السبت , 31 أكتوبر 2020

كيف فوّت “نقطة اللاّعودة”.. وأغرق محمّد عبّو نفسه وحزبه التيّار في محاولته إنقاذ إلياس الفخفاخ..؟؟!!

عبد اللّطيف درباله 

هناك واقعة معلومة ومعروفة ومجرّبة مئات المرّات..
في البحر.. عندما يغرق شخص.. فإنّ من يحاول إنقاذه.. يجب عليه أن يعرف بدقّة التوقيت واللّحظة التي عليه أن يكفّ فيها مُكرها عن مهمّته النبيلة.. واللّحظة التي يجب أن ينسحب فيها.. لأنّه إذا ما فات ذلك الوقت.. فإنّ قواه ستخور بدوره.. ولن يقدر على النجاة بنفسه.. وسيغرق مع من حاول إنقاذه بلا جدوى..
وهي “نقطة اللاّعودة”..
معرفة ذلك الوقت المناسب (“نقطة اللاّعودة”) ليس أمرا سهلا..
فهناك غالبا إنعدام للقدرة على حساب الوقت والجهد المتبقّي بدقّة..
وهناك ما هو أهمّ.. وهو عاطفة إنسانيّة عامّة تدفع للمحاولة إلى آخر وقت.. أو عاطفة خاصّة اتّجاه الغريق إذا ما كان شخصا قريبا للمنقذ.. وتجعله يحاول معه إلى الرمق الأخير..
وهو السبب عموما في غرق أعداد كبيرة من المنقذين..

في الحياة العامّة وفي السياسة.. فإنّ الأمر مطابق تماما..
فعندما توشك شخصيّة سياسيّة.. على الغرق “السياسي”.. فإنّ من يحاول إنقاذها.. عليه أن يعرف التوقيت المناسب (“نقطة اللاّعودة”) التي يدرك فيها بأنّ مجازفته بالاستمرار في محاولاته رغم أنّ عمليّة الإنقاذ السياسي قد يكون ميؤوسا منها.. وأنّ الشخص يوشك فعلا على الغرق ولم يعد من الممكن إنقاذه.. أن يدرك بأنّها لم تعد تجدي نفعا.. وإنّما قد تؤدّي إلى غرقه معه هو أيضا..!!

طوال سبع سنوات منذ تأسيسه عام 2013.. فإنّ التيّار الديمقراطي أقام كلّ مقاربته للسلطة.. و بنى سمعته السياسيّة على “مكافحة الفساد”..
لكنّ الكلام عن مكافحة الفساد في المعارضة سهل.. والأصعب منه تطبيق ذلك في الحكم..!!
ومنذ أن دخل الحكم.. وجد التيّار الديمقراطي نفسه في اختبارات بعيدة كلّ البعد عن الحملات السياسيّة والإعلاميّة التي كان يقودها كمعارض مناديا بمكافحة الفساد والنزاهة والشفافية.. وذلك في مجلس النواب وفي الإعلام وفي المنابر السياسيّة وفي الحملات الانتخابيّة.. حيث أنّ مقاومة الفساد ليس شكلا هندسيّا مفرزا.. وإنّما هي واقع متشعّب يرتبط خصوصا بمعطيات أخرى منها السلطة وشبكة الشخصيّات الحليفة والمنافسة.. والمصالح السياسيّة.. والصراعات..

مع بداية تجربة الحكم.. وبعد “اختبارات” صغيرة وسريعة للتيّار الديمقراطي ومحمد عبّو في مواجهة بعض ملفّات الفساد.. جاء الاختبار الثقيل والكبير والصعب.. ولم يكن يمسّ أحد قيادات أو وزراء أو نواب التيّار الديمقراطي.. وإنّما تعلّق بحليفه الرئيسيّ في الحكم رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ..
ابتدأ الأمر بشبهة تضارب مصالح وعدم الخضوع للقوانين الخاصّة التي توجب القيام بإجراءات معيّنة لرئيس الحكومة في ما يخصّ الشركات التي يديرها أو التي هو مساهم فيها وذلك بعد استلامه للسلطة.. وسرعان ما تطوّرت الأمور مع كشف المزيد من الأوراق إلى شبهات فساد تتعلّق بطرق الفوز بالصفقات نفسها بقيمة أكثر من 44 مليون دينار..
الوزير محمّد عبّو.. وأمين عامّ حزب التيّار الديمقراطي.. لم يحفظ الدرس من الاختبار السابق في ما عرف بقضيّة صفقة الكمّامات إبّان أزمة الكورونا.. حين ظهر للتخفيف من شبهات الفساد دفاعا عن وزير الصناعة.. قبل أن تظهر تقارير الرقابة ثبوت شبهات تضارب المصالح.. وتعرّض محمّد عبّو للنقد الشديد في الموضوع..!!
فقد عاود محمّد عبّو مرّة ثانية نفس الخطأ.. لكن بطريقة أكبر.. إذ سارع هو شخصيّا وزوجته القياديّة بالحزب والنائبة سامية عبّو وبقيّة كبار قيادات التيّار الديمقراطي بالدّفاع عن إلياس الفخفاخ.. بقوّة وضراوة وثبات..
لكن للعجب.. كانوا كلّما قدّموا معلومات وحججا ودفوعات لتبرئة وتبييض إلياس الفخفاخ.. ظهرت سريعا وثائق ومعطيات ومعلومات أخرى تخالفها أو تتناقض معها..!!
وكان يمكن لذلك أن يطلق جرس إنذار ويشعل الضوء الأحمر لحزب التيّار الديمقراطي وقادته.. بأنّ وضعيّة إلياس الفخفاخ صعبة.. وأنّهم لا يدركون تماما حجم تورّطه.. وتغيب عنهم المعلومات والمعطيات الدقيقة في شأنه.. وأنّ استمرارهم في انتهاج الدفاع عنه مكانه.. في حين يلازم هو الصمت.. يجعلهم في التسلّل في كلّ مرّة..!!
لكنّ أمرا سياسيّا آخر جعلهم يتجاهلون كلّ الأجراس وكلّ الأضواء الحمراء وكلّ الحذر والحكمة..!!!

فإلياس الفخفاخ هو من جعل التيّار الديمقراطي الحزب الأوّل من حيث النفوذ في السلطة اليوم.. برغم أنّ نسبة أصواته في الانتخابات التشريعيّة في حدود 6.39 بالمائة.. وعدد مقاعده في البرلمان في حدود 10 بالمائة..!!
وتحوّل محمّد عبّو إلى الرجل الثاني في الحكومة.. ليس لأنّه مُنح لقب وزير دولة.. أو لأنّه بقي بقصر الحكومة إلى جانب الفخفاخ.. وليس لكون هذا الأخير أسند إليه تفويضا غير مسبوق للإشراف على أغلب هيئات الرقابة وسائر الهيئات الحكوميّة الأخرى.. وإنّما لكون الفخفاخ وعبّو قاما بعقد حلف مشترك غير معلن بينهما.. للحكم معا..!!!
فأصبح الفخفاخ وكأنّه قياديّ بالتيّار.. وأصبح التيّار وكأنّه هو الحزب الحاكم الذي يمثّله رئيس الحكومة..!!!
حتّى أنّ التيّار الديمقراطي وفي تسويق نفسه سياسيّا أضاف إلى شعاره المعروف “دولة قويّة وعادلة”.. شعار إلياس الفخفاخ في حملته الإنتخابيّة الرئاسيّة “بدّل اللوجيسيال”..
في حين صرّح رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ في أوّل حواراته التلفزيّة الإعلاميّة بأنّه يعمل على تحقيق “الدولة القويّة والعادلة” متبنيّا بوضوح شعار التيّار..
وصار حزب التيّار الديمقراطي يتصرّف كما لو كان إلياس الفخفاخ “منهم”.. فيتكلّمون باسمه.. ويشرحون سياسته.. ويوضّحون برامجه.. ويدافعون عنه..!!
ولعلّ ذلك يعيدنا إلى محاولات جرت منذ سنوات لتوحيد حزب التكتلّ الذي أصبح حينها يقوده إلياس الفخفاخ مع حزب التيّار الديمقراطي.. على طريقة توحيد حزب التحالف الديمقراطي سابقا وانضمام محمد الحامدي.. لكنّ تلك الخطوة تعثّرت لعدّة أسباب.. ربّما من أهمّها رفض حزب التكتّل الإندماج كليّا في التيّار الديمقراطي وكأنّه هو الحزب الأصغر الذي انصهر في الحزب الأكبر.. وكذلك رغبة كلّ من محمّد عبّو وإلياس الفخفاخ الترشّح للانتخابات الرئاسيّة..!!

أضف إلى ذلك التحالف.. الصراع السياسي بين التيّار الديمقراطي وحركة النهضة.. حيث لم تكن الحركة تنظر بعين الرضا لتلك العلاقة بين التيّار وعبّو والفخفاخ.. وتراه إنقلابا ناعما على نتيجة الانتخابات.. حيث يحكم من انهزم في الانتخابات أمامهم وهو الفخفاخ.. مع الحزب الثالث بثلث نسبة أصواته وهو التيّار.. ويشغل محمّد عبّو مكانة الرجل الثاني في الحكومة..!!!
من الطبيعي والحالة تلك.. أن يدافع التيّار الديمقراطي عن رئيس الحكومة وأن يواجه معه بقوّة الشبهات التي تلاحقه ومحاولات خصومهما استغلالها ضدّه للإطاحة به.. وبالتيّار أيضا وفي نفس الوقت..
وأصبح لدى التيّار يقين بأنّ الإطاحة بالفخفاخ من الحكومة هي إطاحة به هو بالتبعيّة..!!!

عندا هذا الحدّ.. نزل التيّار الديمقراطي وجميع قياداته بكلّ ثقلهم ودون تردّد ولا توازنات.. للدفاع عن إلياس الفخفاخ ومحاولة إنقاذه بأيّ ثمن..!!
وأمام الموجات القويّة التي بدأت تضرب الفخفاخ من كلّ جهة.. النهضة من داخل الحكومة.. أحزاب المعارضة.. نواب مختلفون ومستقلّون.. لجان التحقيق البرلمانيّة.. الرأي العام.. الإعلام.. الجمعيّات.. القضاء.. بدأت قوى إلياس الفخفاخ تخور شيئا فشيئا.. وبدأت معها قوى التيّار أيضا تضعف في مواجهة المدّ العالي.. واستغلّت المعارضة الفرصة للركوب على الموجة..!!
وخرج محمّد عبّو بتصريحه بأنّه واثق تماما من نقاء وبراءة الفخفاخ.. وإن ثبت عكس ذلك فسيستقيل التيّار من الحكومة.. وهاجم منتقدي رئيس الحكومة بأنّ 90 بالمائة منهم هم الفاسدين..!!
وبرّأت القياديّة سامية عبّو.. والتي طالما دعت وزراء الشاهد للإستقالة عند أيّ شبهة فساد تثيرها.. برّأت إلياس الفخفاخ ومسبقا كما قالت من أيّ شبهات فساد.. وقالت أنّها تنزّهه لمعرفتها به وثقتها فيه.. وكان ذلك في الجلسة العامّة الأخيرة بالبرلمان..!!
أمّا رئيس الكتلة الديمقراطيّة بالبرلمان والقيادي بالحزب هشام العجبوني.. فقد تحوّل لمحامي إلياس الفخفاخ في كلّ المنابر الإعلاميّة.. وكتب ونشر “مذكّرات” الدّفاع عنه على صفحته على الفايسبوك.. ومارس ضغطا على لجنة التحقيق البرلمانيّة التي كان نائب رئيسها..!!
وعمل بقيّة نواب التيّار بدورهم على صدّ الهجوم عن رئيس الحكومة..

لكن في غمرة كلّ ذلك.. نسي التيّار وقاداته.. بأنّهم يربطون أنفسهم أكثر فأكثر بإلياس الفخفاخ.. وبأنّهم أصبحوا شركاء معه في مصيره.. إن لم يكن بالمسؤوليّة الشخصيّة والقانونيّة.. فبالمسؤوليّة السياسيّة وبالمخاطرة بالرصيد الشعبي والانتخابي..!!
ومع إدراكهم بأنّ ضرب الفخفاخ يُقصد به أيضا ضرب التيّار الديمقراطي نفسه.. ومحمّد عبّو بالذات..
وإدراكهم بأنّ إسقاط الفخفاخ بالضربة القاضية.. هدفه تغيير الحكومة وطردهم منها.. أو حصرهم في الزاوية..
فإنّ التيّار الديمقراطي ومحمّد عبّو.. يبدو أنّهما فوّتا في أوجّ حماسهما وصراعهما وحسابتهما من أجل السلطة.. خطر تجاوز “نقطة اللاّعودة”.. وتجاوزا خطّ النجاة في محاولة إنقاذ إلياس الفخفاخ.. وغفلا عن ضرورة فكّ الإرتباط به في الوقت المناسب.. عندما تأكّد لجميع المراقبين بدم بارد لما يحدث أنّه غارق لا محالة.. وأنّ الأمر مسألة وقت ليس أكثر..!!
وأصبح الأمر الواقع الذي قاما بتكريسه هو أنّ مصيرهما مرتبط تماما بمصير الفخفاخ..
وكان للناظر وللمراقب الحكيم قبل أن أيّام أن يفكّر في الفرضيّات الثلاثة القادمة:

  • إنّ تجاوز الفخفاخ محنة الشبهات.. واتّضحت براءته يقينا.. ربح التيّار الديمقراطي الجائزة السياسيّة الكبرى.. ورسّخ مرّة أخرى صورته كحزب لا يدافع عن الفساد والفاسدين مهما كانت المصالح السياسيّة.. رغم بعض الشوائب الانطباعيّة التي قد تترسّخ لدى بعض الذين لن يؤمنوا برغم كلّ ذلك ببراءة الفخفاخ رغم كلّ الأدلّة..
  • إن ثبتت تهم الفساد في حقّ إلياس الفخفاخ.. فإنّ ذلك سيكون ضربة سياسيّة وشعبيّة موجعة تماما لحزب التيّار الديمقراطي.. وقد يكسر مستقبله السياسي.. وسيزيل عنه تلك الهالة النزيهة والنقيّة التي صنعها بجدّ ومثابرة طوال مسيرة سبع سنوات..
  • إذا ما لم تقع لا تبرئة ولا إدانة إلياس الفخفاخ في الشبهات الموجّهة إليه.. وبقي في المنطقة الرماديّة.. فإنّ الأمر سيكون متروكا للمخيّلة الشعبيّة.. ولن يمكن للتيّار الديمقراطي أن يعرف “الحساب” ويعاين تأثير تلك المغامرة السياسيّة عليه.. إلاّ بعد خمس سنوات في الإنتخابات القادمة.. أو ربّما قبل ذلك..

واليوم ومع صدور تقارير المحاسبة عن هيئات الرقابة بكلّ من رئاسة الحكومة ووزارة الماليّة.. وإقرارهما بأنّ صفقات شركات إلياس الفخفاخ لم تكن قانونيّة.. وأنّه كان يتعيّن لأسباب عديدة إقصائها من الصفقة..
وفي انتظار التقارير التكميليّة..
وفي انتظار مآل التحقيقات القضائيّة..
يجد التيّار الديمقراطي نفسه ومؤسّسه محمّد عبّو في وضع سياسيّ صعب جدّا.. وموقف حرج لا يحسدان عليه..!!!
فقط لطّخت بقعة “الدفاع عن الفخفاخ” ثوب الشفافيّة ومكافحة الفساد الذي طالما رفعاه طوال مسيرتهما..!!

وربّما ستشهد الساعات والأيّام القادمة.. فرصة في الوقت الضائع للتيّار الديمقراطي.. قد تساعده في التخلّص إلى أقصى حدّ من الأثر المدمّر لإصراره على إنقاذ الفخفاخ.. أو على العكس في تأكيد تدميره تماما..!!
ويتطلّب الأمر الكثير من الحنكة والذكاء السياسي ومن الدم البارد ومن الخبرة.. لمعالجة هذا الجرح وهو لا يزال نازفا ومفتوحا.. ربّما قبل فوات الأوان.. وتجنّبا لأخطاء كارثيّة جديدة..!!
وربّما يتطلّب العلاج السريع خاصّة التخلّي عن العناد ومركّب الغرور القاتل الذي بدأ يصيب بعض قادته.. والتواضع بالاستماع لنصائح ومشورة الكثير من المحيطين به المقرّبين منه.. الذي لم يروا سابقا ما رآه الزوجان عبّو وقادته.. وكانوا على صواب أكثر منهم جميعا.. لكن من من أحد في التيّار استمع لنصائحهم..!!!

شاهد أيضاً

وأخيرا عادت الذاكرة لوزارة الخارجيّة التونسيّة

عبد اللّطيف درباله  وأخيرا عادت الذاكرة لوزارة الخارجيّة التونسيّة فعرفت “بعض الجهات” على خريطة العالم.. …

صمت الخرفان فيما يخصّ فرنسا وماكرون..!!!

عبد اللّطيف درباله  فيلم “صمت الخرفان”.. ولا حياة لمن تنادي في تونس في ما يخصّ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.