السبت , 28 نوفمبر 2020

معادن البشر ومخرجات المصهر الثوري

أبو يعرب المرزوقي 

صحيح أن للثورات تضحيات تنوء بها الجبال. لكن التضحيات تمثل المصهر الخلقي الأسمى للتمييز بين معادن البشر ليس بالمعنى الطبيعي الثلاثي كما يحددها أفلاطون بل المعنى الروحي.
وهذا المعنى يحدده ابن خلدون بما يتأسس عليه “حب التأله” أو التشبه بصفات أفعال الذات الإلهية التي تتجلى صفة غالبة من خمس صفات حددها علم الكلام في فلسفة الدين الإسلامية. وهي:

  1. فعل الإرادة
  2. وفعل العلم
  3. وفعل القدرة
  4. وفعل الحياة
  5. وفعل الوجود

أعني أنها تكون بترجمة في الممارسة الإنسانية متعينة بطبيعة المشاركة في حياة الجماعة مشاركة يتجلى فيها حب التأله أو بروز “الذاتية” في رؤية الذات لذاتها ولدورها الذي يمثل ما تعتقد أنه يمثل سلطانها.
ويكون سلطان الذات في آن ممثلا لما يمكن اعتباره الاعتداد بالنفس ولما يترتب عليه من تصنيف الذات في سلم أهلية تمثيل الجماعة في واحد من هذه الافعال أو اكثر : وهؤلاء المتألهون هم من يسميهم الغزالي “معتبري الزمان” القادرين على القيادة في عصر من عصور اي حضارة.

1. فالإرادة تصبح أساس الزعامة السياسية اعتدادا بالنفس وطموحا لتنصيب الذات ممثلة لإرادة الجماعة والهيمنة عليها. وهي أساس هذا الشعور وتوجد في ديناميكة الجماعات حتى بين الأطفال خلال لعبهم في الحي.

2. والعلم يصبح أساس الزعامة الفكرية اعتدادا بالنفس وطموحا لتنصيب الذات ممثلة للمعرفة في الجماعة والهيمنة عليها وهي أساس هذا الشعور وتوجد حتى في الجماعات البدائية وهم اصحاب الراي أو “خبراؤها” عادة فيها.

3. والقدرة تصبح اساس الزعامة في امتلاك شروط القيام العضوي والروحي في الجماعة أي في الاقتصاد والثقافة اعتدادا بالنفس وطموحا لتنصيب الذات ممثلة للقدرة في الجماعة والهيمنة عليها.
وهي اساس هذا الشعور وتوجد في كل الجماعات فقيرها وغنيها لأن شروط القيام العضوي هو الثروة والقيام الروحي هو التراث وهما أساس المنازل في الجماعات،
ولذلك فهي المحددة لسلم معتبري الزمان لكونها غاية النوعين المتقدمين عليها بوصفهما أداتيها و”منتخبة” النوعين التاليين عنها بوصفهما ثمرتيها المادية والروحية.

4. والحياة تصبح اساس الزعامة في امتلاك شروط الذوق الجمالي والعنفوان العضوي الذي هو أول علامات الجمال البدني والجلال الخلقي
فهي أول علامات الجمال الروحي اعتدادا بالنفس وطموحا لتنصيب الذات ممثلة للحياة في الجماعة والهيمنة عليها.
وهي أساس هذا الشعور ولا تخلو منها جماعة أيا كانت معايير الجمال البدني والحمال الروحي فيها ولا يمكن تخيل جماعة من دون هذا البعد وهو أساس الأذواق في الجماعة.

5. وأخيرا الوجود الذي يصبح اساس الزعامة في رؤى معاني كل ما تقدم أو سلم الرؤى في الجماعة وغالبا ما تعود إما إلى المنتسب إلى الدين أو الوجدانيات أو إلى الفلسفة أو العقلانيات.
وفيهما تعبير عن منازل البشر بمقتضى كل ما تقدم مع إحالة إلى ما يتعالى عليها سواء رد إلى ما وراء التاريخ (الدين) أو إلى ما وراء الطبيعة (الفلسفة).
الآن وقد ذكرت بالرؤية التي تستمد من حب التأله بمعناه الخلدون أي ما في الإنسان من وضع نفسه موضع الرب بإرادته أو بعمله أو بقدرته أو بحياته أو برؤيته الوجودية.

يمكنني أن انظر في معادن النخب العربية عامة والتونسية خاصة كما تجلت خلال عقد الثورة ليكون ذلك منطلقا للحكم في ما كانت عليه قبلها وبعدها. وسأنطلق مما نعيشه الآن بوصفه ما ترتب على انتخابات 2019 أي أواخر السنة الماضية:

  1. فهل تعدد التكوينات السياسية الحزبية في تونس تعددها الذي بلغ 220 حزيبا يعني أن تونس لها كل هؤلاء المتألهين الذين لهم شعور بكونهم من معتبري الزمان تمثيلا لإرادة الجماعة؟
  2. وهل تعدد من تجندهم “مؤمنون بلا حدود” أصحاب بحث علمي شمل تقريبا كل من له “قول” في الفلسفة وفي الدين وفي كل العلوم الإنسانية يعني هل تونس لها كل هؤلاء المتألهين الذين لهم شعور بكونهم من “معتبري الزمان” تمثيلا لخبرة الجماعة؟
  3. وهل تعدد المافيات بعد سقوط زعيمهم الذي هرب هو وليلاه وقد بلغت تقريبا بعدد الأحزاب التي صارت واجهاتها في تمثيل سيطرتها على ما تقدم على هذه الذروة
    هل هي تأله متعين في الإرادة والعلم بما لها من سلطان القدرة على قيام البدن (الاقتصاد) وقيام الروح (الثقافة) فتمثل حقيقة تونسية أم هي توابع لمحركي الدمى من وراء البحار؟
  4. وهل تعدد الفنون الرعوانية في تونس وكلها تقريبا لا تتجاوز التعبير عن أحوال النفس البدائية في الأدب والمسرح والمسلسلات والسينما تعني أن ذوق الحياة فيها يمثل ما يمكن اعتباره شعورا بالجمال والجلال أم هو حالة من فقدانهما المرعب؟
  5. وأخيرا هل ما يمثل غاية كل ما تقدم وأصله أي الوعي بالوجود أو الرؤى الدينية والفلسفة تتجاوز الروبافيكيا الرؤيوية التي لا تعدو التلصص على موضات الفكر الغربية
    وهل لها معنى من دون ظرفها الخاص مقاما ومقالا فتكون الذات الحضارية قابلة في ضوئها لنقد يتجاوز المواقف الإيديولوجية لمن يدعون الإصلاح الديني أو الثقافي سواء كان ذلك من منطلق ابستمولوجي أو أكسيولوجي.

الجواب عن هذه الأسئلة يمكن من تحديد معادن الإنسان في لحظة العرب الحالية. وما يعنيني منها لحظة التونسيين الحالية. وأعتقد أن ما يجري في تونس عينة كافية من اللحظة العربية كلها.
فالنخب التونسية ورثت عن الحقبة البورقيبية وهم الريادة رغم أنها قد بلغت اقصى مبلغ في الكاريكاتور الممثل لكل هذه المستويات الخمسة بحيث صارت في ذيل ما حولها:

1. فقد راينا الإرادة وتمثيل ارادة الجماعة في فضيحة الحكومة الحالية: كل “الزعماء” بينت أفعالهم أنها ضديدة أقوالهم:
يكفي أن الوزير الأول صار أكبر لص.
وأن أصحاب الدولة القوية والعادلة صاروأ أضعف حكومة وأكثرها اجحافا.
وأن دونكيشوت الحرب على الفساد صار “عساس” الفاسدين
وأن الحزبين اللذين يدعيان الثورة صاروا باراشكوك للزغراطة ومشروع قعيد قرطاج.

2. رأينا العلم وتمثيل معرفة الجماعة في النخب التي دافعت عن دمية قرطاج. فمنهم من دافع عنه وهاجمني لأنه يؤمن بالروحانيات.
لكنه لما تبين أن من يدافع عنه باطني وأن تقواه تقية سكت ولم ينبس ببنت شفة ولعله يعاني من أزمة روحية أرجو له شفاء عاجلا حتى نسمع اعتذاره ليس لي بل لما وثقوا فيه.
فمن يخطيء في تبين شروط الصدق الخلقي عند غيره قد يكون لا يدري حتى عند نفسه مميزات التقية عن التقوى.
وكان أولى به أن يتكلم الآن ليعترف بأنه اغتر وغرر بغيره لأني يعسر أن يغرر بي هو أو غيره أو أن يستفزني نقدا انفعالي لم أفهم سره. عدى فرضية الخلط بين أحوال النفس والفكر.
وقد ذكرته بالرسم دون الأسم لأني ما زلت أحسن به الظن واعتقد أنه أخطأ ثانية كما اخطا لما حاكم رأيي في المرزوقي ولكن عن حسن نية.
ولن أذكر غيره من جماعة مؤمنون بلا حدود فهؤلاء معبودهم دنياهم وفكرهم هواهم ولا يمكن أن أقيسه بهم لأنه أفضلهم ومدخله إلى محاكمة ما يجري كثير المزالق.
فيكون صاحبه معذورا إذا اخطا عن حسن نية خاصة وهو ركز على نقد مورو ونقد منطق التخميس وكلاهما لا يعيران باحوال النفس.
و لا يمكن أن اعلق على معدن ما كانوا يبحثون عن سترابونتان عند الدمية بعد المرزوقي ولا على من يؤمنون بمبدأ لولا عماهم ما نعيش معاهم ولا خدم ليلي السابقين ولا خاصة الجوعى الذين يريدون أن ينفوا مآسي حياتهم
فالكذب على أنفسهم والتنكر لماضي احوالهم الاجتماعية فيتضاهروا بأنهم من علية القوم اجتماعيا خجلا بأصولهم الشعبية فيحولوا احتقارهم لأنفسهم إلى انتفاخ زائف لأن قليل الاصل علامنه نكران اصله.

3. وحتى لا أطيل فلا حاجة للكلام على أصحاب القدرة لأنها قدرة غيرهم عليهم يردون التظاهر بتمثيلها: فكل مافيات تونس تنوب مافيات فرنسا.
وهو أمر عاينته لما اصطحبني رئيس الحكومة الأستاذ الجبالي معه في لقاء ممثلي الاعمال في تونس بممثلي الأعمال الفرنسيين.
رايت رئيسة اتحاد أرباب العمل ومنافسها كلاهما كان مأمورا بنظير فرنسي كان لي معهم حوار قصصته ذات مرة.

4. وحتى لا أطيل فلا فائدة من الكلام على الذوق في الفنون التونسية. فالادب لم يتجاوز ما اعتبره هوميروس لا يعتد به في الادب الذي لا يبدأ إلا بعد تجاوزه.
فالادب الذي لا يتجاوز الترجمة الذاتية يخلط صاحبه بين أحوال نفسه فيظنا جديرة بأن تكون موضوع “رواية” فتصبح الدناءة وجاهة والوقاحة براءة.

5. وأخيرا فالنقد الفلسفي والديني لا يتجاوز في الفكر العربي الحالي عامة والتونسي خاصة هو تماما ما يمثله سوق الروبافكيا في الحفصية وسوق الخردة الصينية في شارع المنصف باي.
لذلك فيمكن القول إن ما عليه تونس الحالية في هذه التألهات كلها من علامات بلوغ الانحطاط السياسي والعلمي والاقتصادي والثقافي والفني والرؤيي ذروته.

ولم يبق إلا أن اقول تعزية للنفس عكس “لكل شيء إذا ما تم نقصان” بعكسها فأقول “لكل شيء إذا ما تم نقصانه استئناف قد يحرره من الانحطاط فتكون الثورة ذات طورين:

  1. طور تذويب المعادن لتطهيرها مما شابها من أدواء فتكون مصهرا تطهيريا.
  2. طور إعادة السبك باعتماد المعادن المطهرة من الروبافيكيا والفيروسات والجراثيم.

والازمة الحالية بدأت بدمى دمية الدمية: الوزير وباراشوكاته دمى في يد دمية قرطاج الذي هو دمية دمية روتشيلد في فرنسا ودمية الملالي في طهران.
ومجرد سقوط الدمى بداية لسقوط الدمية لتحرير تونس من المقيمين العامين الفرنسي والإيراني فتستعيد الثورة مسيرتها في الأقليم كله.
فالمعركة ليست تونسية قطريا بل هي معركة دور تونس في الاقليم ودور الأقليم في النظام العالمي الجديد لأن استئناف دور الأمة آت لا ريب فيه.

شاهد أيضاً

نصر أذربيجان دلالته الاستراتيجية جغرافيا وتاريخيا

أبو يعرب المرزوقي  حصل ما توقعته: تبادل أرضي وإن غير معلن بين أذربيجان وأرمينيا ما …

النهضة أو “عكاز” تونس الأخير

أبو يعرب المرزوقي  هذه محاولة أريد أن أبدي فيها رأيي في ما يجري في حزب …

اترك رد