الأربعاء , 28 أكتوبر 2020

تفجّر حرب الحكومة: “الغنّوشي ـ الفخفاخ”.. “حسابات وعقابات”..!!

عبد اللّطيف درباله 

والبلاد على حافة الهاوية اقتصاديّا واجتماعيّا..
وفي وقت تتفاقم فيه الأزمة الاقتصاديّة والماليّة.. خاصّة بفعل تداعيات أزمة كورونا..
وفي وقت يتوقّع أن تكون فيه نسبة النموّ الإقتصادي لبقيّة سنة 2020 سلبيّة قد تصل إلى ما بين (-6%) و(-7%)..
وفي وقت توقّف فيه إنتاج وتصنيع الفسفاط بقفصة.. ويهدّد المحتجّون في تطاوين بوقف ضخّ البترول في رمادة..
وفي وقت تشهد فيه عديد القطاعات والفئات والمناطق.. احتجاجات وإضرابات وتذمّر واحتقان..
دخلت الساحة السياسيّة بوضوح اليوم في حرب مفتوحة ومعلنة وشرسة..!!!

حركة النهضة أعلنت نيّتها الإطاحة بحكومة الفخفاخ.. وانطلاقها رسميّا في العمل على ذلك بقرار أعلى هيئة فيها وهو مجلس الشورى..
وأربعة كتل برلمانيّة منها حزب التيّار الديمقراطي وحركة الشعب وكتلة الإصلاح الممثّلة في الحكومة.. أعلنت نيتّها تقديم لائحة لإقالة رئيس حركة النهضة راشد الغنّوشي من رئاسة البرلمان.. والذي هو في الأصل مطلب رئيسي لكتلة خامسة هي حزب عبير موسي..
ورئيس الحكومة إلياس الفخفاخ.. ومن ورائه خصوصا حليفه الرئيسي التيّار الديمقراطي.. يردّ الفعل بإصدار بيان رسميّ يعلن فيه أنّ النهضة تعمل على تعطيل الحكومة وأخلّت بواجب التضامن داخل الإئتلاف الحكومي.. وأنّه سيقوم بالإعلان عن تحوير وزاري قريب.. في ما يفهم منه بوضوح أنّه توجّه لإقالة وزراء النهضة..
ومحمّد عبّو القائم فعليّا بدور الرجل الثاني في الحكومة.. والأمين العام لحزبّ التيّار.. يعلن في برنامج تلفزي مساء أمس صراحة بأنّهم يعملون على إخراج النهضة من الحكومة وابقائها في المعارضة..
ورئيس الجمهوريّة قيس سعيّد يعلن يوم أمس.. في خطبة عصبيّة ومتوتّرة.. بأنّه سيتعامل طبق الدستور مع أيّ وضع قد يحدث.. سواء باستقالة رئيس الحكومة أو بحجب الثقة عنه.. وأنّه لن يدخل في أيّ حوار أو تشاور قبل وخارج ذلك النطاق..

ساحة الحرب الرئيسيّة.. بالإضافة إلى وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.. هي مجلس نواب الشعب..!!
فكلّ “الخطط الحربيّة” تمرّ وجوبا بالرقم السحري (109).. وهو عدد الأغلبيّة النيابيّة التي يتطلّبها كلّ قرار..!!
لذلك يعمل الجميع اليوم على حشد المؤيّدين داخل قبّة البرلمان.. لجمع النصاب المطلوب لربح معركة كسر العظام بينهم.. والاستئثار بالحكم وبالسلطة..!!!

في غياب رغبة إلياس الفخفاخ في الإستقالة أو في مغادرة الحكم..
ومع تمتّعه بدعم بعض القوى والأطراف السياسيّة.. منها بعض الأحزاب المكوّنة للحكومة.. وبعض الكتل الأخرى خارج الحكومة.. سواء بالتلاقي معه سياسيّا.. أو بالتقاطع معه مصلحيّا في معاداة النهضة والغنّوشي..
ومنهم أيضا ربّما رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد.. أو الاتّحاد العام التونسي للشغل..
فإنّ طرف الحرب الأوّل إلياس الفخفاخ ومن معه من أحزاب مثل التيّار الديمقراطي وحركة الشعب.. قد يعمدون إلى محاولة جمع أعلى تأييد ممكن.. ولو بالتقاطع مع قوى يعادونها عادة..
وسيكون ذلك تكتيكيّا بجمع مسارين اثنين في نفس الوقت:

  1. إقالة وزراء النهضة من الحكومة.. وتعويضهم بوزراء من بقيّة الكتل التي من الممكن أن تساند الحكومة.. مقابل تصويتهم على منح الثقة للوزراء الجدد.. بما يكوّن أغلبيّة برلمانيّة جديدة تسمح لحكومة الفخفاخ في الاستمرار بقطع النظر عن إنسحاب أو إخراج النهضة.. ويحرمها في نفس الوقت من تكوين أغلبيّة لحجب الثقة عن حكومة الفخفاخ..
  2. التصويت على إقالة رئيس حركة النهضة راشد الغنّوشي من رئاسة البرلمان.. وربّما يفيد هذا التوجّه ليس فقط لمعاقبة حركة النهضة وإخراجها تماما من المشهد السياسي أي من الحكومة ومن رئاسة البرلمان.. ولكن لأنّ ذلك قد يسمح لفريق إلياس الفخفاخ بأن يعقد صفقة سياسيّة قيّمة.. يحصل بموجبها على عدد مهمّ من الأصوات لضمان استمرار حكومته.. وهي الصفقة التي من الممكن أن تتمّ مع عبير موسي.. بالاستجابة للطلب الذي طالما سعت إليه بعزل الغنّوشي من رئاسة البرلمان.. مقابل أن يصوّت حزبها (16 صوتا) لحكومة الفخفاخ..

وهكذا يمكن للفخفاخ عبر المسارين المتوازيين أن يحصل على أصوات ثمينة.. ويضرب عصفورين بحجر واحد.. حتّى ولو أوحى الأمر بتحالف ضمنيّ وإن كان غير صريح بين التيّار الديمقراطي وحركة الشعب وبين الحزب الدستوري الحرّ..

الأرجح أن تساند كتلة عبير موسي هذا التوجّه ولو بدون سابق اتفاق.. وبدون حتّى اشتراطها الحصول على أيّ مزايا من حكومة الفخفاخ أو الدخول فيها.. ففي النهاية هو يحقّق ضربة سياسيّة هائلة لحزب عبير موسي لتحقيق هدفيها الرئيسيّين:
إخراج النهضة من الحكومة والحكم ومن رئاسة البرلمان..!!!

إذا ما تأكّد يقينا من امتلاكه الأغلبيّة اللاّزمة.. من الوارد أيضا أن يذهب رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ إلى مجلس نواب الشعب للتصويت على الثقة له.. وذلك طبق الفقرة الثانية من الفصل 98 من الدستور.. طبعا بعد ضمان تأمينه لعدد 109 أصوات.. لأنّه إن فشل في ذلك سيعتبر مستقيلا آليّا ووجوبا..

في المقابل.. تسعى حركة النهضة إلى حشد 109 أصوات من أجل سحب الثقة من إلياس الفخفاخ.. بعد ما أظهره من رفضه للإستقالة.. ومن ردّ فعل لمحاربتها وعكس الهجوم في مواجهة حربها المعلنة عليه..
وحسابيّا.. فإنّ النهضة تملك مع إئتلاف الكرامة وقلب تونس ما يقارب 100 صوت.. وربّما تحتاج إلى ما بين 9 و12 صوتا إضافيّا ليمكنها التقدّم بعريضة سحب ثقة من حكومة إلياس الفخفاخ..
وتبدو مهمّتها أسهل نظريّا.. إذا ما حافظت الأحزاب الثلاثة فعلا على وحدتها.. واستطاعت أن تجلب لها كتلة أخرى صغيرة.. أو بعض أجزاء الكتل وعدد من المستقلّين الراغبين في أن يصبحوا من بين الإئتلاف الحاكم الجديد..
لكنّ الأمور غير محسومة..
ومواقف حزب قلب تونس.. وتضامن نوابه.. لا يمكن التعويل عليها.. خاصّة وأنّه بدأت محاولات من الفخفاخ لاستقطابهم..!!
في كلّ الحالات يوجد ما بين 20 و30 نائبا سواء بين المستقلّين أو بين المنتمين لكتل.. لا يزالون في المنطقة الرماديّة بين قطبي المعركة “الفخفاخ ـ الغنّوشي”.. بعضهم يعادي النهضة والغنّوشي.. ويعادي في نفس الوقت الفخفاخ وحكومته.. بما يمكن أن يبقيهم على الحياد في مثل هذه المعركة..
والبعض الآخر قد يكون سعيدا بإطاحة الغنّوشي من على رأس البرلمان.. لكنّه لن يكون سعيدا بإفساح المجال لحكومة الفخفاخ للسيطرة على الحكم..
وفي كلّ الحالات فإنّ مصلحتهم الذاتيّة وما سيجنونه من كلّ طرف.. هي التي ستكون معيار الحسم في اختيار “المعسكر” الذي سيميلون إليه..!!

لا تزال المعركة في بدايتها.. ولم تظهر كلّ الأسلحة ولا كلّ الخطط الحربيّة حتّى الآن..!!!

غير أنّه ولئن كان من الوارد أن تخسر حركة النهضة التواجد في الحكومة والحكم.. وأن تخسر في نفس الوقت رئاسة مجلس نواب الشعب.. فإنّها مع ذلك ستكون على أرض صلبة في المعارضة بثقل معتبر من 100 مقعد أو أكثر مع حلفائها..
وإن كان خروج الغنّوشي من رئاسة البرلمان يمكن أن يكون هزيمة معنويّة وسياسيّة مهينة للنهضة.. وللرجل..!!!
في المقابل.. فإنّ إلياس الفخفاخ لا يزال يقف على أرض “رخوة” جدّا.. اعتبارا لقضيّته في ما يخصّ شبهات تضارب المصالح واستغلال النفوذ والفساد المتعلّقة بالصفقات العموميّة لشركاته مع الدولة.. حيث أنّه من الممكن أن يحشد كلّ القوى معه.. ثمّ تثبت عليه التهم فتقلب الموقف السياسي رأسا على عقب..!!!
وهو ما سيجعل الكثير من القوى السياسيّة في مجلس النواب تتردّد بقوّة في ركوب سفينة الفخفاخ التي قد تغرق بفعل ما قد يصيب قبطانها في أيّ يوم.. أو على الأقلّ ستجعلهم يؤجّلون قرارهم إلى حين اتّضاح الرؤية بناء على ما سيظهر في مختلف التحقيقات المتعدّدة والمتوازية في شبهات رئيس الحكومة..
لكنّ عامل الوقت والتردّد قد لا يلعب لصالح الفخفاخ..!!!
لذلك يعوّل معسكر الفخفاخ على صدور نتائج تحقيق الهيئات الرقابية لكلّ من رئاسة الحكومة ووزارة المالية على أقصى التقدير يوم الجمعة من هذا الأسبوع.. كما صرّح بذلك الوزير محمّد عبّو.. في ما قد يظهر بأنّه مؤشّر على أنّ التقارير لن تتضمّن إدانة لرئيس الحكومة إلياس الفخفاخ.. بما قد يعطيه جرعة معنويّة ودفعة سياسيّة في حربه القويّة..!!!

أيّا كان المنتصر في هذه الحرب.. فإنّ تونس خاسرة بالتأكيد..!!!
ومهما كان الطرف الذي سيحشد الـ109 أصوات في البرلمان للبقاء في السلطة وإمساك الحكومة.. فإنّ الخارطة السياسيّة تدلّ على أنّه سيحصل عليها بشقّ الأنفس.. وصوتا صوتا.. وأنّها ستكون ظرفيّة فقط في وقت معيّن.. وأنّ وضعيّة حكومته ستكون هشّة..!!!
وأنّه بعد مرور بضع أسابيع فقط.. قد لا تصبح لها أيّ أغلبيّة تسمح لها بتنفيذ سياستها وتمرير قراراتها وقوانينها وميزانيّتها.. بما سيشلّ البلاد لأجل غير معلوم..!!!

وسينتظر التونسيّون كعادتهم.. سنوات عجاف.. من طبقة سياسيّة مهترئة ومتناحرة.. وغارقة في التفاهة وفي الصراعات العبثيّة..!!!

شاهد أيضاً

في السياسة، ينتصر من يقلل من الخصوم، وحدهم المراهقون يفعلون عكس ذلك.

الأمين البوعزيزي  في السياسة، ينتصر من يقلل من الخصوم، وحدهم المراهقون يفعلون عكس ذلك. فلق …

الإساءة للنبيّ حريّة تعبير.. والإساءة للعلم تستوجب الإيقاف فورا..!!!

عبد اللّطيف درباله  الإساءة للنبيّ محمّد في فرنسا حريّة تعبير تستوجب التضامن والحماية.. والإساءة للعلم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.