الأربعاء , 28 أكتوبر 2020

عصر الجماهير 2 أو القذّافي يُبعث في تونس

نور الدين الغيلوفي 

رضا شهاب المكّي شُهر لينين كان شاهدا على صعود اليسار في الجامعة التونسيّة.. وعاصر عهد انحداره وانكساره.. واندحاره بما كسبته أيدي زعاماته وما انتهت إليه عقولهم المتحجّرة وأفكارهم الكهنوتيّة.. كأنّهم لم يقرأوا ماركس ولم يمرّ بهم جدوَلُ جدله…

رضا لينين

غاب لينين التونسيّ في الأوساع وأكل الخبز مع الطاعمين الكاسين.. عاش سليما معافًى آمنا في سربه، ولم يؤثَر عنه أنّه قال عبارة تُحسب في رصيد نضاله أو رحل لبغية معلاة من المعالي.. لزم غيبته التي طالت واستمرّت.. واستغرقت سنوات من عمر الثورة، ثمّ إنّه بُعث من جديد ينسل من جدَثِهِ ليبشّر الشعب التونسي بعصر جديد.. عصر تحكمه مقولة “حكم الشعب بالشعب لفائدة الشعب تحت رقابة الشعب” في حكاية، لا ريب فيها، لتنظيرات المرحوم العقيد معمّر القذّافي في نظريته العالميّة الثالثة في كتابه الأخضر الشهير…

لقد ظللنا نسمع عبارة “عصر الجماهير” من القذّافي أكثر من أربعين عاما انتهت بثورة الشعب عليه وانكشف للناس أنّ ليبيا لم تكن دولة طيلة ذلك الوقت إنما كانت ضيعة يحرسها إقطاعيّ عاش يردّد “السلطة والثروة والسلاح بيد الشعب”.. ويتغذّى من روح القبيلة لم يخرج عن مضاربها…

ولمّا ثار الشعب عليه واختفى من المشهد عمّ الخراب وشبّت نار الإحتراب وانكشف أنّ ليبيا لا تزال في زمن القبائل تحدّد مصيرها وترسم أفق الاجتماع فيها.. كأنّه كان مكلَّفا بتعطيلها وقطع طريق التطوّر عليها.. وطال زمن التكليف وثقلت الكُلفة…

هذا هو العصر الذي يبشّرنا به رضا شهاب المكّي لينين خِدْنُ الرئيس قيس سعيّد.. عصر تغادر فيه النخبة لتحلّ محلّها المنظومة.. النخبة السياسة الظاهرة هي في فهم لينين النكبة بوجهيها: الحكم والمعارضة.. أمّا المنظومة فهي منظومة حكم فقط ولها أضلاع أربعة:

  • حكم الشعب
  • الحكم بالشعب
  • الحكم لفائدة الشعب
  • الحكم تحت رقابة الشعب.

وفي جملة واحدة:
(يحكم الشعب بنفسه لفائدته تحت رقابته)
حكم بعيد عن ديمومة الكراسيّ.. هو ذاته ما ظلّ يبشّر به العقد الراحل معمّر القذّافي طيلة حكمه عملًا قوليّا لا يحيد عنه.. حتّى ذهب القائل والمقُول…
حكم القذّافي ليبيا اثنين وأربعين عاما.. وبينما كان يهذي بالشعب صاحبِ السيادة وسيّد السلطة والثروة والسلاح كان الشعب الليبي يتحوّل، شيئا فشيئا، إلى مسحوق يذروه العقيد ليتحوّل هو إيّاه.. فإذا ذُكر الشعب فالقذّافي هو الشعب.. وإذا ذُكر الفاتح كان القذّافي هو الفاتح.. وبلغ به جنون عظمته أنّ ابتدع تقويما تاريخيا لم يقل به قبله أحد من العالَمين.. حتّى إذا انتفض عليه شباب ليبيا يسألون متنفّسا لهم سألهم (من أنتم ؟)..
وعلى خطى القذّافي نفسها يسير رضا لينين.. اليوم يقول للنخبة من أنتم ؟ وسيقولها للشعب غدا…
ولست أدري أين يرى رضا لينين هذا الاتّجاه العالمي؟
وكيف تفرّد برؤية ما رآه؟
وما الذي سيفعله في النخبة/ النكبة التي تتوزّع بين الحكم والمعارضة؟
هل أعدّ، بعدُ، لهم الحافلات الثلاث التي صرّح، مرّة، بأنّه سيشحنهم بها إلى مصير لم يصرّح به؟
لعلّ حجّة لينين الباهرة هي هذه الشعبوية التي اجتاحت بعض دول العالم التي ضاقت بالنخب التقليدية فعاقبتها واختارت حكّاما لها من خارج أحزابها المعروفة مثلما فعل الشعب الأمريكي بانتخاب ترامب وكما فعل الشعب الفرنسي بانتخابه ماكرون..

ولقد كشفت زيارة الرئيس التونسي الأخيرة إلى فرنسا كيف أنّ ماكرون هو القائد الرمز الذي يقتدي به.. يترجم اقتداءَه ما بدا عليه أمامه من انسحاق مُخِلٍّ واعترافُه بأنّه لم يكن ما كانه إلّا بعد قراءة ما كتب ماكرون وقراءة ما قرأه.. ولعلّه لأجله قرّر تحويل مجرى التاريخ في تصريحه الشهير بأنّ فرنسا لم تحتلّ تونس ولكنّها جاءت لحمايتها…

انتخبت الشعوب الأوروبية والأمريكية رؤساء شعبويّين من خارج السيستام في احتجاج ديمقراطيّ لافت على النخب التقليدية ولكنّ أحدا من العقلاء بين هؤلاء لم يقل إنّه اتّخذ القرار بوضع نهاية للديمقراطية بعد أن أثبتت فشلها وانتهت صلوحيتها…

وحده رضا لينين، ومن قبله أو من بعده قيس سعيد، رأى ذلك في ما يشبه النور الذي يُقذَف في الصدور…
وعملا بهذا التفكير اقترح قيس سعيد على أشقّائنا الليبيّين أن يقيموا برلمانا للقبائل الليبيّة لحسم خلافات الفرقاء الليبيين في ترتيب اجتماعهم السياسيّ كما فعلت القبائل الأفغانية عبر آلية اللويا جيرغا…
إنّها الشعوب والقبائل تتعارف لتبنيَ عصر الجماهير التي تحكم نفسها بنفسها وتنقاد بفطرتها المستعادة إلى إقامة مدينتها الفاضلة في عَوْدٍ على بدء.. المشاعية البدائية.. كما بدأنا أوَّلَ خلقٍ نُعيدُه…
إنّها عبقرية لينين أيها السادة..
ما أعجل هؤلاء إلى الادّعاء..
كأنّ روح القذّافي قد حلّت بهم فبُعثوا من مراقدهم للتنظير والتقرير باسم الجماهير التي عجزت عن تقرير المصير فاتّخذتهم وكلاء لها…
ألا يخجل هؤلاء الأدعياء؟

شاهد أيضاً

في دعم عبد السلام الككلي

نور الدين الغيلوفي  كلّ الدعم للأستاذ النقابيّ عبد السلام الككلي في معركته القانونيّة لأجل ديمقراطيّة …

ماكرون والإسلام محاولة في الفهم

نور الدين الغيلوفي  لو لم يسيء المسلمون إلى رسولهم لما تجرّأ عليه وعليهم غيرهم.. ومن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.