثالثة.. نصّ عليها الفصل 100 من الدستور.. وهي تتعلّق بحالة الشغور النهائي لمنصب رئيس الحكومة.. في غير حالة الإستقالة أو سحب الثقة.. فإنّ رئيس الجمهوريّة يكلّف مرشّح الحزب أو الإئتلاف الحاكم بتكوين حكومة خلال شهر.. فإن تجاوز الأجل دون تكوينها أو لم ينل الثقة عليها.. يكون لرئيس الجمهوريّة الحقّ في حلّ البرلمان والدعوة إلى إنتخابات جديدة..

وبذلك تكون الحالات الثلاثة الوحيدة المنصوص عليها في الدستور التونسي لحلّ مجلس نواب الشعب من طرف رئيس الجمهوريّة طبقا للفصل 77.. هي فقط الحالات الواردة بالفصول 89 و99 و100.. والمتعلقّة جميعها بالفشل في تكوين الحكومة أو في نيلها الثقة من البرلمان.. بعد مضيّ الأجل المعيّن واستنفاذ الفرص الدستوريّة..

حتّى الفصل 80 من الدستور الذي ينصّ على أنّه يمكن لرئيس الجمهوريّة في حالة الخطر الداهم المهدّد لكيان الوطن أو أمن البلاد أو إستقلالها بما يتعذّر معه السير العادي لدواليب الدولة أن يتّخذ التدابير التي تحتّمها تلك الحالة الاستثنائيّة بعد استشارة رئيسي الحكومة ومجلس نواب الشعب وإعلام رئيس المحكمة الدستوريّة.. فإنّها.. وخلافا لمزاعم البعض.. لا تعطي الحقّ لرئيس الجمهوريّة في حلّ البرلمان ضمن تلك التدابير الاسثنائيّة.. بل على العكس من ذلك.. فقد نصّت الفقرة الثانية من نفس الفصل على أنّه:
“ويعتبر مجلس نواب الشعب في حالة إنعقاد دائم طيلة هذه الفترة. وفي هذه الحالة لا يجوز لرئيس الجمهوريّة حلّ مجلس نواب الشعب..”..
وهو فصل واضح وصريح..

لذا فإنّ كلّ الأقاويل المتداولة بين الحين والآخر عن طلب حلّ البرلمان.. أو إمكانيّة ذلك.. أو خطر ذلك.. هي محض خيالات غير مؤسّسة دستورا.. ولا صحّة لها..
ولا تعكس إلاّ جهلا بالدستور..!!
أو رغبة في بثّ البلبلة والتهديد والضغط..!!
أو أضغاث أحلام لبعض المتصيّدين في الماء العكر على هامش الديموقراطيّة..!!

شاهد أيضاً

فضيحة دولة..!!!

عبد اللّطيف درباله  صندوق 1818 الذي خُصّص للتبرّعات لفائدة المجهود الوطني لمقاومة الكورونا.. بغرض توفير …

من يحاسب المسؤولين الحكوميين ؟؟!!

عبد اللّطيف درباله  فرنسا بدأت تحقيقا قضائيّا واسعا ضدّ رئيس الحكومة السابق ووزراء الصحّة من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.