السبت , 31 أكتوبر 2020

“اللي يحسب وحده” دليل قاطع باستحالة علاج الحمقى

أبو يعرب المرزوقي 

لما كتبت بأن ما حصل ليس لائحة عدم ثقة بالمتحيلين بل هي استرداد المتصدين ثقتهم في أنفسهم واستعدادهم لرفع التحدي كنت متيقنا بأن كل حسابات الأولين في هذه الأزمة الحالية مبنية على نفس الابتزاز في الأزمة السابقة وتكراره:

  1. مناورة تعيد الأمر إلى الوضعية الأولى
  2. والتهديد بحل البرلمان وإعادة الانتخابات

وهذا السيناريو بدأوه بما هو أقل كلفة أي بالابتزاز الذي قد يحافظ على الوضعية التي تحققت بفضل نفس الابتزاز في المرحلة السابقة التي أتت بالفخفاخ.
وطبعا هذا السيناريو فشل لأن لائحة اللوم قبلت بالابتزازين:

  1. أقدمت على القبول بفرضية نجاح لائحة عزل الشيخ.
  2. وأقدمت على فرضية “طرد” وزراء النهضة من الحكومة.

فكل شيء متوقع ومنتظر من جماعة لم يبق لها أدنى قطرة ماء في وجوه من ينتسبون إليها وهم في طور اليأس لأن الفرصة اذا ضاعت ستكون نهايتهم مثلهم مثل الجبهة وتفتتهم نهائيا حتى لو فعلوا نفس الأمر فلجأوا إلى مافية المافيات أي الاتحاد بعد ما “تكب سعده”.

نحن الآن أمام مناورات لسنا جاهلين بتطوراتها الممكنة وأن هدفها الحالي هو استعادة نفس الوضعية التي كانت خاتمتها فضيحتان ضربت في العمق كذبة نظافة الرئيس ووطنيته وكذبة كفاءة وزيره الأول وشرعيته لأن تعيينه مخالف نصا وروحا للدستور:

  1. فالرئيس تبين مجرد صبائحي أمام ماكرون حتى إنه رغم احتقاري له ورغم عدم اعتباري إياه ممثلا لتونس “سخفني” بما وصل إليه من تذلل لا يقبل حتى من أدنى عامل “كلندو” من الحارقين إلى فرنسا.
  2. وزيره الأول أنهى خرافة “نظافة الرئيس” إذ بين -فضلا عن بيان حمقه لتعيين من يجهله- أنه لا يمكن أن يكون اختاره حقا بل فرض عليه لأن عدم الجهل يعني العلم مع التجاهل فيكون مثله بل وأكثر منه “وساخة” لأن اختياره يصبح عن سابق علم وترصد للإضرار بالدولة والشعب.

لسنا غافلين عن فرضية أنهم سيمرون إلى السيناريو الأخير أي العودة إلى الوضعية التي ترتب عليها تعيين الفخفاخ أي التهديد بحل المجلس بعد تعيين من لم يخرته أصحاب لائحة اللوم واستباق ذلك بدعوى الاستقالة المخبأة في الدرج قبلها.

فما غفل عنه هؤلاء الحمقى هو أن من قبلوا باللامبالاة بالابتزازين السابقين -وقد افترضته حاصلا وصار الفرض حقيقة- لن يخيفهم الابتزاز الذي ما زالوا يعتقدون أن للرئيس وزنا إذا حل المجلس وأعيدت الانتخابات:
ثقوا أنه سيكون صفر فاصل مثل من يسنده حاليا في الداخل.

ما غاب على أذهانهم -وطبيعي لأنهم حمقى- هو أن هذا الابتزاز لم يعد يخيف أحدا. وذلك لأن الكثير من الماء سال في جداول الوعي لدى المجموعة الوطنية التي ليس لمن يقودون مغامرات الرئيس وجماعته علاقة بها وخاصة بمحركات التفاعل مع ما سيدور من حملات انتخابية إذا عدنا إلى الشعب في انتخابات مبكرة.

فما كان يخوف به الرئيس معارضيه لم يعد مجهولا من احد. وما كان يدعيه حزب البسكلات وحزب البراميل لم يعد خافيا عن أحد. ومعنى ذلك أن خطاب من يتصورونهم سيخسرون الانتخابات مضمونه محدد سلفا وهو مجرد عرض ما اتضح من خطابات الرئيس وسلوكاته ومن سلوك الحزيبين اللذين تبينت حقيقتهما للجميع.

لكن لا بد من سلاح انتخابي أقوى من ذلك لأن الجماعة لهم سلاح آخر وهو مضاعف وكلاهما معلومان من الآن:

  1. الأول هو سند الثورة العربية المضادة بفرعيها الذي وراءه إسرائيل وفرنسا والذي وراءه إيران وفرنسا والتي ستمول الحملات الانتخابية وشراء ضمائر الناخبين.
  2. الثاني هو السند المباشر لفرنسا وعملائها من الشق الثاني الذين هم منافسون لهم بالقوة وكانوا ينتظرون أن يكون خراج المعركة عائدا لهم بعد أن يزول غبارها.

فكل فتات النداء وكل فتات اليسار والشابي والذين غدروا بالمرزوقي وفتات التكتل وفتات حزب الشابي كل هؤلاء كانوا يشاركون على احتشام منتظرين نتيجة المعركة لأنهم يعتبرون معركة سعيد والنهضة ستنتهي بجعل الحل الوحيد هو العودة لما قبل الثورة.

فهل سـ”نعودوا فين كنا” ؟
إذا علمنا ما هو الانتيدوت (البلسم) ضد هذين السلاحين فسيتأكدوا أنهم من جنس من “يحسب وحده” ولن يفضل لهم إلا ما هم عليه حاليا: صفر فاصل.

وهذا السلاح بسيط الاكتفاء بكشف حقيقتهم للشعب انطلاقا من تجربة تونس أولا ومن تجربة ليبيا ثانيا وتجربة السوفيات ثالثا وتجربة الملالي رابعا وتجربتهم هم خاصة.

وأبدأ بجمع التجربتين الأوليين:
تونس في عهد التعاضد وليبيا في عهد اللجان الشعبية.
قد يكون جل التونسيين يجهل المسألة الثانية أي تجربة اللجان الشعبية وكلفتها في ليبيا إذا ما استثنينا إخوتنا في الجنوب إلى حدود المهدية.

لكن لا يوجد تونسي وخاصة من أهل الريف والفلاحة يجهل تجربة التعاضد. فمن يتصور تونسي يمكن أن يقبل بمشروع جديد ستكون نهايته تأميم كل شيء لان ذلك هو حصيلة الجمع بين اللجان الشعبية والتحكم الفوقي الذي سيكون مضطرا للسيطرة على الملكية ونزعها من أصحابها حتى يوزع الغذاء اليومي لمليشياته؟

ولأجمع الآن التجربتين الثانيتين:
أي تجربة السوفيات وتجربة الملالي.
فقد يكون الكثير نسي مآل السوفيات الذي جعل روسيا تعود لحكم مافية بوتين والعودة إلى وضعية روسيا قبل الثورة أي حكم النخبة المافياوية وفساد الكنيسة الارتودوكسية مع الخردة السوفياتية.
لكن لا أحد اليوم يجهل ما يجري في إيران:
مافية الحرس المزعوم ثوريا وفساد الكنيسة الشيعية.

إذا جمعت التجربتين سيرى التونسي المآل المنتظر من مشروع سعيد لأنه يجمع بين رؤية الملالي ورؤية السوفيات ممثلة بمن حول الرئيس في القصر وبمن يطبلون له وبمن التحق بهم من خدم ابن علي.

فآخر المترشحين -صاحب الثورة الهادئة- مجد لقاء الرئيس الأخير باللصين وزيره الأول والجزار وتأسف لعدم حضور النساء الديموقراطيات لانتظاره وساطتهم لنيل سترابونتان في حريم قرطاج.

ولا أشك أن كل الذين يدعون الدفاع عن الجمهورية والتربية التي أفسدوها هم وحثالتهم النقابية -بدعوى الحداثة التي لا تتجاوز قشورها النباتية والحيوانية- لهم نفس الموقف وهم جزء من بيان ما ينتظر تونس في الخطاب الذي ينبغي أن يوجه للناخبين لأن مجرد وجودهم يعتبر حجة على المشروع وعلى صاحبه:
فليس معه إلا حثالة النخبة والمافيات.

ونصل إلى العنصر الأخير أي استراتيجية صاحب المشروع ومسانديه العقائديين الذين يهدف مشروعهم إلى لبننة تونس وشرطه التوفيق بين ما تحتاج إليه فرنسا وما تحتاج إليه إيران لأن القاعدة التي ستمثل موطئ قدم لهما في المغرب نظير موطئ القدم في المشرق.

فمن شرطها ككل محاولات الاستعمار والتشيع الحلف ضد الإسلام جمعا بين الخيانة الداخلية التي تتنكر بالإسلام وهو معنى الباطنية وأي عدو خارجي من الصليبيين والمغول في القرون الوسطى إلى الاسترداديين والاستعمار في ما بعدها إلى الآن كما في غزو العراق وسوريا.

وكل من يجهل أو يتجاهل هذا التاريخ لن يفهم المشروع الذي يمثله سعيد وفيلسوفه الكارك في دراسة القانون وكلاهما من علماء عقاب الزمان في القانون الذي تحول إلى نقيض أخلاقه أي إلى أخلاق التحيل القانوني.

وغاية القول ومسكه هو أن المتصدين لمثل هذه المشروعات لا يمكن أن تخيفهم العودة إلى صاحب السيادة بل هم يتمنونها. فليحسبوا وحدهم وسيرون أن حمقهم لا دواء له وأن المنازلة لن يربحوها سلما

بل وأكثر من ذلك إذا ذهبوا إلى جعلها تمر إلى ما تريده الثورة العربية بصفيها من مصرنة وسورنة ولبينة فإنهم حينها سيرون ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر بال “بقر” مثلهم.

فأبطال ليبيا دون مساندة من تركيا صمدوا عقدا كاملا.
وتركيا لم تساعدهم بالجند بل بالخبرة والتسليح الحديث.
وفرنسا لم يعد لها “جواجي” بعد أن ثارت عليها أفريقيا حتى لو بقي بين حركيي المغرب الكبير وصبايحيته من لم يزل يعتبرها قوة عظمى ويحصر الثقافة الحديثة في أدنى ممثليها هم حثالة المثقفين العرب عامة والمغربيين خاصة والمافيات الحاكمة في بلدانهم لأنهم ما زالوا متخلفين وفرنكوفيليين حبا في الفرنك لأنهم ليسوا حتى فرنكفونيين فجلهم “بوتي ناجر” حتى المجنس منهم فرنسيا.

شاهد أيضاً

الديمقراطية، شروط التحديثي والتأصيلي الكاريكاتورية

أبو يعرب المرزوقي  كلما سمعت “مثقفا” يدعي الحداثة يرهن أهلية الشعوب لقيادة نفسها سياسيا بما …

الإعلام: ما مشكله ؟ ولماذا يعسر علاجه ؟

أبو يعرب المرزوقي  ما فهمته من مشروع الإصلاح المقترح هو الإصلاح بإطلاق حرية المبادرة والاعتماد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.