الإثنين , 30 نوفمبر 2020

ذل باريس جزية الغطرسة في تونس

أبو يعرب المرزوقي 

لأول مرة أسمع أذل خلق الله في لقاء باريس والمكب على كتفي حاميه يتفرسن على ممثلي مجلس النواب الثلاثة رئيسه ونائبيه بحضور رئيسة ديوانه التي سيماؤها وفوهها الفاغر يدلان على الحمق والخسة.
وتصل به قلة الأدب إلى الكلام على الصواريخ المنصوبة على منصاتها في تهديد بين القصد حتى للأغبياء مثله ومثل من أحاط بهم نفسه وتحدي لكل النواب بقلب مفهوم التشاور إلى مراسلة في اتجاه واحد مدعيا أن نص الدستور لم يستثن طريقة المراسلة مع الزعم بأنه يفهم العربية.
فلا يوجد تشاور في العربية كتابي من دون تراسل في الاتجاهين يتوالى فيه الأخذ والرد شهورا حتى يتم خاصة وهو تشاور بين عديد الأحزاب والكتل بحيث إن ذلك قد يتطلب شهورا في حين أن الدستور يحدد عشرة أيام لا غير ما يعني أنه يكون في لقاءات تشاورية معهم.

ولولا خذلان النواب الزائفين لنيابة الشعب لامتنعوا جميعا عن القبول بهذا الفهم الأحمق الذي أهانهم به في المرة الأولى ويعيد إهانتهم في الثانية في حين أن المرتين كلتاهما من تخطيطه الذي يعتبر جزءا من ترذيل العمل النيابي ما يعني أن الزغراطة جزء من الخطة.
لكن هذه المرة وقد علم أن الصدام لم يعد يخيف معارضيه وأن التهديد بحل البرلمان لم يعد كافيا لابتزازهم فإنه يهدد بغلق البرلمان بالقوة بدعوى منع الفوضى والإخلال بمؤسسة دستورية كان الهدف من ترذيلها جعل ذلك وكأنه لحمايتها.
ولا يختلف كلامه هذا عما قاله من كان ينوي إرسال دبابتين لغلق البرلمان ومنع النواب من ممارسة عملهم. ومن لم يفهم أن الكلام له هذا المعنى لأنه خسر معركة تنصيب من يريد بعد أن علم بكتلة من 130 نائبا ستقدم له اسما لن يستطيع رفضه.
وقد صار يعلم أنه ليس له خيار غير منع الوصول إلى ذلك مهما كلفه الأمر بعد أن فشلت خطة التهديد بحل البرلمان بل وبعد أن بدأ يفهم أن إعادة الانتخابات ستجعله من جماعة صفر فاصل لأن الحزيبين “انتهت خبزتهم” بعد مغامرة لم تدم طويلا أقنعت الشعب بأنهم صفر دون فاصل.
لذلك فهو يعلم والحزيبان مثله مثلهم أنهم إذا فقدوا هذه الفرصة فليس لهم فرصة ثانية بعدها. لم يبق لهم إلا طريقة وحيدة في غياب القدرة على حل البرلمان هي عكسها تماما “غلق البرلمان” كما كان ينوي صاحب الدبابتين أو كما فعل ابن جعفر في اعتصام الرز بالفاكهة رغم اختلاف القصد.
وطبعا هو يهدد ويعتقد أن التهديد سيجعلهم يقبلون بأن يختار “الأقدر على كيفه” أو على كيف من يأمره ليكون ليس “الأقذر” فحسب بل “الأعنف”. وهو ما يعني تقريبا أنه قد اختار الشخص المناسب رغم تكذيب اللقاء به في الإعلام أعني وزير الداخلية الذي اختارته السعودية للانقلاب على الشرعية لما كان في حكومة الشاهد.
لولا إيماني بأن شعب تونس لن يكون رد فعله مثل شعب مصر في انقلاب السيسي ولا حتى مثل رد فعل الشعب التركي في الماضي بل هو سيكون مثل الشعب التركي في المرة الأخيرة ولن ينجح أي انقلاب فضلا عن كون جيش تونس ليس جيش مصر. فإذا حاول فسيكون براقش.
لكن لا بد من الاستعداد لكل طارئ فقد يلجؤون إلى الخطة “ب” وهي نفس الخطة المستعملة حاليا ضد مجلس النواب: فوضى الشارع بعد فوضى المجلس. فقد سبقت محاولات فشلت في الشهرين الماضيين. وهو سيلجأ للمنهج الباطني الذي يجند بعض النخب وبعض الشباب بصكوك الجنة ووعود المتعة وحتى بتقنيات الحشاشين.
لكن “قفل المجلس” قد يؤدي إلى رد فعل شعبي لرفض القرار فتكون فرصة لاستعمال الأمن بحجة فرض النظام وأي حدث ولو بغير قصد يصبح بداية للفوضى العارمة التي يريدها ليطلق ما سماه الصواريخ المستعدة للانطلاق وهي ليست سلاحا بل مليشيات أعدها من أوصلوه من اجل هذا الدور.
ولا ينتظرن أحد مني أن أقول وكأني شامت:
أما قلت لكم؟ أما حذرتكم؟
كل ما أقوله هو أن اللوم بعد القضاء بدعة وأنه على كل المخلصين لهذا البلد أن يستعملوا هم أيضا صواريخ الشرعية النيابية ضد الخيانة التي وصفتها منذ أمد طويل بأنها عظمى.
فهو حكم بتحريف الدستور وتعيين وزير أول طلع سارق ليس من قريب بل منذ أن اطلع على أسرار الدولة في حكومة الترويكا الأخيرة. ولا يمكن أن يكون جاهلا بأنه سارق ونذل وساقط وأنه قد فرض عليه ذات ليلة بمكالمة من عرفه.
كما لا يمكن أن يكون قد فرضه بالابتزاز المعتمد على تأويل للدستور ليس من حقه أولا لأنه ليس قاضيا دستوريا وثانيا لأنه طرف في النزاع ولا يمكن أن يكون قاضيا ومتقاضيا في آن. وإذا كررها مرة ثانية فلن يخاف أحد من العودة إلى الشعب وسيضطر هو بدوره لنفس الامتحان ولن يكرم بل سيهان.
فقد أثبت أنه خائن للدستور وحانث بالقسم على القرآن وجاهل بالقانون الدستوري مثله مثل الخبير الذي أراد التفافة والاستدلال برأي كلسن الذي يجهل مبدأه بحيث إنه أثبت عدم الكفاءة في اختصاصه وعدم الأمانة في مسؤوليته وعدم الخلق في الكذب الدائم وآخر أكاذيبه قصة استقالة الوزير الأول الموجودة في الدرج من أيام.

أعلم أن الأحزاب التي من المفروض -لو كانت أحزابا فعلية- أن تكون ممثلة للشعب. لكنها -جلها- في الحقيقة واجهات المافيات التي تنهب الشعب. والدليل محاولات التستر على رئيس الوزراء السارق مرتين:

  1. باستغلال النفوذ والاستفادة من الاطلاع على أسرار الدولة وثغرات القانون للعبث بماليتها.
  2. وبعدم دفع ما عليه من ضرائب بحيث إنها تفوق على من كانوا يتهمونه بالإخلال بواجب الضريبة.

ذلك أنها لو كانت أحزابا بحق وليست دارقات للمافيات لكانت أول من يرفض مثل هذه الممارسات التي يرون نهايتها في كل بلاد حكمها أحمق تغطرس على شبعه باسم شعبه ويذل أمام حاميه ويتظاهر بأن ثقافته فرنسية وهو حتى العربية التي يباهي بها في تونس يجهلها.
فقد وصل به الأمر إلى نصحه بعدم الاعتذار حتى لا يتهم نفسه مما يبرئه منه: الاستعمار. فلا يوجد عاقل لا يفهم ما يحدث في مصر وفي سوريا وفي العراق وحتى في إيران نفسها. ولا احد منهم يمكن أن يعتبر نفسه بمنأى مما يتصوره ضد منافسيه السياسيين.

شاهد أيضاً

الردة (الرستوراسيون) ؟ أي معنى لعودة ما لم يذهب ؟

أبو يعرب المرزوقي  عندما اسمع الكلام على الرستوراسيون في ما يسمى بالدول الوطنية التي حدثت …

نصر أذربيجان دلالته الاستراتيجية جغرافيا وتاريخيا

أبو يعرب المرزوقي  حصل ما توقعته: تبادل أرضي وإن غير معلن بين أذربيجان وأرمينيا ما …

اترك رد